د. عبد الحميد سلوم: كم مليون سترة صفراء يجب أن تخرج بالعالم العربي قياسا بفرنسا

د. عبد الحميد سلوم

آلاف المُحتجِّين خرجوا في شوارع باريس وهم يلبسون السترات الصفراء احتجاجا على رفع ضريبة الوقود من طرف حكومتهم. هذه الضريبة لن تُفقِرهم ولكنها قد تمسُّ مستوى معيشتهم قيد شعرة، وهذا مرفوض في دول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فمستوى المعيشة يجب أن يتحسّن دوما ولا يراوح في ذات المكان، أو يتراجع ولو بمثقال ذرّة.

المواطن الفرنسي يعيش برخاء ودلال وفي ظل حرية كاملة واحترام صارم لحقوق الإنسان ، وتعددية سياسية وحزبية وتداول على السلطة من خلال صناديق الاقتراع بكل شكل حضاري .. وحتى المواطن الذي لا يجد فرصة عمل فإنه يتلقى المعونة الاجتماعية التي تسمح له بالعيش بكرامة أكثر من أستاذ الجامعة في العديد من الدول العربية.

فرنسا دولة مؤسسات وحُكم القانون ولا مجال للشطارة والتجاوز والمخالفات والنطنطة والزعبرة ، والالتفاف على القانون والتهرب من الضريبة مهما كانت ضئيلة.

في فرنسا لا مجال للفساد والإفساد وثقافة المزارع والمحسوبيات والمعايير المتعددة في ذات المؤسسة واستغلال النفوذ والسُلطة للمصالح الشخصية والخاصة، فهذا دونه فورا الإحالة للتحقيق والقضاء وحُكم العدالة..

لقد تمت محاكمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد أن أنهى فترة رئاسته بتهمة تأجير ابنهِ شقّة تابعة لبلدية باريس حينما كان رئيسا لها، وذلك بسعرٍ أقل من السعر المعمول به.. أي هو لم يعطي الشقّة لابنه مجانا كي يسكن بها، ولم يُملِّكه إياها، وإنما تهمته في أنه راعاهُ بقيمة الأجرة.

وحُوكِم ساركوزي بتهمة تلقِّي أموال من الرئيس الراحل القذافي لتمويل حملته الانتخابية..

في عالمنا العربي هكذا تُهَم هي موضع فكاهة وسخرية لأنها سخيفة جدا جدا جدا، ولا تستحق الحديث بها أمام ما تفعله الحكومات العربية ومسؤوليها. وأمام حجم الفساد والفقر والبطالة في بلداننا العربية.

في فرنسا نقابات تقلب الدنيا على الحكومة إن ما اتّخذت قرارات غير مقبولة لتلك النقابات والقطاعات التابعة لها ، وذلك  بالمظاهرات والاحتجاجات.

وقد سبق للمظاهرات، التي كانت غالبيتها من الطلاب والعمال، عام 1968 إلى إرغام الرئيس ديغول لإجراء استفتاء في نيسان 1969 حول إصلاحات جامعية واجتماعية واقتصادية، وحينما لم تحظى إصلاحاته بموافقة الأكثرية استقال من منصبه ، كما سبق ووعد َ.

الفقر والبطالة في عالمنا العربي ليس بسبب نقص الموارد والثروات وإنما بسبب الفساد  السياسي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، وبسبب نهب ثروات الأوطان والشعوب.

لا يوجد أي ترابُط بين سياسات التعليم وسياسات التشغيل.. فكل عام يتخرج من الجامعات العربية مئات الآلاف ولكن لا توجد فرص عمل لهم بعد التخرج.

في العام 2009 كشف تقرير صادر عن جامعة الدول العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن 140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر (أي فقر مُدقع) ، وهذا الرقم هو ضعف عدد سكان فرنسا.. وهو ما يُشكل 40 % من سكان الدول العربية.. كما كشف التقرير أن معدل البطالة بين الشباب العربي بلغ 50 % .. وكان الأعلى على مستوى العالم . وقد أرجعَ التقرير ذلك إلى سوء توزيع الثروة، (التي تسيطر عليها دوما مجموعة من الأثرياء وشركائهم في السلطة)، وحذّر التقرير من نشوء جيل من المُعاقين عقليا وبدنيا إن ما استمرَ الأمر على تلك الحالة..

هذا كان في العام 2009 ، فما بالكم بالعام 2018 ؟. في عالمنا العربي اليوم (باستثناء دول الخليج العربي) الإحباط واليأس من المستقبل هو ما يهيمن على عقلية الشباب العربي.. فلا آفاقا مستقبلية أمامهم في توفير فُرص العمل وتأمين مقومات الزواج والمسكن وبناء عائلة.. فحتّى من يجدُ فرصة عمل فبالكاد تكفيهِ بمفردهِ للعيش حتى آخر الشهر، فكيف له أن يفكر بالزواج وامتلاك منزل وبناء أسرة.

تلك الحالات التي تحدّث عنها تقرير الجامعة العربية هي من تسببت في الفيضانات البشرية لاحقا في العديد من الشوارع العربية احتجاجا على تلك الأوضاع قبل أن تُخرُج من الأوكار والأنفاق قِوى ظلامية تحرف تلك الاحتجاجات عن أهدافها ومبتغاها.

لا تعترف حكومة عربية بفشلها وفشل سياساتها، ولا نسمع إلا الحديث عن النجاحات التنموية والدعايات الخشبية، بينما الفقر والبطالة دوما في ازدياد.. ولم ينمو سوى الفساد والإفساد (إذا ما استثنينا بعض الدول الخليجية التي تعيش شعوبها في بحبوحة بفضل الثروة النفطية، وبفضل السياسات الناجحة لحكوماتها.. فهناك دولا عربية أغنى بأضعاف من الدول الخليجية وتمتلك ثروات نفطية ومعدنية وزراعية واقتصادية هائلة ولكنها لم تعرف كيف تستثمر وتستغل تلك الثروات لرفاهية شعوبها وبددتها دون فائدة، وتركتْ شعوبها فريسة الفقر والبطالة والحرمان). وهكذا أصبحت دول الخليج العربي الأكثر تقدما في العالم العربي وتتمتع مؤسساتها الحكومية ، والخاصة، وخدماتها ومصارفها ومستوى معيشتها وعُمرانها وأسواقها وكافة مشاريعها بمعايير أوروبية ، لاسيما قَطَر والكويت والإمارات العربية.  واستقطبتْ ملايين الأيدي العاملة وذوي الخبرات والمِهن والتخصص من شتى أنحاء البلدان العربية المتخلفة اقتصاديا وإنمائيا ومعيشيا وخدماتيا ومؤسساتيا .. وهؤلاء يحولون مئات ملايين الدولارات كل شهر لأهاليهم في بلدانهم الأصلية.

أحد الخبراء علّق قائلا: الفقر الذي رسمهُ التقرير عن العالم العربي هو فَقران: فقرُ في الداخل لِجهة السلع والخدمات ، وفقرٌ إنساني يتعلق بالصحّة والتعليم والحريات، وفي كليهما بدا الإنسان العربي مسلوبا من حقوقه المادية والمعنوية خلافا للرواية الرسمية التي تدّعي باستمرار توفير كل ذلك.

فإن كان آلاف الفرنسيين خرجوا للشوارع للاحتجاج على رفع ضريبة الوقود، فكم مليون عربي يجب أن يخرجوا في كل دولة عربية للاحتجاج على الفقر والبطالة والجوع والغلاء والفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وسوء توزيع الثروات، وانعدام المُحاسبة ، والتهرُّب الضريبي وووووووووووووووو الخ..

ماذا تفعل الحكومات العربية ، وما هي خططها الاقتصادية والاجتماعية في إطار الخطة الاستراتيجية لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية المُستدامة بحلول عام 2030 ،  لاسيما أن جيل الشباب يُمثل أكبر كتلة بشرية في المجتمعات العربية..

يقول أحد الإعلاميين البارزين خلال برنامجه الحواري على قناة الميادين : هناك فاسدون ولصوص يمسكون بمعظم الدول العربية ويتقاسمون ثروات هذه الدول .. وهناك عدم تكافؤ فرص وعدم عدالة اجتماعية . فمن هُم أسياد هذه الدول الذين يسرقون الشعب ؟؟.

إذا لو كانت هناك حرية وديمقراطية وحرية تعبير واحترام لحقوق الإنسان في العالم العربي، فكم مليون سترة صفراء وحمراء وزرقاء وخضراء وسوداء سنرى على امتداد الساحات العربية؟. والمُضحِك أن هناك في العالم العربي من أخذتهم الشفقة على الشعب الفرنسي(الفقير والمسكين والمضطهد والمحروم والمكبوت، وذلك بعكس الشعوب العربية التي تنعم بالحرية ورغد العيش)، ونسوا أو تناسوا كل أوضاع شعوبهم المأساوية .

وزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here