د. عبد الحميد سلوم: لماذا هذا التأكيد الروسي المتكرر عن أمن إسرائيل؟.. وهل هناك من يهدد أمن إسرائيل أم أن إسرائيل هي من تهدد أمن الجميع؟

د. عبد الحميد سلوم

من الملاحظ أنه كلما صدر تصريح عابر من طرف أحد مسؤولي الحرس الثوري الإيراني ضد إسرائيل، يخرج نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف ويؤكد على التزام روسيا بأمن إسرائيل وأن هذا خط أحمر بالنسبة لروسيا وأن روسيا تعتبر أمن إسرائيل أولوية في المنطقة.

هذه التصريحات تكررت مرتين في الآونة الأخيرة، يوم 24/1/2019 ويوم 11/2/2019 . وقد سبق للسفير الروسي في تل أبيب أن صرح للقناة الإسرائيلية العاشرة يوم 31/7/2018 أن أمن إسرائيل هو أولوية بالنسبة لروسيا .

فهل هذه التصريحات هي ردّا على تصريحات بعض جنرالات الحرس الثوري الإيراني التي صدرت في الآونة الأخيرة أيضا ؟.

من المعلوم أن نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي صرح يوم 28/1/2019 بعد اعتداءات إسرائيلية متكررة على الأراضي السورية، صرّح يقول: ( إن إستراتيجيتنا قائمة على محو إسرائيل، من الجغرافيا السياسية للعالم ويبدو أن الشرارة التي تعمل إسرائيل على إطلاقها هذه الأيام تعجّل بهذه الحقيقة) .

وفي الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية الإيرانية صرح المسؤول السياسي في الحرس الثوري ” يد الله جواني” يوم 11/2/2019 قائلا: ( إذا هاجمتنا أمريكا فسوف نمحو تل أبيب وحيفا من على الأرض ) ..

ولكن من المعروف بالعِلم الدبلوماسي أن التصريحات الرسمية التي تمثل سياسة الدولة هي تلك التي تصدر عن رئيس الدولة أو عن وزير الخارجية.. وقد سبقَ لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أن صرّح لمجلة ( لو بوان Le Point ) الفرنسية في أواخر كانون ثاني 2019 (أن إيران تنفي كل الاتهامات المزعومة أنها تسعى إلى محو إسرائيل عن الخارطة الدولية ) .. وقال ردّا على أحد  الأسئلة: ( متى أعلنا أننا سندمر إسرائيل؟.) ..

جواد ظريف سمِع بتصريحات مسؤولي الحرس الثوري، ولكن طالما أن هذه لم تصدر عنه كوزير خارجية أو  عن الرئيس روحاني، فتبقى تصريحات خاصة لا تمثِّل السياسة الرسمية الإيرانية. ومن هنا جاءت أجوبته وتصريحاته للمجلة الفرنسية . وحينما يقول : متى أعلنا أننا سندمر إسرائيل ، فهو يقصد الحكومة الإيرانية وليس الحرس الثوري.. ولكن على ما يبدو فإن روسيا تعتمد التصريحات التي تصدر عن الحرس الثوري وليس التي تصدر عن وزير الخارجية .

لا أعتقد أن هناك طرفا في المنطقة يهدد أمن إسرائيل بالفعل، ولكن إسرائيل هي من تهدد أمن الجميع فعليا ..

إسرائيل هي من تحتل الأراضي العربية ، في فلسطين وفي الجولان وفي مزارع شبعا وتلال كفر شوبا .. وهي من تحتل المقدسات الإسلامية في القدس .. ولذا فهي لا تشكل فقط تهديدا لأمن الآخرين، وإنما هي في حالة تهديد دائم لهذا الأمن طالما أن الاحتلال قائم.. فهل هناك تهديدا لأمن أية دولة أكثر من احتلال جزءٍ من أراضيها ؟.

أعتقد أن الروسي يدرك تماما هذه المعاني، ومن حقنا عليه ، كصديق، أن نطالبه بالتأكيد على أن أمن الآخرين أيضا( وهم أصدقاء لروسيا) هو أولوية بالنسبة لروسيا .. وهذا يتطلب التأكيد والضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها لأراضي الآخرين في فلسطين وسورية ولبنان.. وتطبيق القرارات الأممية بهذا الشأن ..

روسيا تُدرك أن نتنياهو صرّح مرارا أن الجولان ستبقى تحت السيادة الأبدية لإسرائيل .. والقدس جعلوها عاصمة أبدية لهم .. وهذا ليس تهديدا فقط للآخرين من العرب والمسلمين وإنما عدوانا صارخا على أراضيهم ومقدساتهم.

روسيا تدرك أن هناك محورا في المنطقة يُسمى محور المقاومة ، وهذا ليس هدفه فقط مقاومة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ، بل وتحرير الأراضي التي تحتلها إسرائيل لاسيما المقدسات الإسلامية ، وغيرها من الأراضي المحتلة.. وما نفهمه من التصريحات الروسية أنه إذا ما فكّر هذا المحور باللجوء إلى المقاومة المسلحة لتحرير أراضيه ومقدساته فإن روسيا سوف تقف بوجه ذلك وتعتبره تهديدا لأمن إسرائيل!!. وهذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي سيبقى قائما للأبد .. لماذا؟. لأن إسرائيل لا يمكن أن تعطي شيئا بالتفاوض، وهذا جرّبتهُ القيادة الفلسطينية وجرّبته القيادة السورية، ولم يحصلوا على شيء بالتفاوض منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى آخر يوم بالتفاوض.. وإسرائيل تماطل كل هذا الزمن وتفرض واقعا جديدا كل يوم على الأرض من خلال بناء المستوطنات الجديدة ومصادرة الأراضي، وتُدخِل الآخرين بتفاصيل جديدة وتُغرِقهم بها..

روسيا بتصريحاتها تلك وتأكيدها الصارم على أمن إسرائيل إنما تقطع الطريق على أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة.. وبدون مقاومة مسلحة لن يتحرر شبرا من الأراضي العربية المحتلة لا في فلسطين ولا خارج فلسطين، وما على الجميع سوى انتظار (شو بيطلع من خاطر الإسرائيلي) يعني ماذا يمكن أن تتمنّن به إسرائيل للأطراف العربية..

المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي مشروعة في القانون الدولي، وفي ميثاق الأمم المتحدة الذي يشكل جزءا من القانون الدولي .. وحينما احتلت القوات النازية بعض أراضي الاتحاد السوفييتي لم ينتظر السوفييت إذنا من أحد لمقاومة القوات النازية الغازية، بل قاوموا ببسالة سطّرها لهم التاريخ ، وتُقدّر خسائر الاتحاد السوفييتي بعشرين مليون شهيد .. ولولا تلك المقاومة البطولية لما خرج المحتل النازي من بلادهم وهو مدحورا مهزوما ..

ولولا المقاومة البطولية في جنوب لبنان لمَا خرجت إسرائيل مدحورة مهزومة تحت جنح الظلام من جنوب لبنان..

المقاومة هي السبيل الوحيد لاستعادة القدس والأقصى والأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية .. وما أُخِذَ بالقوة لا يمكن استعادته إلا بالقوة، كما قال الزعيم العربي الكبير الراحل جمال عبد الناصر ..

وإن كانت مقاومة إسرائيل لأجل استعادة الأراضي المحتلة ستُعتبر تهديدا لأمن إسرائيل، فياليت روسيا الصديقة للجانب الإسرائيلي ، والصديقة للجانب الفلسطيني والسوري، يا ليتها تقنع إسرائيل بضرورة إعادة الحق لأصحابه والانسحاب من كافة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة..

كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here