د. عبد الحميد فجر سلوم: الحراك الشعبي في العراق ولبنان بين المطالب المحقة ونظرية المؤامرة

د. عبد الحميد فجر سلوم

يقول الصحفي الشهير الراحل محمد حسنين هيكل: “المؤامرة موجودة في التاريخ ولكن ليس كل التاريخ مؤامرة”..

المُلاحظ في الحراكات الشعبية الأخيرة في شوارع العديد من الدول، أن هناك من لا ينظرون إلى شيء لا يُعجِبهم إلا من عيون المؤامرة، حتى لو كانت صرخة طفلٍ موجوعٍ أو جائعٍ في قرية نائية.

المؤامرة موجودة دوما بين الدول المتخاصمة والمتعادية، وحتى بين المواطنين على بعض، أو بين المسؤولين على بعض، وأبناء المهنة الواحدة على بعض، ولكن حينما تخرُج البشر بالملايين أو مئات الآلاف إلى الشوارع، فلا بُدّ أن تكون هناك مبررات وأسباب ذاتية وموضوعية دفعتهم لذلك.. وفي هذه الحالة، من الطبيعي، أن نرى الدول المتربصة تلحش مناخيرها وتستغل الأوضاع لتستثمر فيها، ليس حُبّا بالمتظاهرين ولا تعاطُفا مع مطالبهم بالإصلاح التي ينشدها كل شعب، وإنما بهدف تصفية حسابات خاصة مع هذه الدولة أو تلك.. ولكن يبقى السؤال الرئيس: من هي الجهات التي خلقت الأسباب والمبررات والحُجج المنطقية لخروج البشر للشوارع؟. هنا يكمن جوهر الموضوع ولبْ المشكلة.. لماذا خلقوا الأسباب والمبررات؟. لماذا لم يعملوا على معالجة الأسباب والحُجج والمبررات قبل أن تستفحل وتدفع بالناس للشوارع؟.

على الرغم أنه لا يمكن النظر لكل الحراكات من خلال منظور واحد، ويجب دراسة كل واحد على حدة، إلا أنه يمكن القول أن  إرجاع كل شيء للمؤامرة له هدفان:

الأول: هروب الطبقة الحاكمة من تحمُّل مسؤولياتها في ما آلت إليه أحوال شعوبها بسبب الفشل على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وبسبب الفساد والإفساد المتراكم على الدوام، والكسب غير المشروع، وانعدام كل أشكال المساءلة والمحاسبة للأقوياء وحيتان الفساد، مما أدى إلى وجود فجوة واسعة جدا بين طبقة الفقراء الساحقة والعريضة وطبقة الأثرياء القليلة، وتوزيع ظالم لثروات الأوطان،  وخلخلة كبيرة في توازُن المجتمعات، لم يعُد علاجها ممكنا إلا بانفجار الشعوب بالشوارع..

والثاني: ترهيب الناس الفقيرة المحرومة والمظلومة والمنهوبة، المنفجرة بالشوارع، باتهامها أن ما تقوم به هو تآمر على وطنها وأنها أدوات للعدو الخارجي.. بينما من يجب أن يُتّهم هي الطبقة الحاكمة التي أودت بحياة شعوبها إلى الكارثة. (وأقول الطبقة الحاكمة لأنها باتت كلها طبقات حاكمة فاسدة وطبقات محكومة ضَحية، وهذا بحدِّ ذاته كافٍ للانفجار بالشوارع). ثمّ ما هو الترموميتر الذي يقيس مستوى الوطنية عند كل شخص حتى تعتبِر الطبقات الحاكمة نفسها هي الوطنية ومن يخالفها الرأي والموقف هو غير وطني؟. بأي حق توزع الطبقات الحاكمة شهادات الوطنية وحسن السلوك وهي غارقة بالفساد، إما الفساد المادي، أو الأخلاقي وانعدام الضمير والوجدان في المعاملة.

الفساد في تعريف البنك الدولي، هو “إساءة استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة”.. وأما المنظمة العربية لمكافحة الفساد، فتُعرِّف الفساد بأنه كل الثروة والمكاسب غير المشروعة.. وهذه تأتي عن طريق استغلال السلطة أو النفوذ، فهل هناك طبقة حاكمة في هذه البلدان لم تستغل السلطة أو النفوذ أو المنصب العام للنفع الخاص؟.

هناك من يُخففون من وقْعِ الفساد ويقولون لك  بِخبثٍ أو سذاجةٍ، في كل بلد يوجد فساد!.. نعم هذا صحيح، ولكن هناك فرقا بين أن يكون الفساد ثقافة عامة وقاعدة لكل شيء، وأن تُسَيَّر الدولة بالفساد والمعاملات بالفساد والتوظيف بالفساد والامتيازات بالفساد والمناصب بالفساد والبعثات والمِنَح العلمية والمهمات الخارجية بالفساد وبناء المخالفات السكَنية بالفساد والسطو على الملكية العامة وعلى أراضي الدولة بالفساد، وحتى التمديد بالوظيفة بالفساد، وبين أن يكون حالة استثنائية وشاذّة.. في دول متقدمة يوجد فساد، ولكن القانون بالمرصاد ولا يرحم كبيرا أو صغيرا.. يحاسبونهم على أتفه واصغر الأمور. جاك شيراك سائلوهُ لأنه أجّر ابنهُ شقّة تابعة لبلدية باريس بسعرٍ أقل من السعر المُفتَرض. أي هو لم يُملِّك ابنه الشقة وإنما راعاهُ بالأجرة. ويستغرب المرء كيف أن ابن جاك شيراك لا يمتلك ناطحة سحاب أو قصرا وأمامه أفخم السيارات!. زوجة رئيس وزراء حققوا معها بتهمة طلبْ عدة وجبات جاهزة من مطعمٍ فاخر، على حساب الدولة!. يعني فساد عن فساد بيفرق كتير..

**

نحن اليوم في عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات ولا يمكن لأحد أن يحتكر بمفردهِ الحقيقة، أو المعلومة، أو أن يصنع لوحدهِ الرأي العام ويوجهه حيث يريد. المعلومة اليوم متاحة أمام الجميع من مشرق الأرض إلى مغربها، والمواطن في كل مكان وفي أي بلد يستطيع أن يميز بين الكذب وبين الصدق، بين التضليل وبين الحقيقة.

الشارع العراقي، وكذلك الشارع اللبناني، لم ينتفضوا مدفوعين بمؤامرة من الخلف، لأن الإنسان المحتاج والمحروم والمظلوم والجائع وغير القادر على توفير أدنى سبُل العيش في وطنه، بسبب وجود عصابات تحت مُسمّى دولة أو طبقة سياسية حاكمة، سرقوهُ وأفقروهُ، هذا لا يحتاج لمؤامرة لينفجر في الشوارع، وإنما يحتاج فقط لأولئك الفاسدون وحينها سيجعلونه ينفجر بالشوارع.

ما يدفع المواطن للشارع ليس المؤامرة، وإنما معدته الخاوية وأمعائه الفارغة، وبرّاد بيته الخاوي، وجيوب أولاده الفارغة، بينما جيوب أولاد السارقين والمارقين والفاسدين مُتخَمة بالمصاري، وبرّادات بيوتهم لا تتسع لكل أصناف الفواكه باهظة الثمن من الكيوي إلى الأفوكادو إلى المانغا، إلى الأسماك ولحوم الضان، وأفخم أنواع الجبنة الفرنسية، والشوكولا البلجيكية .. الخ.

**

لكل مواطن حقوق في وطنه أقرّتها الشرائع السماوية والأرضية، وحينما المواطن يُسلب من هذه الحقوق، فمن حقه، بل من واجبه، أن ينفجر بالشارع في وجه من سلبوه حقوقه.. أول هذه الحقوق وأبسطها أن يقدِر المواطن على توفير أدنى مقومات الحياة، من مأكل ومشرب ومسكن له ولأفراد عائلته, وأن يجِد دخلا يُمكِّنه من إعالة أسرته بشكل كريم( وليس فقط إبقائه على الحياة، فالكلاب البرية باقية على الحياة) ومن تعليم أولاده والإنفاق عليهم وعلى لباسهم وطبابتهم، ودفع تكاليف المدارس وأقساط دُور الحضانة، أو الجامعات الخاصة حينما لا يُقبل في جامعات الدولة.. وهذه كلها تكاليفها مرتفعة.

لا ألوم طلاب المدارس اللبنانية الذين خرجوا للشوارع وهم يرددون: أهالينا غير قادرين على دفْع الأقساط لنا..  أقساط الجامعات الخاصة والمعاهد والمدارس الخاصة في لبنان كاوية، إنها كفرا، ولكن حتى عندنا في سورية  الأقساط الخاصة كاوية، إنها كُفرا، قياسا بمستوى معيشة المواطن، والدولة سامحة بها.

 كنتُ أدرِّس في جامعة خاصة، وكنت أعيش معاناة الطلاب الفقراء، الذين لا مقدرة لأهاليهم بتوفير الأقساط لهم في أوقاتها، فيُحرَمون من الحصول على نتائج امتحاناتهم.

**

أن يعيش الإنسان تحت خط الفقر، يعني أنه يعيش فقر مدقع.. والفقر المُدقِع،  في قانون حقوق الإنسان، وصكوك حقوق الإنسان، هو أكبر انتهاك لحقوق الإنسان.. والمواطن (أو الفرد الواحد) الذي لا تتجاوز حصّة مصاريفهِ اليومية دولارين( أي 60 دولارا بالشهر) إنما يعيش حالة فقر مُدقِع، حسب التوصيفات الأممية. وحينما هذا المبلغ لا يوفر له أدنى  مقومات الحياة، فمن البديهي أن هذا المواطن سينفجر بالشارع، لاسيما حينما يرى الفاسدين والسارقين من حوله في كل مكان، يتنعمون هُم وأبناؤهم بما سرقوه، من حصته وحصة غيره في الدولة والوطن ولم يتحاسبوا، وهو يركض خلف توفير رغيف الخبز؟.

عائلة متوسطة من خمسة أفراد، وحتى تعيش أدنى مستويات المعيشة التي تُبقيها على الحياة، تحتاج بالشهر إلى ما يعادل 300 دولارا..

في سورية طرأت زيادة على الراتب مؤخرا عشرون ألف ليرة، وللمتقاعد ستة عشر ألف.. هذه لا تعني شيئا أمام الغلاء الحاصل. ما تمنحهُ الحكومة للموظف والعامل والمتعاقد والمياوم، وغيره، لا يصحُّ وصفهُ بـ ” الراتب” .. هذه صدَقة . والعديد من المنظمات الإنسانية تتصدق على الفقراء بمعونات أكثر من ذلك.. الدولار ارتفع على مدى ثمان سنوات 14 ضعفْ، والأسعار 15 ضعفْ والراتب يجب أن يرتفع 14 ضعفْ، أو على الأقل عشرة أضعاف مع بقاء الأسعار على حالها.

**

أين هو كبرياء وعزّة نفس وكرامة الرجُل حينما يتورط بالفساد؟.

الرجولة ليست بالطول والعرض، ولا بالمال أو المنصب، وليست بالشكل والمظهر، وإنما بالأقوال والأفعال والأخلاق والأنفَة والكبرياء والأمانة والصدق وعزّة النفس والشعور بشعور الآخرين المحتاجين والمحرومين.

المواطن العراقي واللبناني حينما يرى في بلاده نُخبَا، أو طبقة حاكمة فسادها يُزكم الأنوف، من الطبيعي أخيرا أن يخرج للشوارع ويصرخ بأعلى صوته مطالبا برحيل الطبقة الحاكمة.. وإن لم يتم لملمة الأمور بسرعة والاستجابة لصوت هذا المواطن المظلوم والمقهور، فحينها سوف تستغل الدول المتربصة هذه الأوضاع وتغرس أصابعها ومخالبها في الشؤون الداخلية، وتتسلل المؤامرة. هذا أمر طبيعي ولا يغيب عن أذهان كل العاملين في حقل السياسة.. ولكن نعود للسؤال: من هو المُسبِّبْ؟.

لا يوجد دولة إلا وهناك متربصون بها، وكلٍّ لأسبابه الخاصّة، ولكن إن لم تتوفر لهؤلاء المتربصون البيئة الاجتماعية الملائمة لتنفيذ مكائدهم، فلن يتمكنوا من ذلك. المتربصون أو المتآمرون يحتاجون، كما رجال الأعمال، إلى بيئة ملائمة للاستثمار، وإلا فلا يستثمرون.. وهكذا على مستوى الأوطان إن لم تتوفر البيئة الملائمة للاستثمار في تخريب الأوطان والتآمر عليها، فلن يأتي المتآمرون لأن الأبواب والنوافذ تكون مغلقة أمامهم.. والسؤال: من هي الجهات التي تُوفر البيئة الملائمة ليستثمر فيها أعداء هذا البلد أو ذاك؟. هل هي الطبقة الحاكمة، أم الجماهير المفجوعة المنفجرة بالشوارع؟.

الجميع يعلم أن هذه مسؤولية الطبقات والنُخب الحاكمة، لأنها لم تُحصِّن أوطانها من ذلك.. والسؤال: كيف يكون تحصين الأوطان؟. إنه يكون بدولة القانون فوق الجميع، والمؤسسات الفعّالة والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتوفير مستوى لائق من المعيشة والكرامة يجعل المواطن في حالة دائمة من الأمان والاستقرار النفسي والطمأنينة على مستقبله ومستقبل أولاده.. وتعليق المشانق للحرامية واستعادة الأموال المنهوبة منهم. وتحقير كل من يُحول وزارته أو مؤسسته إلى مزرعة أو شركة خاصة وله الحق المطلق في التصرف بداخلها كيفما يشاء بلا أدنى معايير سوى أمراضه النفسية وعُقده الشخصية، وتقليعه حالا أيٍّ كان، ومهما بلغ به العُمر.

وبموازاة كل ذلك كيف يمكن مكافحة الفساد في أي بلدٍ بوجود ما يُعرَف بعلم الاقتصاد: (رأسمالية المحسوبية أو المحاسيب) أي تحالُف النُّخب السياسية والأمنية والعسكرية والحزبية، وغيرها من زعامات السلطة مع أصحاب رأس المال، إن لم يكونوا هُم أنفسهم أصحاب رأس المال!. من المعروف في ظل رأسمالية المحاسيب أن يُغطِّي الكل على الكل لان المصالح متشابكة.. قد يكون الأب مسؤول مُهم والابن أو الصهر أو الأخ تاجر ورجُل أعمال.. فكيف لن يُسهِّل لهُ ويُغطي عليه والمُحاسَبَة غائبة!.

**

في كلٍّ من العراق ولبنان طبقة إقطاع سياسي فاسدة، ترث الزعامة أبا عن جد.. والدولة تحولت إلى طبقة حاكمين وطبقة محكومين. وطبيعي أن ينفجر شعبي البلدين ضد هذه الطبقة.

ومن باب النقد الذاتي، سأستطرد لأقول، أننا بكل أسف بتنا حتى في بلدنا سورية، نشعر بملامح هذه الظاهرة.. أبناء وزراء يصبحون وزراء.. وأبناء سفراء يصبحون سفراء.. وأشخاصا من منصب لآخر منذ 45 عاما(وكأن الجميع منتخبون من الشعب كما هو رئيس الدولة).. بل هناك أشخاصا بعينِهم في مناصب مهمة، ومؤهلات متواضعة، يتقاضون بالعملة الصعبة،  منذ 15 سنة أو 18 سنة أو 19 سنة أو 20 سنة متواصلة، وكأن الأرحام عقُمتْ، ويقبض واحدهم بالشهر أكثر من عائلات خمسين شهيدا، ولم يُقدم للوطن إلا الكلام الذي يقدمه أي شخص آخر، وله  مليون بديل في الوطن وأكفأ منه.. ويا ليت واحدٍ من أولادهم خدم في الجيش يوما واحدا.. ثورة البعث انفجرت ضد الإقطاع والظلم.

**

تقول الحكمة، أن العدالة هي أساس المُلك، ولكن حينما يصبح الظلم والمحسوبية والواسطات وشريعة القوي هي أساس المُلك، فحينها نتوقع الانفجار بالشوارع.. وهذا هو حال الشارع العراقي واللبناني..  يقول الله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وليس بالظلم..

عودوا إلى تاريخ كل الثورات، أو الفورات، أو الانتفاضات، أو الحراكات الاجتماعية (سمُّوها كما شئتم) ألن تجدوا أن هناك قاسما مشتركا بينها جميعا، وهو “الظلم” . سواء في تاريخ الغرب، أم في تاريخ الإسلام..

الشعوب والأوطان هي أمانة في أعناق القائمين على هذه الأوطان، والأمانة قيمتها عظيمة وكبيرة، وفي ذلك قال الإمام علي زين العابدين عليه السلام: “عليكم بأداء الأمانة، فوالّذي بعثَ محمّداً ،صلى الله عليه وآله وسلم، بالحقّ نبيّاً، لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ عليه السلام، ائتمنني على السَّيف الّذي قتلهُ به لأدّيتهُ إليه”…

الناس ليسوا مجرّد أرقام على هوياتهم الوطنية.. إنهم بشرا قبل أي شيء، ويملكون من المشاعر والأحاسيس والعواطف والانفعالات، ما يملكه أي ملك أو رئيس أو أمير أو شيخ أو وزير أو زعيم طائفة أو حزب أو غيرهم..

**

لا يعتقدنّ أحدٌ أنه بمنأى عن انفجار الجماهير بالشوارع حينما تضيق بها سبُل العيش ولا تجد ما يكفي كي تأكل وتشرب وتتعلم وتتطبب وتلبس وتتنقل وتسكن، فحينها لا تُلام إن انفجرت بالشوارع، وإنما يُلام من أوصلوها لهذا الحال.. وإن دخلت المؤامرة بسبب هذه الظروف، فتبقى المسؤولية مسؤولية من تسببوا بهذه الظروف، وليس مسؤولية  مَن دفعهم  الفقر والفساد والجوع والحرمان والتهميش والظلم، إلى الشوارع.

لم يصرخ العراقيون، ولا اللبنانيون، شبابا وصبايا، كبارا وصغارا (كلُّن يعني كلُّن) إلا بعد أن طفح الكيل حتى الجُمام..

اتهامات العمالة بحق الآلاف لا تجوز، لأنها تصبُّ الزيت أكثر على النار، وتُشكك بوطنية الناس، وهذا استفزازٌ ومهانة تزيدهم اشتعالا.. ليس هناك من هو وطني أكثر من الآخر إلا بمقدار ما يُقدم ويضحي لأجل الناس ومن دون مقابل( إلا رواتبه وتعويضاته الرسمية)، وبمقدار ما يكون شريفا وأمينا وصادقا وشفافا.. أما أن يضرب الناس بـ (منِّية) أنه يعمل لأجلهم ويضحي لأجلهم، وقد أصبح مليونيرا أو مليارديرا من خلال مواقع السُلطة، فكلّا، هذا لم يعمل لأجل الناس وإنما عمل لأجل مصالحه الخاصة ويجب أن يُحاكَم.. أليس هذا هو حال الزعامات والطبقة الحاكمة الفاسدة في العراق ولبنان.. الخ.

**

ثم كيف لِمن يحمل جنسية أجنبية، أو عدة جنسيات أجنبية، وقد أقسم بالولاء للدولة التي منحتهُ الجنسية كشرط لمنحها، كيف له أن يتهم الآخرين بالعمالَة؟. هل من بين الطبقة الحاكمة في العراق ولبنان من لا يحمل جنسية دولة أجنبية أو عربية؟. أو حتى أكثر من جنسية؟. وقد تكون اثنتين أو ثلاثة، كما هو حال وزير لبناني معروف بعنصريته ضد الفلسطينيين والسوريين..

لقد جئنا من اليونان إلى دمشق، ثم من سويسرا إلى دمشق كي تلِد زوجتي، بينما الموضة أن تذهب نساء الكثيرين إلى كندا أو البرازيل، أو إلى دولة غربية، ليلِدنَ هناك لأجل الجنسيات..

طبعا هذا لا يعني إطلاقا أن الجنسية الأجنبية هي تُهمة، وطبيعي جدا أن يحمل الإنسان جنسية أجنبية، وخاصة إن كان يعيش في الخارج، ولكن حينما يعود إلى بلاده ليتبوّأ منصبا أو يُصبِح زعيما، فعليه أن لا يزايد على الآخرين بالوطنية قبل أن يتخلّى عن جنسيته الأجنبية حتى لا تُصبح لديه ازدواجية بالولاء..

**

في العراق دولة ديمقراطية، وكذلك في لبنان، ولكن المحاصصات الطائفية دمّرت كل معاني هذه الديمقراطية، وحوّلت البلدين إلى غنيمة لدى الطبقات الحاكمة، يتوزعونها ويتقاسمونها باسم الطوائف والأعراق، بينما المستفيد هُم وحدهم كأشخاص وليس الطوائف التي يدّعون كذبا تمثيلها.. نهجُ المحاصصات الطائفية في أي مكان هو مرض خبيث يُفسِد كل شيء ويؤدي أخيرا إلى خراب الأوطان، لأن المسألة في هذه المحاصصات تدور حول توزيع المكاسب وشراء الذمم بدلاً من بناء الدولة وتطورها.

**

الناس في هذا الزمن تبحث عن رغيف خبز وفرصة عمل ولقمة عيش وعن  طنجرة  مملوءة بالطعام، أو صحن مملوء بالمسبّحة، ولا تعنيها كثيرا الشعارات والآيديولوجيات، فهذه زمانها انتهى مع نهاية الاتحاد السوفييتي ونهاية منظومة الدول الشيوعية في شرق أوروبا، والناس لا تأكل شعارات، ولا معنى للشعارات إن لم توفر للناس متطلبات حياتهم الأساسية.

العالم كله تحول إلى دول رأسمالية، تبحث عن الأسواق وتوسيع النفوذ والمصالح والاستثمارات وإطعام شعوبها حتى لا تنفجر بالشوارع.. روسيا أم الشيوعية باتت دولة رأسمالية تبحث كما غيرها عن مصالحها المادية والتجارية والأسواق واستثمارات النفط والغاز وغيرها.. وحتى الصين ينظرون لها في الغرب أنها دولة رأسمالية ولكن بلباس شيوعي.. ولا أحدا يقدم شيئا مجانا لأحد من دون مُقابل، ومن دون أن يأخذ العشرَة قبل أن يعطي الخَمسَة.. إنه عالمٌ مادِّي بامتياز وليس آيديولوجي.

**

دور المثقفون الوطنيون أن يُنبِّهوا على الأغلاط، وواجب  القيادات أن تتنبه ولا تستخف بذلك، فالغرور والتعالي وأمراض النرجسية واحتكار المعرفة والحقيقة، قد تتسبب بغشاوة على البصيرة والأبصار.. وقادة الطبقات الحاكمة عادة يصدقون حفنة من المنافقين المتملقين الانتهازيين ويعتقدون أن هؤلاء هم من يعكسون الرأي الشعبي العام.. هنا تكمن الخطيئة الكبرى.. الرأي الشعبي العام لا يعكسهُ إلا  الرجال الوطنيون الصادقون الغيورون أصحاب الكلمة الجريئة الصريحة الصادقة، وليس الانبطاحيون والمتملقون الذين ينافقون للمسؤول ويسمعونه ما يرغب أن يسمعه فقط، فيعتقد أن هذا هو رأي الشارع كله..

من أغشت عيونهم وأبصارهم أضواء السُلطة والمال، وابتعدوا عن الجماهير الكادحة والفقيرة  سواء في لبنان والعراق، وأداروا لها الظهر على مدى سنين من التفقير والحرمان والتهميش، حتى طفح بها الكيل، عليهم أن لا يلومونها إن رفعت بوجههم أصواتها ملء حناجرها وصرخت: كلُّن يعني كلُّن.. أو أي شعار آخر..  الجماهير الراعدة لا تريد إلا شيئا واحدا من النُّخب الحاكمة: وهو أن يعترفوا بها على أنها بشرا مثلهم.. وحينما يحصل هذا الاعتراف، حينها، يشعرون بشعورها وبآلامها ومعاناتها وحرمانها وتهميشها وجوعها وأوجاعها وفقرها وظلمها، ويبحثون عن العلاجات..فالوجع لا يعرفه إلا من يعانيه..

**

يحزنني إراقة الدماء في العراق، وأتمنى على حكومتي العراق ولبنان الاستجابة لصوت الشارع بإعادة الأموال المنهوبة، وتشكيل حكومات تكنوقراطية، والإعلان عن انتخابات مُبكرة حتى لا تنزلق بلديهما نحو ما لا يُحمد عقباه، وأن يُغلِّبوا مصالح الأوطان على مصالح الأحزاب والزعامات.

وكما يُقال: صديقك من صدَقَك وليس من صدَّقك.. فاحترموا يا ساسة العراق ولبنان، وحتى في بلدي العزيزة، احترموا الصادقين وليس المُصدِّقين والمُصفِّقين لأن هؤلاء هم المنافقين والانتهازيين، لا يقولون لكم الحقيقة، وإنما يقولون لكم ما ترغبون سماعه فقط، وهكذا يخدعونكم، وبعدها تتفاجئون بالانفجار..

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here