د. عبد الحميد فجر سلوم: أسباب تخلف العرب والمسلمين كثيرة جدا وأولها الخلط بين الدين والدولة وغياب الديمقراطية والرأي الآخر

د. عبد الحميد فجر سلوم

الموضوع الذي طرقه الأستاذ عبد الباري عطوان بخصوص إن كان الإسلام سبب تخلف المسلمين كما يقول بوريس جونسون، هو موضوع مهم جدا وجدَلي جدا، ومن المستحيل أن يحظى بإجماع الآراء لأنها متعددة بِتعدد أنفاس البشر .. ولكنني سأدلو برأيي..

*

الإسلام في جوهرهِ ليس سببا للتخلف ولكن تسخير الدين لخدمة الأهداف الشخصية والخاصة عبر التاريخ من طرف رجال الدين ومن طرف الحكام والسلاطين وغيرهم هو من جعل الإسلام يبدو وكأنه دين تخلُّف وسبب تخلف العرب والمسلمين..

لا يمكن أن نعزو تخلف العرب والمسلمين عموما للدين، وإنما هناك أسبابا كثيرة ومتنوعة هي سببا للتخلف، وأولها هو بنية وتركيبة العقل العربي الذي لا يقبل الرأي الآخر، ولا يصغي للآخر ويتمسك برأيه حتى لو كان كارثيا ويجرُّ الويلات للبلاد والعباد..

*

الخلط بين الإسلام كدينٍ وعبادةٍ وعلاقةٍ خاصة بين المسلم وخالقهِ، وبين أنظمة الدول في طريقة الحُكم ونهجهِ، واعتقاد الغالبية أن الإسلام دين ودولة، هي من أهم الأسباب في التخلف لدى العرب والمسلمين..

 الرسول (ص) قال للمسلمين : أنتم أعلمُ بشؤون دنياكم .. أي ضعوا الأنظمة والقوانين التي تناسب أحوالكم وظروفكم الدنيوية .. يعني مارسوا عباداتكم الدينية الإسلامية ولكن لا تفرضوا على دولكم المفاهيم الدينية لأنها قد لا تتناسب مع أوضاعكم ومع تطورات الحياة .. الدين مُسلّمات جامدة في قوالب مُعيّنة لا يمكن المس بها، بينما الحياة متطورة ومتغيره كل يوم وتحتاج دوما لتطوير الأنظمة والقوانين .. وحينما أراد الخليفة عمر بن لخطاب(ر) عنه بناء دولة استعان بقوانين الفُرس..

*

السياسة ليست من شأن رجال الدين، كما هي ليست من شأن العسكر، ورجُل الدين الذي يرغب بالعمل السياسي في هذا الزمن عليه أن يخلع عمامته وجِبّته ويتوقف عن كونه شيخ أو رجُل دين ( وأنا لا أُطلِق عليهم وصف ” العُلماء” لان العلماء لهم معانٍ أخرى مختلفة كلية) .. العلماء هُم من اكتشفوا الذرة والجاذبية وكروية الأرض واخترعوا الكهرباء والموبايل والانترنت والفضائيات، وأبرعوا في مجالات علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم التقنية والتطبيقية والبحوث الطبية ووووو الخ.. هؤلاء هم العلماء وليس من لديهم ثقافة دينية، مهما كانت واسعة، لأنها تبقى ثقافة نظرية تقوم على المُسَلمات ولا تستند إلى قوانين العلم حتى نصف أصحابها بالعلماء.. ويمكن لأي شخص عادي الذكاء أن يحفظ حتى القرآن الكريم (وكنتُ أحفظ جزء عمّ كله وأنا صغيرا) وأن يتحدث بالثقافة الدينية ولكن لا يمكن ان يكون هناك إجماع رأي على ما يقول، بينما هل من أحدٍ يجادل الآخر بحقيقة القوانين العلمية ووجود المعادلات الرياضية والعلمية والفيزيائية والكيميائية، ووجود هذا الكومبيوتر والهاتف الذكي العجيب الذي تضعه بجيبك وتتحدث منه من أقصى الأرض إلى أقصاها في أي وقت وأينما تكُن!..هذه حقائق لا جدال فيها..

قد يقول قائل إن الأنبياء عمِلوا بالسياسة(أي ساسوا أقوامهم) وهذا صحيح ولكن هذا كان قبل آلاف السنين، أو على الأقل قبل ألف وأربعمائة سنة، ومفهوم السياسة كان محدودا جدا وليس كما هي مفاهيمها في هذا الزمن..

*

عَجزْ الحكومات والأنظمة العربية عن تأسيس دول تقوم على حُكم القانون والمؤسسات وفصل السلطات، وحرية التعبير، وبناء الغنسان المؤمن بذلك، هي من بين أهم أسباب التخلف..

بناء الدول وتطورها لا يكون فقط بتشييد البنية التحتية من شبكات ماء وكهرباء وهاتف وطرقات وشوارع وأبنية وناطحات سحاب وأبراج وقصور، وإلى ما هنالك، فهذه سهلة لا تحتاج إلا للمال، ويمكن أن تقوم بها الشركات الأجنبية في كل مكان.. بناء الدول العربية يكون ببناء العقل العربي والإنسان العربي المؤمن بالرأي الآخر وحق الاختلاف مع الآخر، وبِحرية التعبير، ويحتكم للديمقراطية والانتخابات الحرة وقرار الشعب في أي خلاف داخل أي دولة وليس إلى السلاح، ويرفض الاستبداد بالسلطة، ويؤمن بالتداول عليها، وبالفصل بين السلطات، ويؤمن بأن كل مواطن في بلدهِ له نفس الحقوق ومن حقه أن يكون أيضا في هذا المنصب او ذاك، ولا يتم إنكار ذلك عليهم وحصر المناصب في شريحة محددة متقاطعة المصالح والمكاسب..

هكذا نبني الدول ببناء هكذا إنسان حضاري متنور، فهل بنينا هذا الإنسان على طول الوطن العربي وعرضهِ؟. بل هل الأنظمة النخبوية العربية تسمح أساسا بوجود هكذا إنسان؟.

في اليونان انتقل الحُكم مؤخرا في تموز الجاري 2019 من أقصى اليسار لأقصى اليمين خلال 24 ساعة من خلال الانتخابات الديمقراطية الحرة والجميع رضخوا لإرادة الشعب.. حينما نبني هكذا إنسان يحمل هذه القيم والمفاهيم الحضارية حينها نتقدم ونقضي على التخلف..

*

غياب الديمقراطية عموما في العالم العربي وعدم التداول على السلطة هو من سبّبَ ويُسبب كل أشكال الفساد والإفساد الممنهج وكل أشكال الاستبداد وتهميش وإقصاء إرادات الشعوب .. فحينما يُدرك الحاكم أنّ له منافسين وأنه قد يخسر الانتخابات أمامهم فإنه حينها يحسب ألف حساب لخط الرجعة، ويحرص على الحُكم بعدالة كما يحرص على تطبيق القانون والمعايير وتكافؤ الفرص على الجميع ومحاسبة الفاسدين لأنهم يسيئون إلى حكمهِ، ولا يختار سوى أكفأ وأفضل النوعيات، ويسعى بكل السبل ليقوم بالأفعال التي تجعله قريبا من الشعب.. أما إن كان موجودا بالقوة ورغما عن أنف الشعب (كما هو الأمر من مغرب الوطن العربي وحتى مشرقه باستثناء تونس) فلا يلتفت إلى الشعب ولا يهمه ماذا يقول الشعب، وحينها ترى اللصوص يفاخرون علنا بلصوصيتهم عن طريق أسلوب حياتهم الرغيدة وفللهم وقصورهم وسياراتهم وممتلكاتهم التي يعرف الجميع أنها كلها جمعت بالفساد المتنوع ودون حياء.. يُقال: إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا .. ولكن هذا حينما تكون الشعوب قادرة على المحاسبة ولكن حينما لا تكون قادرة فلا أحدا يستتر والكل يتباهى علنا بفساده.. ويصبح الفساد موضع فخر وليس موضع عار..

*

يقول الأستاذ عبد الباري عطوان في مقاله:

(العالم الإسلامي لم يتخلّف بسبب العقيدة الإسلاميّة، وإنّما مُؤامرات الاستعمار الغربي، والفساد وأنظمة الحُكم الديكتاتوريّة، ولا يتّسع المجال للمَزيد من الشّرح في هذا المِضمار).

وهنا أتفق معه في جانب وأختلف معه في جانب آخر.. أتفق معه في أن العالم الإسلامي لم يتخلف بسبب العقيدة وهناك بلدانا إسلامية في شرق آسيا تقدمت جدا ولكن علينا أن ندرس أسباب تقدمها.. إنه قبل أي شيء سيرها على طريق الديمقراطية والحرية والتعددية واحترام حرية التعبير وحقوق الإنسان والتداول على السلطة كما ماليزيا واندونيسيا .. وأتفق معه على أن أنظمة الحكم الديكتاتورية سببا في التخلف، ولكن أختلف معه في إلقاء اللوم على الاستعمار، فهذه اسطوانة الحكام العرب، وهي غير صحيحة وهروب من المسؤولية.. فالاستعمار لم يطلب من الحكام أن ينهبوا شعوبهم ويفقرونها ويشتري واحدهم اليخت أو اللوحة بنصف مليار دولار وهناك نصف مليار مسلم محتاج وفقير.. وحينما وقعت معركة الجمَل وصفَّين وكربلاء، وبعدها عشرات المعارك الدامية بين المسلمين التي أودت بملايين الأرواح وخلّفت الأحقاد وروح الثأر، لم يكُن المُستعمر حينها موجودا.. وحينما صدرت الفتاوى قبل ثمانمائة عام التي تحلل دماء وأملاك وأعراض البعض (وهم مسلمون) حينها لم يكن الاستعمار الغربي موجودا.. تلك الفتاوى ما زال هناك من يبنون عليها حتى اليوم ويذبحون ويقتلون ويخطفون وينتهكون الأعراض باسم الدين والدين منهم براء..

 وهناك شعوب عديدة في العالم العربي وفي أفريقيا وغيرها تترحم على أيام الاستعمار، فقد كان أرحم عليهم من أبناء جلدتهم.. الاستعمار في عقولنا نحن العرب والمسلمين، وليس خارج هذه العقول.. أين عقولنا حتى يلعب بنا الاستعمار كما يشاء؟. هل الاستعمار هو من يقول لنا إياكم أن تسيروا على خطى الديمقراطية والحرية والتداول على السلطة وتحترموا بعضا، وعليكم أن تبقوا دولا متخلفة ينعدم فيها كل أشكال حرية التعبير وحقوق الإنسان، أم أن النُخب العربية الحاكمة المستفيدة من هذا الوضع هي من تمنع حصول ذلك؟.

*

شيوخ السلاطين عبر التاريخ هم أيضا من كانوا أحد عوامل تخلف المسلمين.. فقد كان دورهم دوما هو إخضاع الشعوب لإرادات الحكام مهما كانوا ظالمين، بل كانوا يمأسسون لقبول الظلم والقهر بغسل دماغ المسلمين وإقناعهم أنه لا يجوز الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالما بذريعة أن هذا يؤدي إلى الفِتن.. ولو كان كلامهم هذا صحيحا ومن صُلب الدين الإسلامي لَما كان خرج الإمام الحسين على يزيد ابن معاوية.. ودعوة بعض رجال الدين عبر التاريخ على عدم الخروج على الحاكم الظالم هذه ليست من الإسلام ولا علاقة لها بالإسلام (وهذه تحتاج لبحث طويل)  والإسلام عموما لا يقبل الظلم..

*

النظريات العنصرية كما النازية والفاشية ونظرية الرجل الأبيض، هذه نظريات وقتية وإزالتها كانت سهلة، ولا تثير الخوف لأنها لا تنبعث من عقائد دينية وإنما من أفكار أشخاص عنصريين وحمقى .. النظريات العنصرية الخطيرة هي تلك التي تنطلق من عقائد دينية راسخة، كما تلك التي قامت بموجبها دولة إسرائيل، وتلك التي بموجبها تقوم بعض التنظيمات المتطرفة المجنونة بأعمال القتل والذبح وتحليل الدماء والأعراض والأملاك باسم الدين، والدين منها براء.. أخطر النظريات العنصرية عبر التاريخ هي تلك التي تقوم على العقائد الدينية.. هذه أكثر من تُباعد بين بني البشر وتغرس الأحقاد في عقولهم.. وإزالتها عسيرة جدا لأنها جزءا من عقيدة دينية وتكوين ديني وعقلي وفكري وثقافي ونفسي وعصبي.. إزالتها تكون فقط برحيل صاحبها عن الوجود..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. فعلا رجل الدين يجب ان يبتعد عن السياسة لأن رسالة رجل الدين رسالة روحية وأخلاقية ويدعو للمثل والقيم وحينما يعمل رجل الدين بالسياسة فسوف يقفز فوق كل القيم والاخلاق. لان السياسة فيها كذب وخداع ونفاق ولف ودوران وانتهازبة واحتيال وزعرنات وكل ذلك يتعارص مع رسالة رجل الدين.

  2. تركوا جوهر الإسلام و انشغلوا بالقشور كما الحجاب والنقاب والبرقع والشودير والبوركيني وكل هذه مظاهر تخلف وتجعل الغرب ينظر للإسلام انه دين تخلف.
    يضيعون الزمن بأمور تافهة عن لباس المرأة ولباس الرجل وكيف تدخل إلى الحمام وكيف تخرج منه. وكيف تكون شواربك وذقنك وكل هذه السخافات .

  3. اتفق مع الدكتور عبد الحميد سلوم وارى من ان رجال الدين خاصه الذبن تبعوا سلاطين ومولوك العالم العربي خاصه و الاسلامي عامه. هم من اكبر الكوارث التي حلت على العرب و المسلمين. لا بد ان نعترف ان العقليه العربيه اجمالا هي عقليه توكليه ليس مبتكره ولا تعمل العمل بشكل صحيح, ينقصون بكل شء البداية تكون ممتازه ولكن العبره في النهاية وهي غير سعيده .
    العرب اكبر مشاكلهم هو عدم القرأه وعدم تطبيق ما يتعلموه في الجامعات لا ارى مخرج حاليا لهذا الوضع الذي من توابعه ايضا عدم الابداع في اي مجال كان في عالمنا العربي. الجامعات و المعاهد العربيه اصبحت من كثرتها مثل حبات العنب في قطف لا يستحمل نصف ما يحمل فيقع ارضا … لا توجد جامعه عربيه واحده بين اوائل الجامعات العالميه ولا حتى بين اول 100 جامعه… كيف اذا سنكون قادرون على تعليم اجيالا على احترام الراي الاخر ونحن من نعلم لا نحترم الراي الاخر….. الدين ليس عائق لو تعلم الناس اما الدين الذي ينادون به ويخوفون الناس حتى من الموت فهو مع الظلم … عندما نرى النساء ينصاعون لاوامر الرجال من لبس الججاب والخ الذي ليس من الدين نعرف اننا امة لازلنا لا نفهم الدين ولا نفهم الحياة… الموضوع شائك جدا وطويل لذا اعتذر عن البقيه و احتفظ بها لنفسي لحين ان شاء الله. ولكم كل الاحترام؟

  4. لن يتقدم بلدا في العالم بدون ديمقراطية وتداول على السلطة . الاستبداد واحتكار السلطة هو فعلا أكبر عامل لتوليد الفساد . حينما تغيب إرادة أي شعب يحضر الفساد والاستبداد . انا أشفق على شعب كورية الشمالية الذي بات يعبد رئيسه بسبب الرعب والخوف. هو يعيش الترف والرخاء والشعب جائع ومعزول عن الكون.

  5. اوافق بالمطلق ان احتكار السلطة وعدم التداول عليها هي اول اسباب الفساد والتراجع والتخلف. الحاكم الذي لا يؤمن بأن أي واحد من شعبه له الحق في أن يكون بمكانه عن طريق انتخابات ديمقراطية حرة وتعددية ونزيهة، هذا حاكم متخلف مهما ادّعى التحضر.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here