د. عبد الحميد سلوم: هل نحن فعلا خير أمة أخرجت للناس؟

 

د. عبد الحميد سلوم

في كافة رسائله وعظاته يدعو البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان أن يعم السلام منطقة الشرق الأوسط، وأن تتوقف المجازر وأعمال العنف، ويسود الحوار وثقافة الأخوّة الإنسانية  والمصالحة.

وكم مرة دعا أوروبا لوضع سياسة عادلة وموحدة للهجرة واستقبال الآلاف من اللاجئين القادمين من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، وعدم السماح لأن يتحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة واسعة ..

إذاً هكذا يُفكّر بابا الفاتيكان بالبشر وحياتهم ويتحدّثُ عن الرحمة والتسامح.. بينما كيف كان يُفكِر أصحاب اللّحى ممن يطلقون على أنفسهم أوصاف (المجاهدين) في بلدنا ؟.

 سأضربُ مثلا يختصرُ كل عقولهم وثقافتهم، أقتبِسُهُ من أحد رموزهم .. في (12/25/ 2014 )  يقف المدعو( أبو شادي)كما أطلقوا عليه، في وسط سهل الغاب الذي يقع على مسافة 60 كيلو مترا غرب مدينة حماه ليجري مقابلة تلفزيونية مع مراسل إحدى القنواتْ الطائفية التحريضية، التي كانت تفاخر بعمقِ حقدها المذهبي والطائفي، ليقول : ( هذا هو الخط الذي يفصل قُرَى “المجاهدين ” في الغاب عن قرى “العدو النصيري” ) ..  وبنفس اليوم، وكان يوم عيد الميلاد، يتم إطلاق أربعة صواريخ على مدينة السقيلبية ذات الغالبية “المسيحية” في  الغاب كتهنئة بالعيد.. وبذات الوقت تقرأ على الشريط الإخباري لتلك القناة الطائفية : ( أنّهُ تمّ “بعون الله” إطلاق الصواريخ على قُرى (كذا وكذا النُصيرية وحقّقتْ إصابات مباشرة )..

عِبَارة (العدو الإسرائيلي)، اختفت من قاموس أولئك ( المُجاهدون) على الدوام، فالإسرائيلي كان يقدم لهم الإسعاف والدواء والسلاح، وباتوا أحبّةً وأهلاً وأصحابا، ولم تعُد بينهم أية خطوط، بينما أبناء الوطن والإسلام والعروبة تحوّلوا فجأة إلى (عدو) وأضحتْ هناك خطوط فصلْ، لأنهم رفضوا أن يحملوا السلاح ويقاتلوا إلى جانب أولئك (المجاهدون)على الطرف الآخر (للحدود) لتنتصر دولة (تورا بورا) وتُعيد سورية إلى عصر المغاور والكهوف.. فإما أن تكون بخندقهم وإما أنّك كافر وحلالٌ قتلك ودمك وعرضك ومالك.. هذه هي رسالتهم في (الحرية والديمقراطية) ..

ليس بالغريب أن تُنتِج مجتمعاتنا كل هذا الشذوذ وفعلِ القتل والإجرام، فهي مُجتمعات مُنافقة (بِنُخَبِها ومُثقّفيها ومسؤوليها) تقولُ بعكسِ ما تُضمِر، وتفعل بعكس ما تقول..  تدّعي الإيمان والأخلاق وأمام الممارسة والسلوك يسقط كل هذا الادّعاء .. فلا رادع إنساني، ولا وجداني، ولا ديني، ولا أخلاقي، ولا تربوي، يردعها عن ممارسة كل أشكال النفاق والكذب والغش والخداع والتدليس والاحتيال والحسد والغيرة والنميمة والضّرر.. وكلما تعرّف المرءُ أكثر على هذه المجتمعات كلما احترمَ أكثر أحفاد (القردة والخنازير)حسب تعبير أولئك (المجاهدون)..

شخصيا، لم أكن في أي وقتٍ منخدعا بالخطاب الإعلامي العربي، الذي يتحدّثُ ليلَ نهار عن مجتمعٍ هنا أو هناك، في هذه الدولة أو تلك، متماسك مترابطٍ متسامحٍ بعيدٍ عن التعصُّب والكراهية والغش والخداع … الخ .. بل كنتُ ممن يدرك أنه خطابا زائفا لا يمتُّ للحقيقة بصلة .. ولكن الإعلام في أي بلد لا يملك أن يقول غير ذلك.

انفضحَ كل شيء في السنوات الأخيرة (ولم يعُد يفيد دفن الرؤوس بالرمال) وبيّنتْ الأحداث التي مرّت بها العديد من البلدان العربية، ومنها بلادي، أننا أمام مجتمعات منافقة كاذبة مفككة غير مترابطة، لا مانع فيها من أن يقتل الإنسان العشرات بنوعٍ مغشوشٍ من الغذاء ليربح على حساب أرواحهم، حتى لو أطعمهم لحوم الحمير أو الكلاب على أنه لحم الضان.. ومع ذلك ليس بوسعي سوى القول أنه ما زالت هناك بعض الضمائر الحية على ندرتها.. وحديثنا ليس هؤلاء ، وإنما من لا يعرفون الله ولا يخافون عِقابه وبعضهم يُصلِّي الصلوات الخمس، ويصوم ويُردّدُ الصلاة على النبي (ص)مئات المرّات باليوم، ولكن كل هذا لا يردعهم عن الغش حتى في أنواع الطعام.

هذه هي حقيقة المجتمعات العربية عموما، ومنها مجتمعي السوري، انكشفت وانفضحت.. التجّارُ والباعةُ والصناعيين وأصحاب البقاليات والمحلّات في بلادي، وجدوا في آلام السوريين وجراحهم فرصة ذهبية للاحتكار والاستغلال ورفع الأسعار كل يومٍ (حتى أسعار الأدوية) تحت مائة ذريعة وذريعة، دون أدنى وازعٍ من ضميرٍ ومراعاةٍ لأبناء جلدتهم.. وهذا ما يفعلونه أيضا في شهر رمضان الكريم، أو في مناسبات الأعياد فيرفعون الأسعار حتى القمة مستغلين حاجات الناس.. والمشكلة ليست هنا فقط ، بل في الغش بأنواع الحليب والجبنة والّلبنةِ وهذه المواد الأساسية لطعام الكبار والصغار..

بائع المفرّق يلقي باللوم على بائع الجملة، وهذا بدورهِ يلقيها على بائع المفرّق، أو على سعر الدولار، وكلٍّ منهما يُحمِّل الآخر المسئولية عن رفع الأسعار ويحلف ألف مرّة كذبا في اليوم، ثم يهرعُ مُسرِعا إلى الجامع حالَمَا يسمع صوت المؤذَن.. فالصلاة هي فقط للصلاة وليست للنهي لا عن الفحشاء ولا عن المُنكَر والغش والخداعُ..البيع بالنسبة لهم لا علاقة له بالضمير والأخلاق والدين والإسلام، إنه شطارة.. غش الناس وخداعهم شطارة.. أن تبيعهم ، مثلا (لبْنة) مصنوعة من النشاء والبودرة ، أو مُركّبة من مواد لا يعرفها إلا أهل الغش والخداع وعديمي الضمير والأخلاق والدين، ثم يحلفون بكل الأيمان أنها لبْنة مصنوعة من الحليب الخالص والصافي ومن بقرات أبو سليمان خلف مشفى الرازي، أو بقرات أبو علي من قَطَنَا ، أو غنمات أبو سمير في يبرود، فهذه شطارة وليست غشّاً ولا كذِباً.. هكذا تعلّموا في الإسلام.. بينما لدى أحفادُ (القردة والخنازير) فلا يمكن أن يحصل هذا الغش، وخاصةً في الطعام … فهم يكتبون لك على لُصاقةٍ مكوّنات كل مادّة بشكلٍ صادقٍ وأمين، أو يكتبون بجانب كل مادّة محتوياتها دون غشٍ وخداع، وتهبط أسعار مواد كثيرة في الأعياد والمناسبات، بعكس ما نراهُ عندنا نحن أهل (الجنّة) المسلمون..

الدولة مريضة بالفساد المزمن، هذا معروف، ولكن أين ضمائركم ووجدانكم وأخلاقكم أنتم.. أم أنَّكم من ذات الشعب الذي أنتجَ موظّفي الدولة، ومسئولي الدولة!. يعني كلّو من بعضو.. تشتري هذه المادّة اليوم، ثم تذهب بعد يومين لترى سعرها ارتفعَ، تسأل لماذا ؟. فيُجيبوك: ارتفع الدولار وارتفع سعر المازوت (الديزل) وارتفعت أجرة النقل وهناك بخشيش (رشوة) يجب أن تدفعهُ هنا وهناك.. ولا تعرف الكذب من الصحيح.. تذهب لبائعٍ آخر فيقول لك كلهم كذابون وأنا الوحيد الذي لا يغش.. تضيع الحدود، ولا تعرف الكذّاب من الصادق.. وحينما ينخفض سعر صرف الدولار تبقى بضاعتهم على حالها، لا تنخفض بما يوازي انخفاض الدولار..

فهل هذه هي المجتمعات المقصودة بقوله تعالى ” وكنتم خير أمة أخرجت للناس″؟..

كيف إذا لو كنّا أسوأ أمّة ؟.

حينما كنتُ أمثِّلُ بلادي في مؤتمر عن التمييز العنصري استضافتهُ الحكومة المجرية عام 1986 في مدينة (شيوفوك) على بحيرة (البلاتون) الشهيرة، ونظّمَتهُ لجنة الـ 24 المناهضة للاستعمار التابعة للأمم المتّحدة، ألقيتُ كلمةً “خارقة وحارقة ومتفجرة” عن النظريات العنصرية عبر التاريخ التي ساهمتْ في سياسات التمييز العنصري، وركّزتُ على نظرية (شعب الله المختار) باعتبارها أسوا نظريةٍ عنصريةٍ لأنها تضفي على عنصريتها مسحةً ربّانيةً وسماوية.. وبعد خُطبتي العصماء جاءني ممثِّل اتحاد الطلاب العالمي، وكان مقره في براغ، وكانَ شيوعيا سودانيا، (يعني زُول سوداني)وأثنى جدّا على خطابي الذي مرّغتُ به أنفَ الاستعمار والصهيونية والإمبريالية العالمية والفصل العنصري في جنوب أفريقيا ذاك الزمن(طبعا بالحكي وبَسْ كما عادة المناضلين العرب).. ثم بعد كل هذا الثناء، قالَ لي : يا أخي ألا ترى في ثقافتنا نوعا من العنصرية حينما نقول عن أنفسنا أننا خير أمة أخرجت للناس؟. قلتُ له سؤالك محرج وهذا يحتاج إلى شيخ أو رجل دين عالِم كي يشرح لنا، وسوف أسأل لك بالهاتف صديقي الشيخ (فلان) وحينما اتّصلتُ لأسأل صديقي الشيخ (فلان) قالوا لي إنه موقوفٌ بتهمة (الغش بالشهادة).. ومع ذلك سنبقى غصبا عن أحفاد (…………) خير أمة أخرجت للناس.. وبدل أن كنا نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، فقد بتنا نأمر بالمنكر وننهي عن المعروف ..

كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. تحياتي دكتور
    المعنيون بأمة الخير هم الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كانوا يؤدون الصلاة “كما” يؤدي الالمان عملهم، او كما ترى انت خير ما ينجز واجباتهم الغربيون.

    قل لنا بربك، هل ترى و انت في منصبك بوزارة الخارجية انه يجب توفير كل ما يلزم من مواد دستورية و قوانين و انظمة لكي يؤدي موظفو الوزارة صلاتهم كما كان يفعل اصحاب الامة الخييرة.

    ام ترى ان الصلاة شأن شخصي ولا دخل للدولة فيها. كل مصلي يختلس وقتا ويلتحق بمصلاه، كما يفعل عندما يرغب في شرب قهوة.

  2. مازال هنالك شرفاء وخيرين وفي النهاية سينتصرون
    اعرف انك تعاني جدا انت وغيرك من ابناء سوريا الصامدين على ارضهم والمدافعين عنها, لكن ما تفضلت به يحدث في جميع البلاد التي تعاني من حروب داخلية, اتذكر حرب تشرين لم يستطع اي تاجر ان يرفع الاسعار او يغش لكونها حربا مع عدو خارجيانا خلالا السنوات الثمان الماضية فقد خل العدو الى معظم ارض سوريا ومن هنا جاء الانفلات
    تحياتي

  3. كلامك صحيح : نحن الان اسوأ امة على وجه الارض وأكثر البشر نفاقا. واالله سبحانه وتعالى يقول أن المنافقين في الدرك الاسفل من النار: يعني أسوأ شريحة وأسفل نوع واطي. وواقعنا يدلل على ذلك حكاما ومحكومين. يتم استعمالنا في كل مشاريع اسرائيل والغرب فتارة نحارب الاتحاد السوفيتي وتارة نحارب ايران ونعلن الحرب على الكويت ثم نعلن الجهاد أولا في العراق ثم على سوريا ونعلن الحرب على اليمن ونناصب بعضنا العداء وندبر لانفسنا الفتن ، وحتى الان لم يسمع العرب بأن اسرائيل تحتل مقدساتهم وتدنسها كل يوم. هذا اذا كان لهم بقية من مقدسات.
    أما بالنسبة للآية الكريمة فهي واضحة و تحدد شروط الخير ولا شك أن محمد وصحبه كانوا عند هذه المواصفات ، لانه لا يمكن تفسير تلقف شعوب الارض للاسلام آنذاك وانخراطهم في خدمته لولا القدوة العظيمة في محمد وأصحابه وآل بيته الكرام.

  4. لن يصلح حال هذه الأمة بوجود حكام ظالمون مستبدون يبيعون أوطانهم للغرباء مقابل حماية كراسيهم وعروشهم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here