د. عبد الحميد فجر سلوم: الشعب العربي الفلسطيني الجبار لن يركع وسيصمد ولو بمفرده

د. عبد الحميد فجر سلوم

لم يبقى شيئا ولم يُقال حول فلسطين وقضية فلسطين وانحياز الولايات المتحدة السافر إلى جانب العدو الإسرائيلي المُحتَل والمُغتصِب والقاتل، حتى بات المرء يحتار فيما سيقول.. ولكن رغم هذا فلا بُدّ للجميع سوى أن يتحدثوا ويكتبوا، حتى لو كان تكرارا لذات الأحاديث والكتابات والأفكار.. ولا بُد للجامعة العربية من إصدار بيان حتى لو كان سبقه مليون بيان مشابه.. ولا بُدّ للأنظمة العربية الحاكمة من إصدار المواقف الإعلامية، حتى لو كان بعضها شريكا بالمؤامرة..

يبقى صاحب القرار الأول والأخير هو شعب فلسطين الجبار، وهو يعرف أن اعتماده يجب أن يكون أولا وقبل كل شيء على ذاته، وعلى وحدته وتضامنه وإصراره وقوة إرادته الفولاذية.. وإن كان هناك من يسانده فمرحبا به..

**

حينما أعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون أول /ديسمبر2017 ، قيلَ بذلك الكثير..

وحينما قرر نقل سفارة بلاده إلى القدس في 14 أيار/مايو 2018 تزامُنا مع احتلال القدس الشرقية، تكرر ذات الكلام..

واليوم يعلِن هذا ” الشايلوك” ذاته عن خطته “للسلام” المعروفة بـ “صفقة القرن” والتي وصفها زعيم حزب العمال البريطاني ” جيرمي كوربين” بذاتهِ في بيانٍ له على توتيتر أنها : (شيئا مخزيا، ودعا حكومة بلاده إلى رفضها) ، مؤكدا أنها (ليست خطة سلام وإنما هي ضامن لاستمرار السياسة الاستعمارية غير القانونية التي تقوم بها إسرائيل، وتنكر حقوق فلسطين، ومن ثم هي تهديد للسلام)..

لا أطلب من الحكام العرب(المحتارون) سوى أن ترتقي مواقفهم إلى موقف السياسي البريطاني ” جيرمي كوربن” .. صحيح هو كلاما، ولكنه كلاما مهما يرسِم موقفا سياسيا مهما من زعيم حزب العمال البريطاني..

فأليس هناك من خيارات أمام حكام العرب سوى الكلام؟. نعم أمامهم خيارات ولكن لن يجرؤوا على استخدامها لأنها تكلفهم عروشهم وكراسيهم، وهذه أغلى وأثمن بالنسبة لهم من كل فلسطين وشعب فلسطين والقدس والأقصى.. وحتى أغلى عليهم من شعوبهم ذاتها.. وهذه نقطة الضعف التي تدركها أمريكا وتدركها إسرائيل..

**

المتورطون في صفقة القرن، ألمحَ إليهم الرئيس ترامب، وكشفوا عن أنفسهم ببياناتهم الرسمية التي لم تعترض على هذه الصفقة، بل طالبوا الجانب الفلسطيني بالمضي بالتفاوض حتى التوصل إلى حل للقضية (كما صرّحوا).. يتجاهلون عن خبثٍ ومُكرٍ أن “الحل” قد طرحه الرئيس ترامب في كلمته يوم الأربعاء 28 كانون ثاني 2020 ، موضَّحا بالخريطة، ولم يترك فُسحة للتفاوض، وأي تفاوض سيكون على أساس هذا “الحل” المُقترح.. أي استسلام رسمي وتخلِّي وتنازل كامل عن القضية الفلسطينية وحقوق شعب فلسطين..

ليس من الغرابة الموقف المصري، فكبار قادة إسرائيل سبق وامتدحوا الرئيس السيسي، ووصفهُ خبير أمني إسرائيلي بأنه ( كنز استراتيجي لإسرائيل) بِحسب ما كتبت صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم 31 كانون ثاني 2016 ..

وليس من الغرابة موقف أبو ظبي، فمعروف أن أبو ظبي مُسوِّقة مشاريع التسوية والتطبيع مع إسرائيل، وزيارات المسؤولين الإسرائيليين إليها طبيعية جدا، ولا ننسى زيارة وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية  في تشرين أول 2019 وعزفِ النشيد الوطني الإسرائيلي بمناسبة حصول أحد الرياضيين الإسرائيليين على ميدالية في الجودو.. ثم جولتها في قلب مسجد ” زايد بن سلطان” برفقة مسؤولين إماراتيين.. وقال حينها بنيامين نتنياهو متوجها للرياضي الإسرائيلي : ( جلبتَ لنا فخرا عظيما حيث تم بفضلك عزفُ نشيدنا الوطني لأول مرة في أبوظبي. جميعنا نفتخر بك كثيرا(..

أبو ظبي على استعداد أن تتحالف مع أي طرف نكاية بإيران.. كنتُ وزيرا مفوضا في سفارة بلادي في أبو ظبي حينما زار نائب وزير الخارجية السوري، حينها، وليد المعلم، أبو ظبي في شهر تشرين أول 2005 ، وكان شهر رمضان، ودعاهُ وزير الخارجية الإماراتي على الإفطار، وكنت برفقتهِ، وخلال الإفطار سمعتُ هجوم الوزير الإماراتي على إيران، ولومهِ للقيادة السورية على علاقتها مع إيران.. حتى أنه أوصى وليد المعلم أن يُبلِغ الرئيس بشار الأسد بالابتعاد عن إيران.. هذا سمعته شخصيا..

كما ليس غريبا الموقف السعودي، لاسيما ولي عهد السعودية، فهو يريد تدعيم مكانته كملِك قادم، وتسوية القضية بأي ثمن حتى يسحب البساط من تحت أرجل إيران التي ما فتئت ترفع يافطة فلسطين ..

بقية الدول العربية لا تهم إن وافقت أو رفضت( وحتى إن كان هناك من يرفض فإن رفضهُ لا يتعدّى البيانات كتسجيل موقف).. فالدول العربية الفاعلة بالنسبة لأمريكا في القضية الفلسطينية مؤيدة لِخطة ترامب، باستثناء الأردن لأسباب خاصة به كدولة وكعائلة حاكمة..

**

أمريكا تعي الواقع العربي جيدا.. وتعرف أنه في أسوأ أزمانه منذ مائة عام..

نتنياهو، وقبل توجهه لواشنطن، صرح في 26 كانون ثاني 2020 أمام حكومته قائلا: ( أعتقد أن فرصة مثل هذه تحدث مرة واحدة فقط على مر التاريخ ولا يجوز لنا أن نفوتها. أتحدث مع الرئيس ترامب ومع فريقه منذ 3 سنوات حول احتياجاتنا الأمنية والوطنية، كانت هذه عشرات المحادثات التي استمرت مئات الساعات، ووجدتُ في جميع هذه المحادثات آذانا صاغية في البيت الأبيض لاحتياجات إسرائيل الحيوية(..

لماذا هي فرصة تاريخية بالنسبة لنتنياهو؟.

أولا لأنه لم يسبق أن تواجدَ في البيت الأبيض رئيسا متحيزا لإسرائيل، ومزدريا للعرب( أو بالأحرى لِحكام العرب ويسخر من كبارهم) كما هو الرئيس ترامب..

وثانيا لأن القيادات الفلسطينية منقسمة، والفلسطينيون أنفسهم منقسمون بين فتحْ وحماس..

وثالثا لأن أوضاع الدول العربية مأزومة، وكل دولة تسعى لِخلاص نفسها مما تعانيه..

سورية تخضع لاحتلال إسرائيلي وأمريكي وتركي، وأراضيها مُجزّأة، وما زالت تعاني الحرب، وعتمة الليل وندرة الغاز والديزل، والغلاء والفقر الشديد، وهمُّ المواطن كيف يوفر لقمة العيش لليوم الواحد( وبكرا بيفرجها الله) ..

ليبيا، اليمن، على أسوأ حال من سورية..

لبنان، العراق، غاطسة في مستنقعات الفساد والشعوب تصرخ منذ أشهر بالشوارع، من شدة الفقر والبؤس والحرمان..

الجزائر، السودان، تداوي جراحها المثقلة، بالوعود والآمال المُخدِّرة..

الصومال، موريتانيا، تبحثان عمّن يقدم لهما شحنة طحين.. وهلُمَّ جرا..

فمن سوف يتصدّى لمؤامرة القرن، خارج إطار العنتريات الإعلامية الفارغة؟.

وإنْ ما انتقلنا إلى إيران التي تقف مع شعب فلسطين، فهي غارقة بصراعها ضد العقوبات الأمريكية القاسية، وتجاهد للالتفاف عليها، والتخفيف من وطأتها على شعبها.. وأصبحت تريد خلاصها كدولة..

**

وإن ما انتقلنا إلى الشعوب العربية، وهذا هو الأهم، فهذه تعيش داخل سجون واسعة يطلقون عليها( حدودَ دول) .. شعوبٌ مذلولة مُستعبَدة، والعبدُ لا يكرُّ ولا يفرُّ، حبيسة حكامها، الذين سلبوها إرادتها ومشيئتها وكراماتها، وفوق ذلك ثرواتها، فكانوا أول من يهزم هذه الشعوب لصالح الأعداء ويُمهدون الأرضية لإسرائيل وأمريكا في تقرير ما يشاؤون بلا خوف من أي ردة فعل شعبية عربية عارمة..

شعوبٌ مُختطفَة، وباتت مُصابة بـ (متلازمة ستوكهولم، أو متلازمة كوبنهاغن) وهذا مرض نفسي، يعني تعاطُف المُختَطَف مع الخاطِف، أو انشداد الضحية نحو الجلاد ووقوفه إلى جانبه ودفاعه عنه..

فماذا نتوقع من شعوبٍ يخفق الرُّعب بدل القلوب في صدورها.. ويعشعش الذل والخوف والمهانة بدل الأدمغة في رؤوسها!.. هكذا جعل منها حكامها.. وهكذا أرادوها .. فهل من خدمة للأعداء أكثر من إلغاء دور الشعوب بالكامل!!.

أمريكا وإسرائيل لا يخشون الحكام، فمعالجة أمور هؤلاء سهلة، إنها فقط بخلخلة الكراسي والعروش، إنهم يخشون الشعوب، وهذه ألسنتها مقطوعة(تعبير مجازي) فكيف لشعوب مقطوعة ألسنتها أن ترفع الصوت وتتحدث؟. ما قيمتها لدى حكامها؟. لا شيئا.. إنها جرذانا مُحاصَرة، أو طيورا معزولة لإصابتها بانفلونزا الطيور..

إسرائيل لم تهزِم الشعوب العربية، هي هزمت حُكام العرب، وهؤلاء بدورهم هُم من هزموا الشعوب.. لو كان الأمر يتعلق بالشعوب وإرادة الشعوب، فكلها إرادتها قوية من إرادة شعب فلسطين، لا ، ولن تُهزم.. وشعب فلسطين لا ، ولن يُهزَم، لأنه يمتلك القرار.

إسرائيل تغلبت على الدول العربية ليس بعتادها العسكري القوي، وإنما بسبب طبيعة الأنظمة، والتخلف، وغياب دول القانون والمؤسسات، وسيادة الفوضى وشريعة الغاب..

**

نعم إسرائيل دولة عدوة، ودولة عنصرية واستعمارية، ومعتدية ومُحتلّة لأراضي الغير، وقاتلة ومجرمة بحق شعب فلسطين ولبنان وسورية، ولكن كيف تتعامل مع أبنائها في داخل هذا الكيان؟. هل هُم بين بعضهم بعضا دولة قانون ومؤسسات؟. وأقول بين بعضهم بعضا وليس مع الشعب العربي الفلسطيني.. وهل لديهم محاسبَة ومساءلة لمسؤوليهم، أمْ القانون لديهم كما هو في الدول العربية، والفاسدون ينخرون في جسد الدولة ولا أحدا يحاسبهم؟.

يمكن أن نتذكر كيف يحاكمون رئيس وزرائهم لأتفه التُهم!.. وكيف يحاكمون زوجة رئيس وزرائهم لأتفه التهم ( طلبتْ وجبات من مطعم فاخر على حساب الدولة) يعني رفّهتْ نفسها ببضع ليرات ليس لها بها حقّا!!.

حينما يسود في دولنا العربية حُكم المؤسسات والقانون فوق الجميع، ونتخلص من دول الغابات وعقلية المزارع، وحيتان الفساد، ولا تعُدْ الدول وثرواتها، وثروات شعوبها، وكل شيء مُستباح للأقوياء وأصحاب الهيمنة والنفوذ والسلطة، وحينما نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، ونحترم الكفاءات والمؤهلات، وتتوقف المحاباة والمحسوبيات ، وحينما لا نجد مُستخدما لم يقطع المرحلة الإعدادية مديرا لمكتب وزير في أهم الوزارات  في دولة عربية، وهو الآمر والناهي لثمان سنوات، حينها بالتأكيد سنهزم إسرائيل.. لأنه سيصبح لدينا دولا بالفعل وليس بالاسم..

**

مشكلة العرب (وحينما نتحدث عن العرب فالمقصود الحكام وليس الشعوب، والفرق كبيرا)  لخّصها الراحل نزار قباني في قصيدته الشهيرة: ” هوامش على دفتر النكسة” .. حينما قال:

إذا خسرنا الحرب لا غرابه ……………………………….

لأننا ندخلها……………………………………………….

بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه………………….

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه ……………………………

لأننا ندخلها………………………………………………

بمنطق الطبــــــــــــــلة والربــــــــــــــــــــــــــابه……………………………………

ولذا ما علينا سوى أن ننتظر أجيالا جديدة تجيد العزفَ على أوتار الحقيقة وترفع الصوت عاليا لأجل الحق والحقوق، والخلاص من نير العبودية وعقلية الشيخ والأمير والزعيم والقبضاي، فمن لا يعي معنى كرامته الشخصية لا يمكن له أن يعي معنى كرامة فلسطين والقدس والأقصى.. ولا معنى كرامة غيره..

وأن تنتهي هذه الأجيال التي لا تجيد سوى الرقص على الحبال، والرقص في البارات والملاهي (التي باتت دولا عربية كثيرة ومُحافِظة تعجُّ بها) والنفاق والدّجل والكذب والانبطاح والعبودية.. فالعبد لا يكرُّ ولا يفرُّ .. وحتى ذاك اليوم فليس أمام شعب فلسطين الجبار سوى الصمود ثم الصمود، والصبر ثم الصبر، والاعتماد أولا وقبل كل شيء على نفسه، فلا بُدّ لليل أن ينجلي وللصبح أن ينبثق وللقيد أن ينكسر..

*

لا أعرف بعد خطة ترامب التي منح فيها فلسطين كلها لإسرائيل، إن كان سيخرج علينا فنانا كوميديا يضع هذه المرة عمامة دينية ويتّخذ قرارا يقول فيه: (لقد منحتُ إسرائيل إلى إيران، كما منحَ ترامب فلسطين إلى إسرائيل!.) . وهكذا يبطل مفعول قرار ترامب عن صفقة القرن، ويصبِح الأمر قرارا مقابل قرارٍ .. نحتاج لبعض الضحك بعد كل هذه الأحزان .. ولكنه ضحكا من بين الدموع..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. خطاب عميق المعاني، مختصر التفاصيل، كاشفا الموبقات وأسبابها، شاحذا للهمم،
    ولكن هل تفيق الامة من سباتها العميق منذ قرن من الزمان بعد عشرات الخوازيق والنكبات؟
    من مجازر وتشريد واحتلالات واذلال وضياع الأمل المنشود بالحياة الكريمة وتقطيع مستقبل الأجيال……..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here