د. عبد الحميد فجر سلوم: تعليقا على الكلمة التوجيهية الأخيرة للسيد الرئيس بشار الأسد أمام الحكومة .. مع التحية لكل مسؤول يعيش مشاعر المواطنين كما يفعل الدكتور المقداد

د. عبد الحميد فجر سلوم

ليست المرّة الأولى التي يوجِّه فيها السيد الرئيس بشار الأسد وزراء الحكومة، ومسؤولي الدولة الآخرين كي يتمتعوا بالشفافية والوضوح والتواضع والاقتراب من عموم الناس وملامسة همومهم ومعاناتهم والسعي لإيجاد الحلول لها، وأن يكونوا خادمين للمواطنين بدل أن يكون المواطنون خادمون لهم..

في كافة الاجتماعات، كان السيد الرئيس يدعوهم للعمل بعقلية مؤسساتية، ويوجههم نحو تطبيق العدالة وتكافؤ الفرص والابتعاد عن الشخصنات والمحسوبيات، والاهتمام بذوي الشهداء، ووضْع الإنسان المناسب في المكان المناسب، واحترام المؤهلات والكفاءات والخبرات، ولكن هل كانوا يلتزمون بذلك؟. الجواب كلّا..

كافة المسؤولين يهزُّون برؤوسهم كعلامةٍ تأييدٍ لتوجيهات السيد الرئيس، ولكن هل بالممارسة العملية يطبقونها؟.  ربما هناك من يطبقونها وأنا لا أعرفهم، وهؤلاء استثناء، ولكن أجزم بأن الغالبية الأكبر من مسؤولي الدولة لا يطبقون منها شيئا، وهذه هي القاعدة المألوفة.. بل يفعلون عكسها تماما، والضحية دوما هم خيرة كوادر الدولة.. وهذه خسارة للدولة والوطن..

في آخر اجتماعٍ له مع الحكومة في 14 أيار 2019 ، تحدّث السيد الرئيس بلسان كل مواطن سوري وفي مقدمتهم البسطاء والفقراء والكادحين والمستضعفين الذين لا أحدا من مسؤولي الدولة يقيم وزنا لهم، إلا ما ندر، وأستطيع أن أستثني عدة مسؤولين أعرفهم، وبينهم الدكتور فيصل المقداد، ابن حوران البار، وابن سورية الوفي والمخلص، الذي نبتَ وترعرع في ظل عائلة كريمة أصيلة مجبولة بالعزِّة والكرامة والوطنية وعِشقِ تراب الوطن، وفي بيئة ريفية كادحة ونقية وصادقة، وأمضى عمره بالنضال لأجل الوطن.. لم تُغيِّره الأيام، ولا الوجاهة ، ولا المناصب، ولا الشهرة، ولم يتّجه نحو المال أو جمع الثروة، وإنما فقط للتفاني من أجل الوطن بكل ما يتمتع به من كفاءة وخبرة واسعة.. وبقي الإنسان النزيه اللطيف الهادئ المتواضع القريب من عموم الناس، الذي يختار كلماته بدقة ودبلوماسية بعيد عن التوتر والعصبية.. هذه هي نوعية المسؤولين الذين تحتاجهم بلدنا ويطمح لهم أبناء شعبنا..

لا أقول هذا الكلام عن الدكتور فيصل المقداد لأية غاية خاصة، ولا للتزلُّف(وأنا معروف بأنني لستُ من أهلِ التزلُّف) ولكن يجب أن نعطي كل مسؤول حقّه في الوطن، فمَن ينفتح على الناس ويهتم بشؤونهم ويعيش مشاعرهم فيجب أن يُذكَرْ ويُحَيَّ ويَعرف أن الناس تذكره بالخير وتحترمه، ومن لا يفعل ذلك ويغلق أبوابه في وجه الناس يجب أن يُنتقَد، حتى لا يستوي الجيد وغير الجيد..

إن توجيهات السيد الرئيس للحكومة بـِ (وضع آلية وإستراتيجية محددة لكيفية تعزيز التواصل مع المواطن السوري في المرحلة المقبلة والتعامل معه بشفافية لِما لذلك من تأثير على حياة الناس) قد جاءت بعد فترة من شكاوى المواطنين نتيجة الظروف الاجتماعية الصعبة التي عاشوها على مدى عدة أشهر، لاسيما في فترة البرد وندرة الغاز والمازوت، ووسط غياب ظهور المسؤولين المعنيين ومخاطبتهم المباشرة لأبناء الوطن..

وهذه التوجيهات تحمل كل المعاني..

إنها تعني: ضرورة تواضُع المسؤولين، وضرورة التعامل مع المواطنين بشفافية واحترام وموضوعية، وأن لا يقبلوا لغيرهم إلا ما يقبلونه على أنفسهم وعلى أولادهم، وأن لا يفهمون السُلطة أنها فرصة فقط لِجمع المال والمكاسب والامتيازات، وتظبيط أولادهم وأقاربهم على حساب العموم..

إنها تعني: الابتعاد عن التحيُّز والشخصنة والمحسوبيات، وتطبيق المعايير والأسس والقواعد في المؤسسات على الجميع، وليس الأمزجة والدّعس على كل المعايير .. فاحترام المعايير يعني احترام المؤسسات واحترام المؤسسات يعني احترام الدولة، والعكس صحيح .. وحينما نكون أمام مؤسسات فاشلة فنكون أمام دولة كذلك .. والمؤسسات ما لم تحكمها المعايير والأسس والقواعد ويتساوى أمامها الجميع بلا تحيّز ومحسوبيات فهي فاشلة وتتحول إلى حاضنات تفريخ للغاضبين على الدولة.. فكِبار القوم هم خَدَم القوم..

إنها تعني: ضرورة الإصغاء للناس ومحاورتهم وسماعِ آرائهم ومقترحاتهم، ورَفعِ الحواجز بين المسؤول والمواطن، فالبلد لم يعد يحتمل التعالي والتكبّر والنرجسية والغرور والشللية بالمؤسسات، وعقلية المَزارِع..

إنها تعني: أنه بمقدار ما يقترب المسؤول من عامّة الناس فإنهم يقتربون منه، وبمقدار ما يبتعد عنهم فإنهم يبتعدون عنه.. وبمقدار ما يديرون ظهرهم للمواطن فإنه يدير ظهره لهم، بل قد يدير لهم صدرهُ ولكن للمواجهة والصراع وليس للتقبيل والعناق..

إنها تعني: أن يكون المسؤول رافعة للحكومة والدولة وليس عبئا على الحكومة والدولة، بدلا من أن يستقطب الناس إلى جانب الدولة فإنما يستعديهم على الدولة..

نتمنى أن تكون توجيهات السيد الرئيس هذه المرة كتابا مفتوحا يقرأ منه كل مسؤول في هذه الدولة، ومُدوَنَّة سلوك أشبه بالنظام الداخلي للعلاقة بين المسؤول والمواطن ..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. التصفيق الحاد الذي قاطع به النواب كلمة الرئيس والرقابة الموجهة نحو صغار التجار وصور الرئيس التي تملأ الشوارع الخ كل ذلك واكثر ما هو الا ادلة على أن التغيير في سورية ومكافحة الفساد غير مطروحين على الطاولة

  2. جهاز الدولة يلزمه بكل تأكيد مع التوجيه الصحيح صحافة و رقابة و قضاء

  3. كلام في الصميم والبلد بحاجة للمسؤولين المتواضعين القريبين من الناس وياليتهم ينفذون توجيهات السيد الرئيس لكانت البلد بألف خير. والدكتور فيصل المقداد معروف بتاريخه النضالي ولا يمكنه أن يكون إلا متواضعا انسجاما مع مبادئه النضالية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here