د. عبد الحميد فجر سلوم: النفاق الغربي والأمريكي.. يتباكون على جبهة النصرة ولكن لا يكترثون بضحاياها

د. عبد الحميد فجر سلوم

لستُ أنا من صنَّف ” جبهة النصرة” المعروفة اليوم بـ “هيئة تحرير الشام” كتنظيم إرهابي.. إنّ من وضعوها في هذا التصنيف هُم أعضاء مجلس الأمن الدولي بإجماعهم، وإجماع الدول الغربية كلها سواء الأعضاء الدائمين في المجلس، أو غير الدائمين حينها، بعد إدراكٍ كامل منهم أنها جزءا من تنظيم القاعدة الإرهابي أيضا، ورئيسها أبو محمد الجولاني سبق وبايع رسميا تنظيم القاعدة .

هذا التصنيف يترتب عليه تبِعات والتزامات، وأولها مكافحة جبهة النصرة، كما كانت مكافحة داعش، وفرضْ العقوبات على كل من يدعمها بأي أشكال الدّعم، وهُم معروفون وأولهم تركيا وقَطرْ..

الولايات المتحدة وحلفائها جميعا يدركون أن جبهة النصرة هي من يسيطر اليوم على أغلبية مناطق إدلب، وهي من تقصف بصواريخها المدنيين الأبرياء في قُراهم في السقيلبية ومحردة والغاب وجبال الساحل ومدينة اللاذقية بِحجّة أن هذه المناطق موالية للحكومة، ورغم ذلك فإن “الضمير” الغربي لا يكترث بقصف أبناء تلك القرى ولكنه يتباكى على تنظيم إرهابي تابع لتنظيم إرهابي (بِحسب تصنيف الغرب نفسه) .. ما هذا النفاق !!..

بعد المعارك الأخيرة في غرب حماه وجنوب إدلب خرج الجولاني ليتباهى بأن تنظيمهُ هو من تصدّى للجيش السوري، ولم يأتي على ذكر أي تنظيم مسلّح آخر، فماذا يعني ذلك؟. ألا يعني أن هذا التنظيم الإرهابي هو المسيطر والمهيمن في محافظة إدلب؟. وألَا يجب التعامل معه كما تمَّ التعامل مع تنظيم القاعدة؟. أم ان إرهاب جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) مُرحّبا به وإرهاب تنظيم القاعدة غير مرحّبٍ به؟.

في الثالث من حزيران 2019 غرَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متباكيا على إدلب وواصفا القصف بالجهنمي .. ولكنه تناسى بالكامل المناطق والقرى التي تقصفها جبهة النصرة ويذهب ضحيتها المدنيون الأبرياء، وهذا حصل مؤخرا في قريتِي في سهل الغاب حينما أمطروها بسبعة صواريخ..

يقول المثل العامي: (الِّلي إيدو بالمي مو متل الِّلي إيدو بالنار) .. والرئيس ترامب (إيدو دوما بالمي) ولا يُدرِك معنى أن تكون أيادي الآخرين بالنار، سواء في قُرى فلسطين حيث العدوان الإسرائيلي المستمر، أم في قرى الموالين للحكومة السورية في سهل الغاب أم في غير سهل الغاب، الذين تقع قراهم في مرمى مسلحي جبهة النصرة، وغيرها..

مهما تحدّثنا عن سلبيات وعيوب وأغلاط (الحُكم في سورية)، وهي معروفة للجميع، ولكن لا يمكن أن يكون البديل هو تنظيمات إسلاموية تكفيرية، أجسادها في القرن الحادي والعشرين ورؤوسها في عصور الجاهلية؟.

وهنا سوف أستطرد قليلا لأروي مدى النفاق الغربي الذي تحدَّثتُ عنه منذ عام 2013 أمام الرئيس اللبناني السابق ميشيل سليمان، حينما كانت جحافل المقاتلين الأجانب تتدفق على سورية.. ومدى النفاق العربي أيضا الذي كان ينطبق عليه دوما قول الشاعر: لا تنهى عن خُلُقٍ وتأتي بمثله + عار عليك إذا فعلتَ عظيم.. فبعض الدول العربية هي منبع لثقافة الإرهاب ومع ذلك تدّعي محاربتها للإرهاب.. وشعوبها لا تعرف معنى الحرية، ويتباكون على الحرية خارج بلدانهم!..

في 17 آذار 2013 وصل الرئيس اللبناني السابق ميشيل سليمان إلى أبوجا (عاصمة نيجيريا) في زيارة رسمية.. وكانت السفارة اللبنانية قد وزّعت مُذكَّرة على كافة البعثات الدبلوماسية العربية تدعو للمشاركة في استقبال الرئيس سليمان بالمطار وحضور لقاء معه في اليوم التالي في الفندق الذي يقيم به، وبعد إحالتي للمذكّرة إلى وزارتي في دمشق كان التوجيه بِعدم المشاركة في  الاستقبال في المطار والاكتفاء بحضور اللقاء في الفندق..

في اليوم التالي كان لقاء الرئيس سليمان مع رؤساء البعثات الدبلوماسية العربية ( وكنتُ من بينهم) .. وبعد حديثه الذي استغرق بحدود ثلث ساعة وتركّز على ضرورة مكافحة الإرهاب والديمقراطية والتضامن العربي، سمحَ لرؤساء البعثات بالحديث وبحضور كل أعضاء الوفد اللبناني والعديد من الإعلاميين.. وحينما جاء دوري بالحديث ركَّزتُ على منابع الإرهاب وعلى النفاق الغربي في تصنيف الإرهاب، والنفاق الخليجي بالتباكي على الحرية والديمقراطية،  ومما قلته، على ما أذكر: ( فخامة الرئيس: إن مًجرَّة الإرهاب تبدأ من هنا، من غرب أفريقيا، وتنتقل إلى جمهورية مالي وإلى ليبيا والصومال وصحراء سيناء واليمن والعراق وسورية وتذهب شرقا حتى تصل إلى أفغانستان، بل حتى الفيلبين.. وهذا الإرهاب يا فخامة الرئيس لم يسقط من السماء وإنما نبتَ من فوق الأرض بِفِعل مذاهب إسلامية متطرفة، وفتاوى أكثر تطرفا عبر التاريخ، وهناك مدارس ومعاهد وجامعات ومساجد، كلها تستقي من فكر التطرف والتكفير وهذه هي من أوجدت أجيالا متتالية وسقَتهَا حتى أغرقتها بفِكر وثقافة التطرُّف والتكفير، إضافة إلى فضائيات تعمل ليلا نهارا لصبِّ الزيوت على نار التطرُّف والتكفير، وتحت إشراف دول وحكومات، والأمر الطبيعي أن نرى هذه البراكين من التطرُّف والإرهاب في هذه الأزمان، وما لم يتم تجفيف تلك الينابيع المتدفقة بثقافة الإرهاب والتعصُّب والتطرُّف من نبعِها الحقيقي فإن مكافحة الإرهاب ستبقى عسيرة جدا.. ثم تابعتُ حديثي قائلا: فخامة الرئيس: إن الغرب منافق جدا وهو يدير لعبة الإرهاب ويستثمر بها لخدمة مصالحه، ومن هنا نرى إزدواجية الغرب في التعامل مع الإرهاب.. فعلى سبيل المثال قد يكون هناك شقيقين فرنسيين أحدهما يذهب للقتال في سورية فيصبح مناضلا لأجل الحرية (Freedom fighter ) بينما قد يذهب الشقيق الآخر للقتال في جمهورية مالي ويستهدف القوات الفرنسية، فيصبح إرهابيا ) ..  وأكملتُ حديثي بالقول : فخامة الرئيس: كافة الدول العربية تحتاج لإصلاحات عميقة، وكافة الشعوب العربية وبُلدانها تحتاج  للحرية والديمقراطية، وليس شعبٌ بعينه ولا بلدا بعينها، ومَن ينادي بالديمقراطية فعليه أن ينادي بها في كافة دول العالم العربي بلا استثناء، ودون انتقائية، وإلا يكون الموضوع تسييسا وتصفية حسابات.. وللأسف أن الجميع يتحدث عن ضرورة التضامن العربي في الوقت الذي بات فيه العرب أعدى الأعداء لبعضهم بعضا ) ..

حديثي ذاك أثار جدا حفيظة الزملاء رؤساء البعثات الخليجية واعتبروه نقدا واضحا موجّها إلى دولهم ( وهو كان كذلك) فأخذوا يتململون ويرفعون الصوت حتى لا أكمِل حديثي، وحينها قاطعني الرئيس سليمان قائلا : شكرا حضرة القائم بالأعمال.. فتوقفتُ.. وبعدها نقلتْ إحدى الفضائيات اللبنانية أن مُلاسنَة حصلت بين القائم بالأعمال السوري والرئيس سليمان ولم يسمح له بإكمال الكلام..

ذاتُ النفاق الذي تحدّثتُ عنه منذ العام 2013 نسمعه اليوم من الغرب وخاصة من الرئيس ترامب .. إنه لا يعرف جغرافية منطقة غرب حماه وجنوب إدلب، ولا يعرف شيئا عن التركيبة السكانية في تلك المناطق .. إنه لا يعرف أن جبهة النصرة وحلفائها تستهدف القرى التي ليست من لونِها في سهل الغاب على الهوية الدينية والطائفية والمذهبية، ويقصفون تلك القرى بلا رحمة، والقرى القريبة جدا من المسلحين يغادرها أهاليها إلى مناطق أكثر أمانا .. أي هناك مدنيون يُقصفَون ويموتون في القرى الأخرى لِمُجرّد أنهم محسوبون على الحكومة!.. فهل يقبل السيد ترامب بذلك؟. وهل يُتَوقع من أهالي تلك القرى أن لا يدافعون عن أنفسهم بينما جبهة النصرة وحلفائها يهددونهم علنا باجتياح قُراهم؟.

هناك من سيكذب ويقول أن جبهة النصرة ، وحلفائها، لم يستهدفوا سوى مواقع الجيش السوري والتنظيمات الرديفة، وهذا كلام عار عن الصحة، فقريتنا، على سبيل المثال، لا يوجد فيها أي مواقع للجيش والقوات الرديفة، ومع ذلك نالها سبعة صواريخ أودت بحياة أحدهم وجرحت الآخرين.. وهكذا هو الحال في غالبية القرى التي يستهدفها المسلحون .. فهل ضمير ترامب وضمير الغرب يقبل بذلك؟.

نعم شباب تلك القرى يقاتلون على جبهات حماه وإدلب، ولكن قتالهم هو قبل أي شيء دفاعا عن قُراهم وأنفسهم وعائلاتهم وأراضيهم وبيوتهم، لأنه إذا ما تقدّمت جبهة النصرة وحلفائها ووصلوا إلى تلك القرى فسوف تحصل مجازر فظيعة، وتُسفَك دماء غير معقولة، وتُنتَهكُ أعراضا، وتُسبى نساء، فهل  يريد ترامب وغيره من المنافقين أن يقف أبناء المنطقة متفرجون حتى تُستباح قُراهم ثم يستنفرون للدفاع عنها؟.. ومَن سيثق بتطمينات جبهة النصرة وحلفائها أنهم لن يرتكبوا جرائم إذا ما وصلوا ( لا سمح الله إلى تلك القرى) ؟. الجميع يقرأ ماذا يكتبون عن تلك القرى متّهمين أهاليها بأنهم “طائفيون وحاقدون” ويتربصون باللحظة التي تُمكِّنهم من رِقاب أولئك الأهالي.. فهل يعي السيد ترامب هذه الحقائق؟.

لم يرفع أهالي تلك المناطق في أي وقت شعارات الطائفية والقتل على الهوية المذهبية والدينية، إن من رفع تلك الشعارت وأقدَمَ على تطبيقها فعليا هُم جبهة النصرة وحلفائها، وباقي التنظيمات التكفيرية والطائفية.. وبعض هؤلاء الطائفيون هُم من أقدموا على خطف ابن أخي (فجر) منذ الشهر الحادي عشر في العام 2011 إثرَ كمينٍ نصبوه له غرب مدينة السقيلبية مع أنه لا علاقة له بكل الدولة ولا أية جهة تابعة للدولة، وكان موظفا بِشركة خاصّة، وخطفوه على هويته المذهبية بِهدف المُبادلَة عليه  كما أشاعوا.. أي أنهم منذ ذاك الوقت المُبكِر عام 2011 بدؤوا بالاستهداف على الهوية المذهبية والطائفية.. وحتى اليوم لا نعرف شيئا عن (فجر) وأطفاله الصغار أصبحوا كبارا.. فأي ضمير في الكون يقبل ذلك؟.

ثم دعُونا نُسلِّم أن سكان تلك القرى هُم موالون للحكومة، فأليس لهم الحق في اتِّخاذ الموقف الذي يرتئونه؟. وهل هذا يُبرِّر قصفهم وقتلهم واستباحة دمائهم؟. وهل هناك قرية واحدة من كل تلك القرى انطلق منها صاروخ واحد نحو قُرى المسلحين؟. القواعد التي تنطلق منها الصواريخ معروفة ولا يوجد بينها موقعا واحدا في قلب تلك القرى التي يقصفونها على الدوام ويقتلون  ويُرهِبون أهاليها، كبارا وصغارا، وشيبا ونساء..

تعوّدتُ أن أكتب دوما بكل شفافية، وأحزن على كل الدماء السورية التي سالتْ، ولا أحِبُّ الموت لأحدٍ من أبناء وطني، ولكن لا أقبلُ أيضا أن يُعتَدى عليَّ وعلى بيتي وعائلتي وأقف مكتوف الأيدي.. ولا أقبل أن تحكمني عقولا ظلامية كما عقول أهل جبهة النصرة وداعش وأيٍّ من التنظيمات الإرهابية والطائفية والتكفيرية، ولا أقبل بنظام حُكم يطرح (دولة الخلافة) أو نظام حُكم إسلاموي ..بل حتى المعارضَة العَلمانية تنظر لتلك التنظيمات الإسلاموية على أنها خطرا على سورية، ولا تقبلها، ولا تقبل تفكيرها ولا شعاراتها وأهدافها.. هذا ما أسمعه منهم على الفضائيات واقرأه في بعض المواقع..

فهل سيعي الرئيس ترامب هذه الحقائق ويكتب تغريدة جديدة يدعو فيها جبهة النصرة وحلفائها للتوقف عن استهداف كافة المدنيين وكافة القُرى الموالية، ويصف قصفهم لتلك القرى بالجهنمي أيضا؟.

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. إلى السيد تحسين لوبين أن كان ا دعاءك صحيحا فالرد يكون على مصدر النيران وليس على القرى العلوية والمسيحية والقتل على الهوية الدينية . المعركة سياسية فلماذا تحويلها إلى طائفية ، هنا السؤال
    وأما السيد من الجزائر فإن كان هناك خطأ في المعالجة من البداية كما تقول فما علاقة قرى العلويين والمسيحيين في حماه وإدلب واللاذقية؟ هل هؤلاء هم من يتخذ القرار؟
    وأضيف إلى علم الجميع أن حكاية السلمية في الحراك ستة أشهر هذه أكبر كذبة . وحوادث القتل والاغتبال كانت منذ الأسابيع الأولى والشعارات الطائفية رفعت منذ اليوم الأول. وكان الوجه الطائفي للحراك واضح من أول يوم . والكذب على الموتى مو على الأحياء.

  2. ألم تكن الهبة الشعبية سلمية في بداياتها ولأشهر، ولم يحسن النظام التعامل معها ؟؟؟

    اكتب لنا على هذا الموضوع شيءا، فالزمن زمن الشفافية والمصارحة، وإلا الاندثار للجميع، جميع العرب.

  3. الم يتحرك الضمير الممانع لتدمير المستشفيات و الأسواق الشعبية والمدارس والمساجد بالبراميل المتفجرة؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here