د. عبد الحميد فجر سلوم: انفجار الشارع اللبناني نتيجة حتمية وطبيعية

د. عبد الحميد فجر سلوم

ليس من المُستغرَب أن ينفجر الشارع اللبناني اليوم كما انفجر الشارع العراقي بالأمس.. وكما انفجرت شوارع عربية عديدة من الجزائر إلى السودان، وقبلها تونس ومصر.. الخ..

القاسم المشترك بين كل تلك الانفجارات الشعبية هو الفساد، الفقر، البطالة، الحاجة للخدمات..

التعامُل مع الشعوب يشبه التعامُل مع المعادلات الرياضية.. فإنْ كان   1 + 1 = 2 .. فإنَّ السياسات الفاشلة، كما في لبنان والعراق، وعدم مكافحة الفساد والفاسدين، ومصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة وإعادتها إلى ميزانية الدولة، وإدارة الدولة بالمحاصصات الطائفية والمذهبية والمناطقية، والشللية وعقلية المافيات والمزارِع والتنفيع بحسب القرابات والمحسوبيات والعلاقات الخاصة، وانعدام سلطة القانون على الأقوياء والمدعومين، وتحويل الدول إلى مزارع لطبقة من أهل الحُكم لا يخضعون لأي محاسبة ومساءلة، ولا توجد مؤسسات قادرة على مسائلتهم ومحاسبتهم وتطبيق القوانين عليهم، فيعيثون فسادا وإفسادا ونهبا لثروات الأوطان، هكذا عينك عينك، بلا خجل ولا حياء، وكل ذلك واضح من خلال ثرواتهم ومن خلال طبيعة الحياة التي يعيشونها هُم وعائلاتهم، في كل بلد عربي، وإبقاء البعض في مناصبهم بلا حدود زمنية وهم يحصدون المكاسب والامتيازات، ويعيشون الحياة الرغيدة والسعيدة والمُترفة، بينما ملايين المحتاجين والمحرومين من حولهم، لا يحلمون بسندويشة شاورما، وانعدام كل أشكال العدالة والمعايير وتكافؤ الفرص، وتهميش وإقصاء كفاءات الوطن وشرفاء الوطن من أصحاب الكلمة الصادقة والأمينة والشريفة والغيورة على الوطن، وقلبِ مفهوم الوطنية بحيث يصبح الفاسد في الوطن هو الوطني، والوطني هو المتّهم، فالأمر الطبيعي حينها أن تنفجر البشر بالشوارع. . هذه معادلة اجتماعية تشبه المعادلات الراضية ..

أكثر ما يثير الاستغراب حينما ينبري البعض فورا لاتهام الشعوب المنفجرة بالشوارع، بأنها تنفذ أجندات خارجية، وأن الإحتجاجات ليست بريئة، وأن هناك عملاء وخونة ومندسون وطابور خامس، وكل هذه الأوصاف.. بينما هؤلاء أنفسهم يعرفون تماما أن هذه الشعوب التي تنفجر بالشوارع لديها مائة سبب وسبب للانفجار، وأولها فساد أهل الحُكم ونهبهم لثروات شعبهم، ورميهِ بأنياب الفقر والجوع والحرمان، ومعاملة الشعب بازدراء ولا مبالاة ..

حينما انفجر الشارع العراقي سمعنا ذات السمفونية: احتجاجات غير بريئة… وذات السمفونية رددها البعض في لبنان: احتجاجات غير بريئة.. وحينما اندلعت الاحتجاجات في شوارع السودان ترددت ذات السمفونية .. وهكذا .. دوما تهمة المؤامرة جاهزة، وهي حُجّة للهروب للأمام، وكأنه لا يوجد سببا دفع البشر للشوارع..

الشعوب لا تتآمر على أوطانها.. الفقراء لا يتآمرون على وطنهم.. من يتآمرون على الشعوب والأوطان هُم من ينهبون الأوطان ويفقرون الشعوب ويتقاسمون المكاسب بين بعض.. إنهم أهل الحُكم في العراق ولبنان، الذين ينظرون لثروات أوطانهم وكأنها غنيمة، وأن الوطن قالب (كاتُّو) يتقاسمه أهل الحكم ومن لفّ لفيفهم، دون أن يفكروا في معيشة الشعب، ولا بأدنى حدود العدالة وتكافؤ الفرص بين كوادر الوطن، ومن ليس له واسطة أو مدعوم فليذهب إلى الجحيم، وأن ينقع شهاداته العلمية واللغوية بالماء ويشرب منقوعها.. فالمواطنون درجات، بل بعضهم يُعامَل وكأنه ” رعية” كما كان الحال أيام السلطنة العثمانية..

غريب أن يذهب البعض حالا إلى نظرية المؤامرة لدى أي احتجاج أو حِراك شعبي سلمي، لاسيما حينما لا يحمل به المحتجون الأسلحة ولا  السكاكين ولا حتى العِصي .. مع أن المطالب واضحة جدا وصحيحة جدا، ومنطقية وموضوعية جدا.. وحينما يحمل المحتجون السلاح فسيكون لنا رأيا آخرا بهم، وحينها سيصحُّ إطلاق الاتهامات بحقهم..

والسؤال: هل المؤامرة هي من طلبت من أهل الحكم (في لبنان والعراق) أن ينهبوا ثروات أوطانهم؟.

هل هي من طلبت من المسؤولين (في لبنان والعراق) أن يكونوا فاسدين ويستعملون كافة الوسائل للثراء وتكديس الثروات على حساب إفقار شعوبهم؟.

هل هي من طلبت من أهل الحُكم والمسؤولين (في لبنان والعراق)، أن يدعسوا على القانون والعدالة وتكافؤ الفرص، ويعملون بعقلية المافيات ؟.

هل المؤامرة هي من قالت لهم، حوِّلوا بلديكم إلى مزارع واحكموها بالمحاصصات الطائفية والمذهبية والمناطقية والعرقية، والواسطات والمحسوبيات والقرابات والمصاهرات؟.

هل هي من قالت لهم لا تكترثوا بشعوبكم، ولا بمطالبها ، وعاملوها بازدراء وكأنهم عبيدا، واكبتوا أنفاسها، فهي لخدمتكم فقط، وليس أنتم لخدمتها..

هل هي من طلبت منهم أن لا يوفروا الخدمات الأساسية الضرورية لحياة المواطن؟.

هل هي من طلبت من كل وزير أو مسؤول في لبنان والعراق أن يتصرف بوزاراته أو مؤسسته وكأنها ملكية خاصة موروثة عن عائلته، وهو حُرّا أن يضع من يشاء في أي مكان يشاء، ولأي زمن يشاء، دون أدنى احترام ومراعاة لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص والتساوي بالمواطَنَة؟.

هل المؤامرة هي من طلبت منهم أن يرفعوا الأسعار كل يوم ويثقلون كاهل المواطن الفقير، والعامل والفلاح، ويمرون بهم في غياهب الفقر؟.

هل المؤامرة هي من طلبت منهم أن يتعاملوا بكيدية ولؤم وخِسّة مع كل من لا يروق لهم، وبكل قلة ضمير وأخلاق؟.

هل المؤامرة هي من طلبت منهم عدم تنمية وتطوير بلدانهم والتسبب بهجرة شبابهم وكفاءاتهم للبحث عن فرصة عمل خارج أوطانهم، وبناء مستقبلهم بالخارج؟.

إذا كانت المؤامرة هي من طلبت منهم كل ذلك وهُم نفّذوا هذه المطالب، فهذا يعني أن أهل الحكم في لبنان والعراق هُم أكبر المتآمرون، ولا يحق لهم أن يتّهموا المحتجِّين بالتآمر!..

الفساد (من بين أسباب عديدة) كان السبب الأخطر الذي نخرَ جسد الإمبراطورية العثمانية فأضعفها جدا، وكان من السهل هزيمتها والانتصار عليها، بعد ستمائة سنة من قيامها..

الفساد ( من بين أسباب عديدة) كان السبب الأخطر الذي نخر جسد الإتحاد السوفييتي، فأضعفه، وأربك قيادته التي لم تعرف كيف تجد الحلول، فكان الانهيار ..

الشعوب هي كما السلاح، إن أخطأتَ بالتعامل معه فقد يودي بحياتك..

صرخة الشعب اللبناني واضحة، ولخّصوها بجملة واحدة : كفى كفى إهانة .. بدنا نعيش بكرامة ..

يا لها من صرخة قوية .. ولها معانيها الكبيرة..

كل شيء في هذه الاحتجاجات مشابه لمطالب الاحتجاجات في العراق.. وأبرز مظاهرها أنها ذات هوية وطنية عامة جامعة، شارك بها كل أبناء الطوائف، وليست احتجاجات لأبناء طائفة أو مذهب أو منطقة.. بل رجال دين مسيحيين ومسلمين ظهروا في الاحتجاجات ..

نتمنى كل التوفيق للبنان الشقيق وشعب لبنان الشقيق، الذي هو أساسا جزءا من الشعب السوري.. وكل عوائل لبنان لها امتدادات بسورية.. والحمد لله حتى تاريخ كتابة هذا المقال لم نسمع بمقتل أي مُحتجْ، ونتمنى أن لا نسمع، وهذا أمر ممتاز.. قياسا بما جرى في العراق..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الحق، اخ يوسف، نفس اللغة والاسلوب وجهها كاتبنا لمسؤولي بلده سوريا.
    انا اعاتبه فقط في تحيزه او تفهمه للعلمانيين دون الاسلاميين، وتقوقعه داخل وجهة نظر قديمة اقصائية حتى وان اراد طرح غير ذلك.

    تحياتي للكاتب والمعلق.

  2. وماذا عن الشعب السوري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وا ن كان سلاح المقارنه من مخرجات نظريات المؤامره (التعميم دون تعريف الجرم ) التي هي مؤامرة في وجه من يكشف دفين أهداف اعداء الأمه ومن تبعهم من بني جلدتنا “تابعا واومقلدا واوجاهلا واولتقاطع مصالح ) ؟؟؟؟؟؟؟ احلال على سلوك زيد نظرية المؤامرة وحرام على سلوك عبيد الدوح بها د.سلوم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وطفرات الشعوب أشبه بزلزال لاأحد قادر على توقيته وتحديد قوته كما وجهة وسرعة رياح تسوناميه ؟؟؟؟؟؟ والحق أبلج والباطل لجلج ؟؟؟؟وإذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ؟؟؟؟؟؟ وبعد الأخذ بالأسباب وعد الله حق “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم “

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here