د. عبد الحميد سلوم: هل يستحق المحتجون في السودان تلك الاتهامات التي أطلقها الرئيس البشير بالعمالة للخارج؟

د. عبد الحميد سلوم

يقول الأديب الجزائري الراحل الطاهر وطّار : “احذروا هذا الشعب المسكين إنه كما السكِّين إن لم تُحسِن استعمالهُ فقد يقطع يدك”..

أي حينما لا يتمُّ التعامل مع الشعب (أيْ شعبْ) بشكلٍ صحيح وسليم، ويُترَك فريسة للجوع والفقر والحرمان والغلاء والبطالة والفساد، ويرى بأمٍّ عينه كيف تُنهَبُ ثرواته من طرف حيتان الفساد، وتتولّد بداخلهِ طبقة عبيد واسعة وعريضة وطبقة أسياد تحتكر المال والنفوذ وتُصدِر القرارات والقوانين والأنظمة التي تزيد تلك الطبقة ثراءً على حساب زيادة الفقر والغلاء والبطالة، فلا بُدّ أخيرا لهذا الشعب أن يتحوّل إلى سكاكين في وجهِ القهرِ والظُلم والفساد وأن يتدفّق إلى الشوارع مُردِّدا الشعارات المُطالِبة بتغيير النظام الحاكم ومحاسبة الفاسدين ..

المسؤولون عموما في عالمنا العربي ينصرفون عن الانشغال بمشاكل شعوبهم لصالح مشاغلهم الخاصة ويعيشون في عالمٍ آخرٍ غير العالم الذي تعيش فيه الشعوب، بل أن الشعوب لا تدخل إطلاقا في حسابات المسؤولين ، ولا يستيقظون إلا على هتافات الجماهير وهي تصدح : الشعب يريد كذا وكذا وكذا.. تماما كما كانت ماري أنطوانيت تعيش في عالمها الخاص البعيد عن عالم شعبها ولم تستيقظ إلا حينما باتت أمام المقصلة..

الرئيس البشير عليه أن يستيقظ ويكافح الفساد بشدّة وقسوة ويرفع من مستوى معيشة الشعب، فرائحة الفساد في السودان ومنذ سنواتٍ خلَتْ وحتى اليوم، تُزكِم الأنوف .. لقد قرأنا وسمعنا قصصا لا تُصدّق عن الفساد في السودان الذي تغلغل كما السرطان في كل خلايا الدولة والمجتمع.. وقرأنا عن حيتان فساد في السودان هُم فوق البشر وفوق القانون وفوق المُحاسبَة والمساءلة، فماذا فعل البشير لهؤلاء؟. لم نسمع عن حالات إعدام لأيٍّ من حيتان الفساد.

من الطبيعي كلما زاد الفساد كلما زاد الفقر .. وكلما زادتْ الأسعار سواء للمواد الغذائية أو الأدوية أو الضرائب كلما تعمّق الفقر واتّسع.. والمثَل الشعبي يقول : الجوع كافِرْ ..

الرئيس البشير استلم السُلطة منذ عام 1989 من خلال انقلاب عسكري فماذا قدّم للسودان وشعب السودان على مدى ثلاثين عاما؟. هل سِوى الانقلاب على الديمقراطية وعلى الرئيس المُنتخَب ديمقراطيا ” الصادق المهدي” واحتكار السُلطة ، وزيادة الفقر والبطالة والفساد وانفصال جنوب السودان، والحروب الداخلية، والعقوبات الدولية؟.

الرئيس البشير أصدر في عام 1999 مرسوما أعلن فيه حالة الطوارئ لفترة ثلاثة أشهر ، وأمر بِحلِّ البرلمان، ومنع بذلك نقاشا برلمانيا من أجل إجراء تعديل دستوري يحدُّ من صلاحياته الرئاسية.. فلماذا؟.

هل لدى الرئيس البشير صكّا إلهيا يخولهُ أن يحكم السودان مدى الحياة؟. أين هو ذاك الصك ؟. إنْ كان يمتلك ذاك الصك فليُرينا إياه كي نقف إلى جانبه ضد فقراء السودان الذين انفجروا بالشوارع.

المسألة ليست مسألة عملاء وخونة ومرتزقة، فهذا كلام لا يليق بأي حاكم إزاء شعبه.. المسألة مسألة فقر وجوع وغلاء وبطالة وحرمان وفساد ونَهْبِ ثروات البلد، حتى وصلت الناس إلى مرحلة لم تعُد فيها قادرة على الصبر والتحمُّل أكثر من ذلك..

الرئيس البشير ينتمي إلى حزب إسلامي (حزب المؤتمر الوطني) المُنبثِق أساسا عن الحركة الإسلامية في السودان التي انقسمت إلي حزبين (المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي).. وقد اعترف بنفسه أن هناك ضائقة معيشية بالسودان، وبالتالي هو يُدرِك تماما ما هو رأي الإسلام بالفقر.. ماذا يتوقع من الأب الذي لا يقدر على إطعام أولاده؟. ماذا يتوقع من الولَد أو الطفل الذي يبكي جوعا وأهله غير قادرون على إطعامه؟.

الرسول (ص) وازى بين الفقر والكُفر، حينما قال: ” كاد الفقرُ أن يكون كُفرا” ..

الإمام علي (ر) قال : “عجِبتُ لِمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه” .. وهذا ما قاله الصحابي أبي ذر الغفاري (ر) .. وجاء في نهج البلاغة عن الإمام علي ( لو كان الفقر رجلا لقتلته) ..

أليستْ مسؤولية الحاكم أن يكون مسؤولا عن رعيته؟. ألَم يقُل الخليفة عمر بن الخطاب (ر) (ويلك يا عمر،  لو أن بغلة تعثّرت في العراق لسُئِل عنها عُمر لِمَ لمْ تُمهِّد لها الطريق؟. ) ..

إذا هذا هو موقف الإسلام من الفقر والمسؤولية إزاء الرعية، وما فعله فقراء السودان لا يخالف ذلك، بل هو حقا شرعيا لهم فلماذا نتهمهم بأسوأ الألفاظ؟.

القهر لا يمكن معالجته بمزيدٍ من القهر.. والظلم لا يمكن معالجته بمزيدٍ من الظلم ومزيد من التهديد.. هذا الأسلوب من المعالجة إنما يؤدي إلى رد فعل أقوى من طرف الفقراء والمظلومين والمقهورين.

المعالجة تكون بالانحناء أمام مطالب الشعب وتلبية طلباته، كما فعل رئيس فرنسا ” ماكرون” أمام احتجاجات أصحاب السترات الصفراء.. الرئيس ماكرون لم يتّهم المحتجون بالعمالة والخيانة ولم ينعتهم بالمُرتزَقة، مع أنه كان بينهم من قاموا بعمليات تخريبية، ولكنه تفهّم أوضاعهم وتراجع أمامهم.. وهذا ليس عيبا على الرئيس ماكرون وإنما هذا فخرٌ له..

الرئيس البشير ذهب فورا إلى نظرية المؤامرة وأن “هناك حربا تُشنُّ على السودان لتمسكهِ بِدينهِ وعزّتهِ التي لا يبيعها بالقمح والدولار”..

إن الجماهير التي قامت بالاحتجاج هُم المعروفون تاريخيا بأنهم الحاضنة الشعبية لِنظام البشير.. فكيف يتحول هؤلاء فورا إلى خونة وعملاء ومُرتزَقة.. وإن القوى السياسية التي شاركت بهذه الاحتجاجات هُم كوكتيل من أحزاب يسارية وقومية وحزب البعث والحزب الشيوعي.. فهل هؤلاء هُم خونة وعملاء ومُرتَزقة؟. ولصالح من يعمل هؤلاء (الخونة والعملاء والمرتزقة؟. )..

الهروب للأمام وإلقاء الّلوم على المؤامرة هو أسهل السبُل للتهرُّب من تحمل المسؤولية والتغطية على الفشل والفساد والفاسدين.

غريب الأمر تماما!. فدوما نسمع في العالم العربي ، دون غيره، عن أن هذا الشعب عميل وذاك الشعب خائن، فهل يُعقَل أن تكون الشعوب دوما في موقع الاتهام بالعمالة والخيانة بينما أنظمة الحُكم هي من تُجسِّد الوطنية والوفاء والإخلاص؟.

لقد وعد الرئيس البشير بالقيام بإصلاحات حقيقية، وكأنه يعترف أنه لم تكن هناك إصلاحات حقيقية بالماضي.. فلماذا تمهَل في إجراء إصلاحات حقيقية كل هذا الزمن ، وهل لولا خروج الناس للشوارع كان تحدّث عن إصلاحات حقيقية؟..

لماذا انتظرَ حتى بلغ السيل الزبى ثم خرج مُلوِّحا بِعصاهُ وواعدا بالإصلاح ؟. لماذا لم يسعى على امتداد ثلاثين عاما إلى مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية والحد من الفقر والبطالة واحتكار السُلطة والابتعاد عن المحسوبيات والولاءات الشخصية وعدم السماح بتحويل البلد إلى مزارع يتحكّم بها فئة محدودة من أهل النفوذ والسُلطة، بينما غالبية الشعب تشعر بأنها غرباء في وطنها؟.

هذه هي الأسئلة التي يجب أن يتمعّن بها الرئيس البشير قبل أن يتّهم شعبه ، أو المنتفضون ضدهُ، بأهم عملاء وخونة ومرتزقة.. هذا لا يحلُّ أية مشكلة بالسودان وإنما يُغرِق السودان بمشاكلهِ أكثر، ويضيف لها مشاكل جديدة وقد تكون أخطر..

كاتب ودبلوماسي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أن كان هنالك دين يطبق أو شرعا يحكم
    لما خرجنا إلى الشوارع ولصبرنا ولقنا ابتلاء من الله ويجب أن نصبر
    ولكننا خرجنا لموارد تهدر وتسرق و وارواحا تزهق
    وبلادا تتمزق فهذه الجموع التي خرجت بعد صبر ثلاثون عاما كانت تمني نفسها بانبثاق حركة اسلاميه
    في السودان مثل التي في الأردن و تونس
    أو الحركة الاسلاميه في فلسطين بقيادة المجاهد البطل رائد صلاح
    تلك الحركات التي أثبتت وطنيتها و وجودها ونزاهتها وعفة يدها ولسانها بقربها من شعبها
    أما الحركة الاسلاميه في السودان فقد أتوا بشخص
    مثل الشيطان فهذا بني عرشه في الماء و البشير بناه
    في القصر فكلاهما يريد الخلود

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here