د. عبد الحميد فجر سلوم: أليسَ من حق العلمانيين السوريين أن يكون لهم تحالفا في مجلس الشعب السوري والمجتمع السوري؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

قرأت قبل مدّة أن عضوا في مجلس الشعب السوري أعلن عن تشكيل “تحالف عَلماني”  (بِفتح العين وليس بِكسرِها لأن المعنى حينها يختلف كلية)، وأن هناك مجموعة من ” المحافظين” طالبوا برفع الحصانة البرلمانية عنه بسبب ذلك.

وحَسبَ تصريح عضو المجلس فإن قسما كبيرا من السوريين أعلنوا الانضمام إلى “تحالف اجتماعي ثقافي تنويري غير سياسي، وينتمون لمختلف شرائح المجتمع ومن بينهم رجال دين”.

وأضاف: نشَطتْ “مجموعة من المحافظين الذين يخشون كل جديد فلم يتركوا تهمة أو شتيمة ضدنا، حتى أن بعضهم شخصنَ الأمر بالإساءة لي شخصيا مطالبين برفع الحصانة النيابية عني”. وأشار عضو المجلس إلى أن السبب في هذه الحملة كان الإعلان عن أن التحالف سيعمل “تحت مظلة برلمانية لتوسيع دائرة التفاعل بين المؤسسة التشريعية والشعب” مما خلق تخوفا  “من أن يكون هناك مجموعة ضغط شعبية فاعلة داخل مجلس الشعب غير جماعة الجبهة الوطنية، حيث رفضوا العام الماضي بندا كان واردا في النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب يسمح بالكتل النيابة داخل المجلس، وقد تم حذفه قبل طرحه للنقاش تحت القبة”.. إذا هذا كان تصريح مؤسس التحالف.

بداية أؤكد الحاجة الماسّة إلى وجود التيارات العَلمانية على الساحة السورية بعد تراجُع الأحزاب العَلمانية، بل ضرورة وجود هذه التيارات على الساحة العربية الآسيوية، والساحة العربية بشكلٍ عام، وضرورة تعزيز هذه التيارات وتقويتها في وجه التيارات الإسلاموية التي انتشرت بسرعة وبشكلٍ واسع في العقد الأخير وباتت خطرا يهدد هذه المجتمعات وإعادتها إلى نمط الحُكم الديني الذي جربه المسلمون ألف وثلاثمائة عام، منذ الدولة الأموية والعباسية والسلجوقية والأيوبية والمملوكية والفاطمية وحتى العثمانية.. الخ، ولم ينجم عنه سوى التفرقة المذهبية والدينية والتشتُّت والانقسام والحروب والاقتتال وفتاوى التكفير والجهل والتخلف.

كانت هناك صفحات مشرقة في بعض تواريخ الدولة الأموية والدولة العباسية، وبنوا حضارة إسلامية في أزمانهم استفاد منها حتى الغرب الذي كان يعيش في العصور الوسطى ، وبالمقابل كانت هناك مجازر ومذابح وحروب واقتتال بين المسلمين لم يشفع لها حتى الشراكة في الإسلام..

النهج وأسلوب الحُكم القائم على مبدأ الخلافة، أو الإمامة، لم يعٌد صالحا لهذا الزمن، لأن السياسة وأساليب الحُكم وطريقته يجب أن تتطور كما يتطور العِلم والتكنولوجيا وإلا فإن المجتمعات والدول تبقى تراوح مكانها.. والدليل أنه حينما كان المسلمون أصحاب حضارة في العصور الأوروبية الوسطى، كان الأوروبيون يعيشون عصور التخلف والجهل، وسيطرة الكنيسة على كل مقاليد الحياة، ويعيشون الحروب الدينية الطاحنة بين البروتستانت والكاثوليك، ولكن تمكنوا لاحقا بوضع حدٍّ لكل ذلك بعد أن تعلموا من تجاربهم وغلّبوا العقل والعِلم والحوار وقبول الرأي والرأي الآخر، على كل شيء، وتطور لديهم مفهوم السياسة ومفهوم الحُكم وبناء الدولة، وفصلوا بين الدين والدولة في صلح ويستفاليا عام 1648 وبعدها انطلقوا بسرعة نحو عصور النهضة والتنوير، والاكتشافات والاختراعات والصناعات والعلم إلى أن وصلوا على ما هُم عليه اليوم، يغزون الفضاء وتصل مركباتهم الفضائية إلى سطح القمر..

وأما المسلمون، ولأنهم بقوا يراوحون في مكانهم، فقد تخلفوا عن أوروبا مئات السنين بعد أن كانوا يسبقونها، لأنهم لم يتحرروا من هيمنة  العقل الديني الذي كان ومازال بالنسبة لهم هو المِسطرة التي يجب أن تُقاس عليها كافة شؤون الحياة، وأولها شؤون الدول وشؤون الحُكم داخل الدول.. بل هناك من ضيَّقوا الإسلام حتى بات المرء يشعر وكأنه حبلا يلتف على عنقه.. وانشغلوا بأتفه التفاهات التي تخص حياة الفرد الخاصة، سواء رجُل أو امرأة ..

وللتذكير فحينما أتحدثُ عن الإسلام السياسي فلا أعني فقط الإسلام (السنّي) وإنما أعني الإسلام السياسي السنّي والشيعي، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، عليها من الطرف الأول صورة خليفة المسلمين بحسب المفهوم السني، وعلى الطرف الثاني صورة الإمام بحسب المفهوم الشيعي..وبين مفهوم الخلافة ومفهوم الإمامة،ها نحن نرى كيف آلت إليه أحوالنا.

لستُ بصدد الحديث عن مفاهيم العَلمانية، وهي الترجمة العربية لكلمة  Secularism    وكيف تطورت عبر التاريخ، وما هي أشكال العَلمانية، إذ كتبتُ كثيرا عن ذلك بالماضي وفي صُحُف متعددة، ولكنني بصدد التأكيد ( ومن خلال دراستي المتواضعة لتاريخ أوروبا) أنه لولا صلح ويستفاليا واتِّجاه أوروبا نحو العَلمانية وفصل الدين عن الدولة لما كانت شهدت هذا التطور، وربما كانت تتقاتل مع بعضها حتى اليوم، كما تقاتلَ ويتقاتلُ المسلمون، على خلفيات طائفية ومذهبية.

أعداء العَلمانية لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لتشويه مفهوم العلمانية، وتضليل المجتمعات الإسلامية حتى لا تُطالب بدولٍ عَلمانية، يتراجع فيها دور رجال الدين وتتضرر مصالحهم الخاصة..

ينشر أعداء العلمانية، في المجتمعات، أن العَلمانية تحارب الدين وأنها مؤامرة على الإسلام وعلى الثقافة الإسلامية، وهذا غير صحيح، بل العَلمانية تصون كل الأديان وتضمن الحق في ممارستها، ولكن تُساوي بين الجميع ولا تسمح بهيمنة دين على آخر، ولا أن يتدخل أي دين بشؤون الدولة أو تُصنع قوانين الدولة من الفقه الديني والشريعة الدينية، لأن الدولة لجميع أبنائها، وقوانينها يجب أن تكون للجميع وتنطبق على الجميع، ويتساوى فيها الجميع كمواطنين لهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات. وهذه أوروبا العلمانية (بل الغرب العلماني) هي أكبر مثل على احترام حق الجميع في ممارسة عباداتهم وحرياتهم الدينية. وقد تابعنا مدى الحزن في فرنسا لدى الدولة والشعب على حريق كاتدرائية  نوتردام الشهيرة، مع أن فرنسا هي أم العَلمانية.. وهناك في أوروبا مئات المساجد للمسلمين يمارسون فيها عباداتهم الدينية بكل حرية ولا يتدخل أحدا بهم ما لم يسيئوا لهذه الحرية.

ونرى كيف أن العديد من رؤساء الغرب يقسمون اليمين على الكتاب المقدّس بداية استلامهم للسلطة في بلدانهم، مع أن دساتيرهم كلها تنص على عَلمانية الدولة.

ينشر أعداء العلمانية أن العَلمانية هي إلحادا وكُفرا، وهذا غير صحيح أيضا، وهنا يجب أن نُفرِّق بين نوعين من العَلمانية، تلك التي كانت تتبناها الأنظمة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي السابق وفي منظومة حلف وارسو، وهذه عَلمانية تقوم على عدم الإيمان بالآخرة، لأن ذلك يتوافق مع المفاهيم والنظريات والقوانين الماركسية والشيوعية في نشأة الحياة وتطور المجتمعات( وهُم يَعزون نشأة الكون إلى نظريات اجتماعية ودنيوية وليس إلى نظريات دينية) وهذا النوع من العَلمانية انتهى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتفكك منظومة حلف وارسو، وحلّت مكانها العَلمانية الإيمانية التي تعترف بالآخرة وبيوم الحساب كما هي كل المفاهيم الدينية.

بل إذا عُدنا حتى لتصريحات زعيم أكبر حزب إسلامي في العالم الإسلامي، إذا صحّ التعبير، وهو (حزب العدالة) التركي، لسَمِعنا كيف أن رجب طيب أردوغان يقول من لسانه أن العَلمانية لا تتعارض مع الإسلام، وإنما هي تحترم كافة الأديان وتصون الحق في ممارستها، وذلك في لقاءٍ له مع قناة العربية.

ورغم المحاولات الكبيرة لأردوغان في خلق مجتمع تركي محافظ لا ينسجم مع مفاهيم العلمانية، إلا أنه فشل في ذلك.. وحينما كان المجتمع التركي يُصوت لصالح حزبه فإنما لأنه تمكّن من تحسين الوضع المعيشي والوضع الاقتصادي لبلاده، وليس لأنه حزبا إسلاميا، وحينما ضعُف الوضع الاقتصادي وتأثر مستوى المعيشة، رأينا كيف أن حزب أردوغان خسر الانتخابات البلدية في أهم مدينتين تركيتين وهما العاصمة السياسية أنقرة، والعاصمة الاقتصادية استنبول التي كان الإسلاميون يحتكرون رئاسة بلديتها منذ زمنٍ طويل.

العلمانية في تركيا لم تبدأ فقط مع كمال أتاتورك الذي حلَّ دولة الخلافة الإسلامية عام 1924 ، وإنما تسربت الأفكار العلمانية إلى تركيا منذ القرن الثامن عشر أيام الدولة العثمانية، عن طريق الطلاب الأتراك الذين كانوا يدرسون في جامعات الغرب.

وقد بدأت العلمانية الحقيقية في تركيا عام 1928 مع تعديل دستور عام 1924 وإزالة فقرة منه كانت تقول : ( دين الدولة هو الإسلام) ..

الشعب التركي لا يسمح بالمساس بالنظام العَلماني، المذكور في الدستور التركي، ووصول حزب إسلامي إلى السلطة في بلدٍ عَلماني هو مسألة عادية وطبيعية، لأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة وليست فصل الدين عن السياسة. فمن حق المتدين وصاحب الآيديولوجيا الدينية أن يعمل بالسياسة وينشط سياسيا في مجتمعه، ولكن حينما يصل إلى السلطة فليس من حقه أن يمس قوانين الدولة العلمانية ويُفصِّلها على مقاسه ومقاس حزبه. ونحن نرى كم من حزبٍ مسيحيٍ في أوروبا وصل للسلطة( وأهمها حزب أنجيلا ميركل في ألمانيا) ولكن لم تقترب من عَلمانية الدولة، ولم تسعى لاستبدال الفكر العلماني بالفكر الديني. فالعلمانية خطا أحمرا لا يجوز الاقتراب منه.

ما أودُّ قوله أخيرا أن العلمانية في مجتمعٍ كما مجتمعنا السوري، متعدد الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف واللغات( كما هو المجتمع التركي) هي الوصفة الشافية له من كل الأمراض الاجتماعية التي سببها التعصب الديني والطائفي والمذهبي والعرقي والمناطقي واللغوي .

ولكن يبقى السؤال الأبرز والأهم: هل يمكن بناء نظام علماني بلا ديمقراطية؟.  جَرَّبوها في الدول الشيوعية السوفييتية والشرق أوروبية السابقة وفشلوا.. بل اخترعوا عوضا عن مفهوم الديمقراطية البرلمانية، مصطلح الديمقراطية المركزية، أي خضوع الأدنى للأعلى في الأحزاب وفي كافة المنظومات الشعبية ، بلا أي اعتراض أو نقاش، وهذا كان سببا أساسيا لانهيار تلك الأنظمة لأنها قامت على الشمولية والرأي الواحد(الحزب الواحد والقائد الواحد) وإقصاء المشاركة الشعبية الواسعة وتعددية الآراء، وعدم الأخذ بعين الاعتبار إرادة الشعب وما يريده الشعب.. ولا يمكن للرأي الواحد والأوحد أن ينتهي أخيرا إلا بالفشل..

لا يوجد علمانية بلا ديمقراطية، وإن كانت العَلمانية تساوي بين كافة مكونات المجتمع على قاعدة ” المواطَنَة ” فهذا غير ممكن بدون ديمقراطية وحرية رأي وحرية تعبير، وإلا كيف يمكن التساوي بين المواطنين في ظل غياب هذه الحريات؟. مع غياب هذه الحريات يغيب مبدأ تكافؤ الفرص ويغيب مبدأ المساواة والعدالة وبالتالي نصبح أمام علمانية هزلية مُزيفة وليست علمانية صحيحة وأصلية..

لقد رأينا كيف أن الدول العلمانية التي قامت على الشمولية وغياب الديمقراطية قد انهارت كما علب الكرتون الفارغة في شرق أوروبا وفي الاتحاد السوفييتي قبل ثلاثين عاما، وحتى في تونس قبل بضعة أعوام، تونس التي كانت دولة علمانية ولكنها كانت شمولية وغير ديمقراطية، وكان الانهيار نتيجة طبيعية..

ومن هنا أسأل : كيف يمكن إقامة (تحالف اجتماعي ثقافي تنويري “غير سياسي” .. ) كما جاء في تصريح مؤسس هذا التحالف؟.  لا يوجد شيئا اسمه تيارا علمانيا غير سياسي..

حينما يناضل العَلماني لخلق دولة عَلمانية تفصل بين الدين والدولة، فماذا نُسمِّي نضاله هذا ؟. أليسَ نضالا سياسيا؟. العلمانية ليست مصطلحا مجرّدا معزولا، إنها نشاطا سياسيا.. ويمكن القول أنها تيارا سياسيا عالميا.. وباتت ملكية عالمية وإرثا فكريا وسياسيا عالميا، ولا يجوز القول أن هذه ثقافة غربية ومؤامرة على الإسلام، حتى لو كانت جذورها وبذورها قد نبتت في الغرب.. إنها كما أي دين سماوي ظهر في مكان جغرافي ثم انتشر حول كل العالم.. أليسَ هذا هو الحال مع الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام؟. كلها ظهرت في المنطقة العربية الآسيوية ولكنها باتت إرثا عالميا وعقيدة انتشرت في كل بقاع الأرض.. فلماذا حرام على مفهوم العلمانية أن ينتشر، فقط لأنه نبت في أوروبا؟.

سورية لم تكُن في اي وقت دولة علمانية، ونحتاج كثيرا للتيارات العلمانية والأحزاب العلمانية.. وحتى حزب البعث ( الذي انتميتُ له قبل نصف قرن ومن حقي أن أنتقد فيه كل السلبيات لأنه يعنيني) فقد كانت له توجهات علمانية، وكان بداخله وما يزال، أفرادا علمانيون، ولكن لا يمكن القول أن حزب البعث هو حزبا علمانيا بالمعنى الكلي للكلمة.. ولذلك فقد خرج رئيس مكتب الثقافة والإعداد الحزبي في الثمانينيات بمفهوم : العلمانية التوافقية ، أي الربط بين العروبة والإسلام، وقال أن من لا يؤمن بالربط بين العروبة والإسلام فهو خائنٌ لكليهما..

هذا فضلا عن أن حزب البعث قد فقد بداخله كل أشكال الترابط الفكري والعقائدي وأصبح ألوانا مختلفة ، فترى المحجبات إلى جانب المتحررات، والمحافِظات والمتعصبات إلى جانب المنفتحات، وترى من هُم اقرب بتفكيرهم إلى تفكير الأخوان المسلمين، ومن هُم أقرب إلى تفكير الماركسيين.. وانعدمت بداخله الرابطة الحزبية ليحلَّ مكانها الرابطة الطائفية والمذهبية والانتماء الإقليمي أو المناطقي، والمنافع الشخصية، وحتى الأحقاد وتصفية الحسابات الخاصة (وأتحدث عن تجربة عملية وميدانية وليس توصيفا)  بل باتت قياداته المتسلسلة كلها تُعيَّنُ وفقا لمحاصصات طائفية ومذهبية، ووفقا للمحسوبيات والدّعم، وغابت بداخله الانتخابات الديمقراطية.. وبات البعثي الحقيقي يشعر بالغربة داخل البعث، بل وبعضهم يُحارَب من مسؤولين استلموا مناصبهم لأنهم ” مُسجّلون” في حزب البعث (بِحكم المصالح) وليس ” مُنتمون” لحزب البعث، وشتّان بين الأمرين.. بل وصلت المهزلة إلى أن مُعادين طيلة حياتهم للبعث ولم ينتسبوا له، صاروا هم ممثلون على مستوى سفراء لدولة البعث (وبعضهم انشقّ في أول مفترق)، بينما مناضلي البعث لعقود طويلة لم يتم تعيينهم سفراء مع أنهم من أبناء الكار، ومن أكفأ واشرف وأقدر وأنبل النوعيات.. فالمحسوبيات الخاصة باتت أقوى بأضعاف الأضعاف من الروابط الحزبية..

هذا عدا عن التقارب الوثيق مع المؤسسة الدينية ورجال الدين، والتفاخُر أنه في زمن البعث تم تشييد هذا العدد الكبير من المساجد، ومن معاهد تحفيظ القرآن الكريم، ومن كليات الشريعة والمعاهد الشرعية.. الخ.. بل في آخر تعديل من حزب البعث للدستور في عام 2012 أكد في المادة الثالثة أن  دين رئيس الجمهورية الإسلام .. وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع ..فكيف يمكن أن يكون الحزب علمانيا؟. بل هذه المادة تتناقض مع مبدأ المساواة في الوطن، ومع مبدأ تكافؤ الفرص التي نص عليها الدستور.. ولكن رغم كل ذلك ياليت يتطبق من الدستور 5% مما جاء فيه..

حتى أن الأهداف التي قام عليها البعث، ومنها الدفاع عن العمال والفلاحين والكادحين وصغار الكسبَة والمستضعفين، كل ذلك تراجع بشكل كبير وباتت الدولة لخدمة التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وأصبح العامل والفلاح والفقراء والمستضعفين أشبه بطبقة عبيد، يلهثون خلف رغيف الخبز المُغمّس بالعرق والتعب والشقاء.. الفلاح بات يهجر الأرض لشدة التكاليف وضعف المردود المادي.. فكيف يكون هذا حزبا علمانيا؟.

أؤكد مجددا أن العلمانية هي نهجا سياسيا قبل أي شيء، بل هناك من يطلقون عليها ” العلمانية السياسية” وهذا هو الصحيح، ولا يمكن فصلها لا عن السياسة ولا عن الديمقراطية.. ولكن مع ذلك لا أجد نفسي إلا في ضفة ” العلمانية” والعلمانيين، ليس في بلادي فقط، وإنما في كل مكان . بل حينما كنتُ رئيس البعثة الدبلوماسية السورية في أبوجا (عاصمة نيجيريا) كوّنتُ تجمعا بسيطا ومحدودا من عدة إعلاميين نيجيريين، ومثقفين، وكان الجميع يتعاطف مع بعض على خلفية الإيمان العَلماني ضد التطرف الديني، لاسيما أن نيجيريا تعاني من التطرف الديني والإرهاب الذي تمارسه منظمة بوكو حرام. ومن هنا يمكن رفع شعار : يا عَلماني العالم اتّحدوا ..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اخي السوري، اليك تعريفي للعلمانية، وببساطة، رغم تفلسف المتفلسفين حولها.

    العلمانية هي اعمال العقل في امور الدنيا، و حده، وبدون رجوع لأي مرجع ٱخر، سماوي او عادات او اي شيء.

    ويقابلها عندنا نحن اامسلمين، النقل، بمعنى لنا كتاب سماوي وهدي نبوي نراهما صالحين لكل مكان وزمان.

    العقل يعطينا ادوات اعمار الارض، والنقل يحفظ اخلاقنا من التيهان.

    عندما تخلى الغرب عن النقل، اصبح بدون اخلاق في العائلة و السياسة و الاقتصاد و الاعلام و التعامل مع الاخر.

  2. مقال جيد جداً، ما عدا سقطة تصنيف العَلمانية بين الإلحاد والإيمان، لا علاقة للعّلمانية بكليهما على ما أعتقد، الأمر يشبه محاولة تصنيف البندورة هل هي من الطيور أم من الزواحف؟! البندورة نبات، لاعلاقة له بالطيور ولابالزواحف، وكون البندورة لاتطير هذا لايعني أنها من الزواحف، وكون البندورة لاتزحف هذا لايعني أن البندورة من الطيور. والعَلمانية كذلك، هي نظام لإدارة الدولة لاعلاقة له لا بالإيمان ولابالإلحاد. ينجح المتدينون في عالمنا العربي دائماً في جر العَلمانيين إلى هذا المربع من الحوار، فتجد العَلمانيين دائماً محشورين في الزاوية محاولين إثبات إيمانهم أو إيمان عَلمانيتهم!! طبعاً المتدينون لديهم مبرراتهم لهذا الهجوم الدائم على العلمانية، فهي -في حال تطبيقها- تلغي وصايتهم ووصاية دينهم على المجتمع والدولة، ولكن على العَلمانيين أن يكونوا أكثر هدوءاً، فالمدافع عن العَلمانية كالمدافع عن كروية الأرض. كل حقائق العلم وبديهياته تثبت صحة موقفه. وإن كان خصمه غير راغب بالإقتناع بهذه الحقيقة الفاقعه، فلا داعي إلى محاباته أو مجاراته بتحوير المفاهيم -أو تشويهها- فلا يوجد عَلمانية تؤمن بالآخرة ولا بالأولى، العَلمانية شيْ والأيمان أو عدمه شيء آخر، لاداعي لهذه الملاطفة -التي قد تفهم خداعاً عند البعض- العَلمانية هي العَلمانية، مثلما كروية الأرض هي كروية الأرض. حقيقة كليّه غير قابلةٍ للزيادة أو النقصان.

  3. أستاذ، اسمح لي، كعادتي، انقد موقفك من العلمانية و التجربة الغربية معها. لاحظت من عادة الكتاب العلمانيين العرب عند مدحهم للغرب وعلمانيتهم يضعون جانبا مساوئها البشعة التي ظهرت جليا في قرننا هذا.
    لماذا أستاذ لا تذكرون ان واحد بالمائة من سكان الأرض يملكون ما يملكه نصف سكان المعمورة. أن القرن العشرين عرف أبشع حروب البشرية أربع قرون بعد معاهدة واستفاليا. وعرف أزمات اقتصادية كادت أن تعصف وما زلت تهدد الاستقرار العالمي. واترك جانبا هذه المرة الانحدار الأخلاقي الذي صاحب كل هذا…
    إذن، عن أي تجربة علمانية براقة تكتب؟؟؟ أتريدنا أن نسير على نفس طريقهم، ونعرف نفس الهزات الزلزالية، ثم ننقرض كاليابانيين والألمان الذين يشيخون بسرعة.
    فيما يخص تجربة اردوغان، وعلى عكس ما تكتب، فانجازاته في المجال الاقتصادي، والسياسي بإزاحة العسكر إلى ثكناتهم، والدبلوماسي بمحاولته خلق نفوذ خارجي من العدم و أمام القوى العظمى، كل هذا سيضعه في مكانة تاريخية ارقى من اتاتورك، ومع مهاتير الماليزي.
    ملاحظتي على ديناميكا السياسة التركية هي ما حاولت طرحه سابقا فيما يخص الانقسام العميق بين النخب العلمانية والإسلامية في امتنا والذي يتجلى دائما في نتائج الانتخابات التي تعطي كل طرف حوالي نصف الأصوات.
    أستاذ، لا مناص من تلاقي العلمانيين و الإسلاميين على أرضية يرضون عليها، فنكون حداثيين و متخلقين. نحن الذين طوروا الأخلاق، وعالم اليوم يحتاجنا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here