د. عبد الحميد فجر سلوم: تركيا: بدل تصفير المشاكل مع الجميع فقد اتّسعَت مع الجميع وشملت حتى الحليف الأمريكي التاريخي

 

د. عبد الحميد فجر سلوم

عندما تولى الأكاديمي أحمد داوود أوغلو في أيار 2009 حقيبة الخارجية التركية خلفاً لـِ “علي باباجان” وصفَه دبلوماسي تركي قديم بأنه الرجل القادر على “تعبئة النبيذ المُعتّق في زجاجات جديدة ” ..

 فأحمد داوود أوغلو سبق وأكد في كتابه (العمق الاستراتيجي  Strategic Depth ) الصادر عام 2001 أن تركيا قد أصبحت بلداً مفتاحاً في المنطقة وأنها خدمت كقاعدة متقدمة لحلف الناتو خلال الحرب الباردة، وإدراكها اليوم لأهمية موقعها الجيو- استراتيجي والجيو- بوليتيكي وخاصة في الشرق الأوسط سوف يجعل منها  لاعباً عالمياً.. وبمعنى أخرا فإن تركيا تبحث عن دور لها بعد الحرب الباردة وهو يقترح السبُل للعب هذا الدور..

نظرية أحمد داوود أوغلو ناقضتْ الرؤية القديمة التي سادت لِحقبةٍ من الزمن  لدى الساسة الأتراك الذين اعتبروا أن موقع تركيا الجغرافي وتاريخها هما المشكلة الكبرى..

أنصار نظرية أحمد داوود أوغلو كانوا يجادلون بأن تركيا موجودة في أضعف جزء من العالم تسودهُ كل أشكال الصراعات، وأن موقع تركيا الاستراتيجي يجب أن يُحسَب له حسابا..

وخلال حفل تنصيبه كوزير للخارجية التركية في أيار 2009  صرّح أحمد داوود أوغلو:(أن السياسة الخارجية لتركيا قد تغيرت من الأزمات الموجّهة  Crisis-Oriented إلى الرؤية  Vision وأن لدى تركيا حالياً رؤيةٍ لِسياسةٍ خارجيةٍ أقوى إزاء الشرق الأوسط والبلقان ومنطقة جنوب القوقاز  وهي  لم تعد تكتفي برد الفعل على الأزمات وإنما إدراكها قبل اندلاعها والتدخل..) .. والمقصود التدخُّل قبل اندلاعها كي لا تندلع..

نظرية “العمق الاستراتيجي”هذه لدى أحمد داوود أوغلو كانت تقوم على أساسين: الموقع الجيوــ استراتيجي، والعمق التاريخي.. ويعتقد أوغلو أن تركيا تتمتع بالعاملين معا.. فموقعها يؤهلها للتأثير في المناطق الجيوــ بوليتيكية، وإرثها العثماني يؤهلها أيضاً لتكون إسلاميا القوة الإقليمية الكبرى.. هكذا هو تفكير ” العثمانيون الجُدد”..

 وكان يعتقد داوود أوغلو أن تركيا لا يجب ان تعتمد على لاعب واحد وإنما عليها أن تبحث حثيثاً عن سبُل لِعلاقات وتحالفات متوازنة حتى تتمكن من المحافظة على استقلالها، وتُشَكِّل ثِقلاً على المسرح الإقليمي والعالمي، وهذا ما يتطلب من تركيا (تصفير) خلافاتها  مع محيطها الإقليمي، أي جعل خلافاتها صفرا مع الجميع، وإيجاد حلول وتسويات لكل ذلك، واستعارَ تعبير ما يعرف بـِ (خيار الصفر Zero Option ) وإطلاقه على هذه الحالة، وهو التعبير أو الاسم الذي سبَق وأُطلِقَ  على الاقتراح الأمريكي في أوائل عهد الرئيس ريغان عام 1981 والقاضي بسحب كافة الصواريخ النووية المتوسطة المدى (السوفيتية والأمريكية) من أوروبا، ومن ثم تَوَسّع هذا المصطلح (خيار الصفر) ليشمل فكرة إزالة الأسلحة النووية في كل مكان.. ولكن وكما يُقال في المثل العامّي ( حسابُ الحقل لم ينطبق على حساب البيدر) والتنظير في الكتب الأكاديمية والجامعية شيئا والتطبيق الفعلي على أرض الواقع شيئا آخرا.. فأحمد داوود أوغلو استخدم (خيار الصفر) بالمعنى الأكاديمي المُجرد والحساب الرقمي، ولم يُدرِك أنه ليس كلَّ ما  يُدرّسُ في كتب السياسة نظريا يمكن تطبيقه عمليا.. فهذه علوم نظرية خاضعة للمتغيرات والتقلبات والأوضاع والتطورات غير الثابتة، وليست علوما تطبيقية خاضعة لنظريات ثابتة علميا.. أي ليست علوما طُبية ولا هندسية ولا ميكانيكية ولا تكنولوجية، ولذلك فقد سقطت نظريته في تصفير المشاكل سقوطا هائلا، ليس في محيط تركيا الإقليمي وإنما حتى خَلْفَ ذلك ببعيد..

أحمد داوود أوغلو طرحَ نظرية (تصفير المشاكل) مع محيط تركيا الإقليمي ولكن دونما تقديم أية تنازلات من تركيا لحل مشاكلها مع جوارها الإقليمي.. فلم تكن تركيا على استعداد للتحدث حول اسكندرون السورية المغتصبة عام 1939 والتي أسموها (هاتاي) ولا عن (أرمينيا الغربية) التي كانت تشكل مع أرمينيا الشرقية (الحالية) بعد الحرب العالمية الثانية جمهورية أرمينيا الأولى واستولوا عليها في أيلول 1920 وأسموها (شرق الأناضول) وتعُادل ثلثي أراضي أرمينيا حاليا، ولا تقديم أية تنازلات في قبرص أو في بحر إيجه أو لجيرانها في البلقان، أو حتى للأكراد،  فماذا كان يعني خيار الصفر بعقيدة أحمد داوود أوغلو؟.

إنه كان يعني ببساطة القفز على التاريخ وترسيخ الوضع الحالي لتركيا مع كل محيطها الإقليمي والاعتراف لها رسميا بحدودها الحالية البرية والبحرية التي تضم ضمنها أراضي الغير، والاعتراف بكل أمرٍ واقعٍ فرضته تركيا بالقوة حتى في شمال قبرص.. ومِن ثم البحث لتركيا عن الدور المفقود  بعد الحرب الباردة عندما كانت تُشَكل خط الدفاع الأول عن الناتو في مواجهة الشيوعية السوفيتية ..

أحمد داوود أوغلو كان يتطلّع لِأن يتلقفهُ الغرب من خلال نظريته المُشار إليها، ولذا فقد وقف  أمام نخبة من الكُتّاب الأتراك ليلة 8/10/2011 ورَمَى بنفسه بقوة في الحضن الغربي، حينما صرّح أن تركيا جزءاً من المعسكر الغربي.. إلا أن هذا الغرب الذي عانى كثيرا من الأتراك عبر التاريخ لا يريد تركيا جزءاً منه وهذا ما أوضحه الرئيس الفرنسي ساركوزي بشدة لدى زيارته لأرمينيا في 7/10/2011 عندما قال: إن تركيا لا تُعتبَر جزءا من الإتحاد الأوروبي (أي من الغرب)  مُطالبا إياها بقوة أيضا للإقرار بماضيها والاعتراف بالمجزرة الأرمينية.. وهذا ما خلق حينها نوعا من التراشق الدبلوماسي بين الطرفين إذ ردّ حينها المسؤولون الأتراك وقالوا: أنه على فرنسا أن تواجه ماضيها الاستعماري قبل إعطاء الدروس للآخرين عن كيفية مواجهة التاريخ..

 فالطرفان، تركيا وفرنسا، لهما ماضٍ استعماري، وقد خرَقَتا معا معاهدة (سيفر للسلام Sevres ) المُوَقِعَتان عليها في 10 آب 1920 وتم بموجبها تحديد حدود تركيا ثم بالتواطئ بينهما تم توسيع حدود  تركيا في معاهدة لوزان 1923 لتتوسع شمالا وتصل قريبا من حلب، وغربا لِتَضُم لواء اسكندرون وإنطاكية السوريين  بعد 19 عاما من تلك الإتفاقية، أي عام  1939..

وقد سبق أن أجرى (مركز أبحاث بيو) ومقره واشنطن، استطلاعا وأظهر أن  17% فقط من الشعب التركي يعتقد أن مستقبل  تركيا في أوروبا، بينما رأى 25%  أن مستقبلها هو في الشرق الأوسط..

إن نظرية (خيار الصفر) التي طرحها أحمد داوود أوغلو نراها اليوم وقد سقطت سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا وأكاديميا وأخلاقيا وأضحىت صِفرا بلا قيمة حسابية، مع احتلال أردوغان لبعض الأراضي السورية، وأمام انبعاث المشاعر العثمانية القومية المتعصبة (العثمانيون الجُدُد) والطامعة والُمغَلّفة بلبوس الدين.. وبدل أن تصبح الخلافات صفرا فقد ارتفعت حرارتها إلى حد الغليان أحيانا..

فَلِجهة العلاقة مع أرمينيا وقَّعت تركيا وأرمينيا في 10/10/2009 بروتوكولين في زيورخ برعاية سويسرا لتطبيع العلاقات وإقامة العلاقات الدبلوماسية إلا أن هذين البروتوكولين لم يشهدا النور ولم يتطبع شيئا مع أرمينيا ، بل ربما توترت الأمور أكثر نتيجة الاصطفاف التركي مع أذربيجان(من منطلق الرابطة الطورانية التركية) ضد أرمينيا في الصراع على إقليم ناكورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان..

وفي قبرص مازال كل شيء يراوح مكانه منذ احتلال تركيا للقسم الشمالي في تموز وآب 1974 والإعلان عنه جمهورية مستقلة، بل أن التصعيد بلغ مرحلة جديدة مؤخراً عندما بدأت تركيا بالتنقيب عن الغاز مقابل سواحل قبرص شرق المتوسط، وزادت من بوارجها الحربية في تلك المنطقة..

أما مع اليونان فما زال النزاع قائماً حول السيادة على بحر إيجه، ولم يتم حتى الآن التوصل إلى أي اتفاق حول تحديد المياه الإقليمية، والمجال الجوي الوطني، والمناطق الاقتصادية  الخالصة، والاستفادة من الجرف القاري، ومناطق الطيران التي يجب الإعلام عنها مسبقاً،  وحالة الجزر اليونانية المنزوعة السلاح..

وكذلك مع العراق مازالت القوات التركية تتوغل عشرات الكيلومترات خرقاً للسيادة بذريعة ملاحقة المتمردين الأكراد  ولم تُعِر أي اهتمام لكل الاحتجاجات والشكاوى العراقية .. وتركيا اليوم في حرب مفتوحة مع الأكراد في داخل حدودها وخارج حدودها..

ومع سورية وبعد أن وصلت العلاقات إلى أوجها في فترةٍ ما والتغَتْ حتى التأشيرات بين البلدين، ورفع أحمد داوود أوغلو ووليد المعلم الحاجز بين الحدود بحركةٍ رياضيةٍ رشيقةٍ، فقد أدّى التدخل التركي الواسع بالشأن الداخلي السوري إلى تراجع تلك العلاقات إلى تحت الصفر، والبَلدَان اليوم في حالة حرب، وتركيا تحتل مساحات شاسعة من الأراضي السورية في الشمال..

وحتى على الصعيد التركي الداخلي فلم تتصالح تركيا مع ذاتها وإعطاء أبناء الأعراق والمذاهب الأخرى حقوقهم، فهي ما زالت تنظر إلى هؤلاء (وعددهم  يفوق نصف عدد مواطني  تركيا) إلى أنهم جماعات لها خصائص ثقافية واجتماعية  فقط ولكن لا يعترفون بها كمذاهب وقوميات لها حقوقها ويجب أن تمارسها بحرية، وذلك في خرق سافر أيضا للمادة 141 من  معاهدة “سيفر”  التي تعهدت تركيا بموجبها  (بحماية حياة وحرية كل سكان تركيا دون تمييز للمولِد والقومية والعِرق والدين وأن من حق الجميع الممارسات الحرة، العامة والخاصة، لأية عقيدة ودين ومُعتقد ) ..

وفي ذات المعاهدة  في المادة 142 تم وصف القيادة التركية التي جاءت للسلطة منذ الأول من تشرين ثاني 1914  (أي منذ بداية الحرب العالمية الأولى) أنها نظام إرهابي ( Terrorist  Regime )  ورموز ذاك النظام هم  من يتغنى بإرثهم اليوم السيد اردوغان والسيد أحمد داوود أوغلو .

فضلا عن ذلك، فقد ساءت علاقات تركيا خارج جوارِها، وذلك مع مصر والسعودية والإمارات، وتخوض مواجهة واضحة مع هذه الدول في ليبيا، وكذلك مع العديد من البُلدان الأوروبية الغربية، ومع الناتو، ومع الولايات المتحدة بسبب دعم الولايات المتحدة للأكراد، والخلاف حول إقامة المنطقة العازلة في شمال سورية، وغضب واشنطن من شراء تركيا صواريخ إس 400 من روسيا، مما أدّى إلى إلغاء مشاركة تركيا في برنامج طائرات إف 35 ، والتهديد بعقوبات اقتصادية لاحقة إذا ما فعَّلت تركيا تلك الصواريخ ..

لم يبقى لتركيا أصحابا سوى موسكو وطهران، وعلاقة هؤلاء مع بعض أشبهُ بالزواج بالإكراه، وقد فرضتها الحالة السورية.. فموسكو وطهران هما أصحاب أردوغان، بينما أردوغان هو من اكبر أعداء القيادة في دمشق التي تساندها موسكو وطهران..

وهكذا نرى كيف أن خيار الصفر، أو تصفير المشاكل، الذي كانت تتطلع إليه رموز حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسهم أحمد داوود أوغلو وصديقه أردوغان، قد فشل فشلا ذريعا، وتراكمت المشاكل واتّسعت، حتى وصلت إلى داخل حزب العدالة والتنمية ذاتهُ، وكانت خسارة حزب أردوغان الانتخابات المحلية في اسطنبول في 24 حزيران 2019 ، صفعة كبيرة ومؤشِّر لِما هو أسوأ في أية انتخابات عامة في المستقبل، وبات بعض رموز هذا الحزب يخططون لتأسيس أحزاب لهم، كما أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء السابق، وعبد الله غُلْ رئيس الجمهورية السابق.. وبات على العثمانيين الجُدد تصفير المشاكل بين بعضهم وداخل بلدهم، بعد أن فشلوا في تصفيرها في محيطهم الإقليمي.. فهل سينجحون؟.

كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اليوم ينتقدون اردوغان ولكن حينما كانت العلاقة وطيدة بين الاسد واردوغان لم يكن يجرؤ سوري واحد على نقد اردوغان. درسنا في كتب التاريخ ان العثمانيين كانوا استعمارا متخلفا ولكن حينما كان شهر العسل مع تركيا شطبوا على كل التاريخ ذاك، و بدؤوا يقولون ان هناك تاريخا مشتركا بين سورية وتركيا ، أي تركيا لم تكن مستعمِرة. ثم أزالوا خريطة اسكندرون من الخارطة السورية توددا لأردوغان. اليوم عادوا ليتحدثوا عن تحرير اسكندرون لأنهم غاضبون ومنفعلون ولكن ما إن تهدأ أعصابهم حتى يتوقفوا عن كل هذا الخطاب. السياسات المزاجية كانت وما زالت مشكلة كبيرة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here