د. عبد الحميد فجر سلوم: الشيخ محمد بن زايد للفلسطينيين والعرب والمسلمين: حُكمنا وقصورنا ومناصبنا وكراسينا وحياتنا الرغيدة أهم من كل فلسطين والقدس والأقصى..

د. عبد الحميد فجر سلوم

كل من لم يفهم خطوة التطبيع، غير المفاجئة، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 13 آب 2020،  بين دولة الإمارات العربية المتحدة، وبين إسرائيل، كل من لم يفهمها ضِمن المعاني الواردة في عنوان هذا المقال، فهو ساذجٌ جدا.. وإلا ماذا يعني التطبيع والسلام بين الإمارات وإسرائيل وهما ليستا دولتين متجاورتين، ولا يوجد بينهما مشكلة حدود وأراضٍ مُتنازعٍ عليها..

أبو ظبي، كما أي نظام عربي، معنية بأمرٍ واحدٍ ووحيد، وهو كيف تُعزِّزُ سُلطة الحُكم، وتُقوِّي من دعائمه، ويستمر شيوخ آل نهيان يعيشون هذا المجد والحياة الرغيدة، وقصور ألف ليلة وليلة، التي أُتِيحت لي الفُرص لدخول الكثير منها حينما كنتُ في سفارة بلادي في أبو ظبي..ويُبعِدون عن حُكمهم كل أنواع المخاطر والأخطار.. وهذا نهجٌ طبيعيٌ جدا ويتَّبعهُ كل نظام عربي.. الحُكم والسلطة والكراسي هي أولا وقبل كل شيء، وكل غايةٍ وهدفٍ يجب أن يخدم ذلك..

**

مساعي التطبيع بين دولة الإمارات وإسرائيل قائمة منذ سنوات عديدة، واستقبال أبو ظبي للوفود الإسرائيلية كانت عادية وطبيعية جدا منذ سنوات عديدة.. وما عجّل في الأمور هو التنافس الإماراتي مع دولة قطَر، وشعور أبو ظبي أنها يجب أن تعتمد على إسرائيل كي تقلب المُعادلات إلى صالحها..

فدولة الإمارات لديها عُقدة كبيرة من جماعات الأخوان المسلمين، لاسيما بعد اكتشاف أبو ظبي لمؤامرة من هذه الجماعة عام 2013 للتخطيط للاستيلاء على الحُكم بالدولة، وتمّت محاكمتهم وصدور الأحكام بحقِّهم..

**

الأخوان المسلمون مدعومون من دولة قطَر، ومن تركيا(الدولتين الحليفتين) ولذلك سعى حُكام أبو ظبي بكافة السبُل، إلى مُحاصرة قطَر، وتقديم كل أشكال الدّعم، لكلِّ من يُعادي الرئيس التركي أردوغان، في أي مكان، حتى في داخلِ بلادهِ.. فدعموا الجنرال خليفة حفتر في ليبيا ضد حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، وأعادوا العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، تحت عنوان التصدِّي للأطماع التركية في سورية وفي المنطقة، وتحالفوا مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضد الأخوان المسلمين.. وسعوا لتحجيم دور الأخوان المسلمين في تونس.. وكانوا مع أعداء حماس في غزّة، واستضافوا المدعو محمد دحلان، المعروف بعدائهِ لجماعة حماس، وحتى تمرُّدهِ على قيادة فتح.ْ. لعلّه يكون عرّابهم ورئيسا لفلسطين في يومٍ ما..

بوصلة أبو ظبي هي كيفية مواجهة وإضعاف الأخوان المسلمين الذين تعتبرهم الخطر الأكبر عليها.. وليست فلسطين ولا القدس ولا الأقصى.. ولذلك هي تلتقي مع إسرائيل (ضد حماس) لكونها تنظيما من تنظيمات الأخوان المسلمين..

**

كثيرون تفاجئوا من خطوة الشيخ محمد بن زايد، ولكنها ليست مُفاجئة على الإطلاق، حيثُ مُذ كنت في سفارة بلادي في أبو ظبي بين 2003 و 2006 ، كان الهمسُ يدور بين الدبلوماسيين أن كل مُخططات المنطقة توضعُ في مَسقِط عاصمة سلطنة عُمان بينما التنفيذ يتمُّ في أبو ظبي..

**

هذا رغم احترامي على الصعيد الشخصي لشيوخ آل نهيان، لِما لمستهُ شخصيا منهم، وأولهم الشيخ محمد بن زايد، من تواضعٍ وقُربٍ من الناس، وكم كنتُ أتندّر على حالنا في سورية نتيجة تعالي وتكبُّر ومنفخة مسؤولينا على عموم البشر.. لقد تفانوا في خدمة بلدهم حتى باتت إمارة أبو ظبي، فضلا عن دُبي،  تُحاكي أشهر العواصم والمُدُن الأوروبية.. بينما غيرهم انشغل بالشعارات والخطابات والعنتريات الفارغة، حتى باتت بُلدانهم من أكثر بُلدان العالم تخلفا وفقرا وحرمانا وفسادا..

رسالة الشيخ محمد بن زايد متعددة الاتجاهات، ويمكن تلخيصها بما يلي:

أوّلا، للشعب الفلسطيني: إقلَعوا أشواككم بأياديكم، فنحن غير معنيين بعداء إسرائيل لأجلكم.. نحن بحاجة لإسرائيل ولا يمكنكم تعويض حاجتنا لها.. فنحن نواجه خطرين كبيرين كحُكّامٍ للإمارات: خطر الأخوان المسلمين، وخطَر إيران التي ما زالت تحتل ثلاث جُزُر إماراتية: الطُنب الكُبرى، والطُّنب الصغرى، وابو موسى.. وترفض كل أشكال التحكيم الدولي.. وقد سمعتُ شخصيا من الشيخ عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، على مأدبة إفطار في رمضان 2005  مدى كراهيتهِ لإيران وانعدام ثقتهم بها بالكامل، ولومهِ لسورية بسبب علاقتها مع إيران..

ثانيا، الرسالة الثانية التي أرادها الشيخ محمد بن زايد، هي لكلِّ من يرفعون شعارات المقاومة، من أن أبو ظبي حسمت موقفها علنا، وهي بكل وضوح على الضفّة الأخرى..ضفّة التطبيع مع إسرائيل، أو ضفّة كامب دافيد.. ومن أراد أن يقاوم فليذهب هو وربهِ ويقاوم، ونحن في أبو ظبي مُطبِّعون مع إسرائيل، وثقافة المقاومة ليست ثقافتنا، رضي من رضيَ وغضِب من غضب..

  ثالثا: الرسالة الثالثة أن كل المبادرات العربية، والقرارات الدولية، والعربية والإسلامية، والاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية، قد أصبحت خلف ظهر أبو ظبي.. ومِن بين سطور بيان التطبيع ستبدأ مرحلة جديدة لا مكانة فيها إلا لمزيدٍ من التطبيع والتحالُف بين دولة الإمارات وبين إسرائيل..

لستُ بواردِ الحُكم إن كان رِهان الشيخ محمد بن زايد صحيحا أم خاطئا، فهو من يعرف أين تكمن مصلحة بلادهِ، ولكن بتقديري، لم يكُن مُحتاجا لهذا الاستعجال ..ومهما كانت مصلحة بلاده، فلا يجوز أن يظهر وكأنهُ لا يكترث بمصلحة شعب فلسطين.. وخاصّة أن جهود تصفية هذه القضية قائمة بإصرار ومثابرة في هذا الزمن ، من طرف إسرائيل والولايات المتحدة، وقد مهّد لذلك بعض الفلسطينيين أنفسهم منذ اتفاق أوسلو.. فكانت إسرائيل تُغرِقهم بالوعود ثم تتنكّر لكل شيء، وتسحب البساط من تحت أرجلهم رويدا رويدا، حتى أصبحوا يقفون على أرضٍ بِلا أي بِساط.. ويتوسلون إسرائيل للعبور على حاجزٍ هنا وهناك.. ولذا على القادة الفلسطينيون أن يلوموا أنفسهم قبل أن يلوموا أي طرف آخر..

**

القول أن نتنياهو جمّد قرار الضم في الضفة الغربية، بعد مُكالَمة مع ابن زايد، هو كلام مُضحِك، حيث أن نتنياهو ذاتهُ قال: جمّدنا قرار الضم ولكننا لم نلغيه.. ثم ماذا يعني هذا التجميد أمام احتلال إسرائيل لكل الأراضي الفلسطينية؟.

بالمُحصِّلة، خطوة الشيخ محمد بن زايد، ليست سوى من المسامير الأخيرة المتبقية للدقِّ في جسد القضية الفلسطينية.. وبدتْ خطوة مدعومة من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي ودُولهِ، وروسيا والهند، ومن الدول العربية، وخاصّة مصر، ولم تستنكرها أية دولة عربية بشكلٍ مُعلَن، وإسرائيل تُلمِّح إلى أنه بغضون ثلاثة أشهر فسوف يكون هناك تطبيع جديد مع دولة عربية جديدة، بل وإسلامية.. وهكذا سوف تكرُّ السبحَة..

أبو ظبي تعلم أنه ليس بوسعِ حماس ولا الرئاسة الفلسطينية أن تفعل شيئا أكثر من الإعراب عن الاستنكار وبعض الغضب.. لاسيما في ظل الدعم الدولي الكبير لِخطوة أبو ظبي.. وفي ظلِّ وجود عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يعملون ويعيشون في دولة الإمارات، ويُحوِّلون مئات ملايين الدولارات كل عام إلى أهاليهم..

الدولتين اللتين شجبتا هذا الاتفاق علنا وبوضوح، هما دولتين غير عربيتين، تركيا وإيران.. أما الدول العربية فكلها تبدو موافِقة، وحتى الرافضة لهذا الاتفاق، بقيت صامتة لأنها لا تريد توتير علاقتها مع أبو ظبي..

فهل ستُصبِح  حكاية فلسطين والقدس والأقصى، من حكايا الجدّات للأولاد قبل النوم.. لا يسعني سوى القول: ومن قلبي سلامٌ لِفلسطين..

كاتب ودبلوماسي سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. الشعب الفلسطيني لا وألف لا يريد فلسطيناً يحررها امثال حكام الخليج ، انهم فقط يريدون فلسطين التي تحررها قوافل الشهداء الفلسطينيين ومن ينضم اليهم من احرار العرب والمسلمين . وماذا يمكن لدول الخليج ان تساهم في تحرير فلسطين سوى تلك الحفنة من الدولارات التي اعمت بصر وبصيرة قيادة حركة المقاومة في اوائل السبعينات ، فتركت الحفاح المسلح وانخرطت في المشاريع السياسية طمعا بالبترودولار الذي هو مفسدة للمقاومين .

  2. دكتور عبد الحميد صدقت فيما كتبت
    اول من يلام على الهزاءم المتلاحقة في القضية الفلسطينية هو بسبب كبيرهم الذي علمهم السحر
    ابو عمار ولو استمع للمرحوم حافظ الأسد بان تكون الدولتان السورية والفلسطينية ضمن وفد
    واحد للسلام لما حصل الذي حصل صدقت العرب يداك أوكتا وفوك نفخ
    لقد أصبحنا ملطشة للجميع بسبب تنازلاتنا الواحدة تلو الاخرى والتى انتهت الى ما آلت اليه
    الان انما بخصوص الإمارات ومن سيلحق بهم من المطبعين فقد صدق ت ي لورنس بان العربان
    سيدمر بعضهم البعض بسبب الغيرة القاتلة بينهم وهذا الذي يحصل اليوم ومرة اخرى صدقت
    العرب بتعريفهم للجاهل وهو الذي لايعرف عدوه من صديقه

  3. مصر اولا ثم السلطة الفلسطينية و الاردن ومن قبلهم جميعا تركيا هم من اوصلوا الامور الى هذا المستوى …

  4. لاشك ان هذا التطبيع بين الصهاينة والإمارات العربية المتحدة خطوة خاطئة على المدى البعيد، إلا أن كثير من الفلسطينيين وأولهم أبطال اتفاقية أوسلو المشلولة ليسوا اهلا لقضيتهم ولا للدفاع عن القدس .. والقصد أنه يجب على هؤلاء في فلسطين المبادرة للتخلص من آثار جريمة أوسلو والانخراط في قتال الصهاينة بانتفاضة حقيقية لاستعادة حقهم بالتحرر من الاحتلال قبل مطالبة الإمارات العربية المتحدة وسواها بالوقوف إلى جانبهم بالمثل العربي يقول : ماحك جلدك مثل ظفرك.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here