د. عبد الحميد سلوم: في عيد الأم السورية وعيد المرأة العالمي: هل المرأة في الغرب حقّا غير محترمة ولدينا في الشرق محترمة؟ وهل الكَيدْ صفة نسائية أم أن الرجال أشدُّ كيدا من النساء؟

د. عبد الحميد سلوم

مناسبتين خلال أسبوعين تتعلقان بالمرأة .. الأولى يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، والثانية عيد الأم السورية في الحادي والعشرين من آذار.. وبهذه المناسبة أتقدم بالمباركة لكل أُم وفي المقدمة الأمهات من عائلتي وقريباتي وصديقات العائلة، وأتذكر بالرحمة أمي..

في هاتين المناسبتين قرأت عدة كتابات عن المرأة.. ولكن استوقفني قول أحد خطباء المساجد في إحدى الدول الإسلامية التي تحصي على المرأة أنفاسها، من أن المرأة في الغرب لا تُحترم بل تُعامَل كأنها مجرّد لعبة لإثارة شهوة الذكر..

وبما أنني عشتُ في الغرب طويلا، في نيويورك وبودابست وأثينا وجنيف وبروكسل، وزرتُ كل دول الغرب تقريبا، فسوف اسمح لنفسي بالقول أن هذا الشيخ وأمثاله إنما يضللون الناس ويغسلون أدمغتهم كي لا ينكشف هذا البون الواسع والشاسع الذي بات يفصلنا عن الغرب، ولا ينكشف استعباد المرأة في غالبية دول الشرق.. وكل ذلك بسبب هذه العقول الجاهلية التي انغرستْ في خلاياها مفاهيم مُسبقة الصنع ويصعب تغييرها..

يا ليت هذا الشيخ يعرف حقيقة نظرة الغرب السلبية جدا لنا، نحن العرب والمسلمين!.

حينما كنتُ في سفارة بلادي في بروكسل، وخلال أحد الاجتماعات في مبنى الاتحاد الأوروبي، خرجتُ لدى استراحة الغداء لأتناول الطعام في المطعم بداخل مبنى الاتحاد فصادفتُ سيدة إيطالية كنتُ أعرفها منذ زمن، وتعمل في سكرتارية الاتحاد، فجلسنا حول طاولة واحدة واتفقنا أن نتحاور بمنتهى الصراحة والشفافية، وقد ذُهِلتُ لِنظرتها السيئة جدا للإنسان العربي المسلم!. لا أستطيع أن أصِف كلامها.. أقلّهُ أنهم لا ينظرون إلينا على أننا بشرا..

لا أعرف هذه مسؤولية من؟. هل هي مسؤوليتنا نحن العرب، أم مسؤولية الأوروبيين، أم هي مسؤولية مشتركة من الجانبين؟.

المهم بعد الحوار شعرتُ أن قناعتها تغيّرت كثيرا وأن نظرتها الشمولية ليست صحيحة، وأدركتْ أن هناك عربا ومسلمين منفتحين جدا وعَلمانيين وتفكيرهم حضاري وتنويري وقريب من ثقافة الغرب العَلماني.. فلم نغادر الطاولة حتى بادرتْ ودَعتني لزيارتها في منزلها وتناول العشاء .. بينما قبل الحوار كانت لا تطيق رؤية عربي ومسلم لأن هؤلاء بالنسبة لها هم كما المخلوقات التي تمشي على أربعة قوائم ..

صحيح أن المرأة في الغرب ليست في جنّة الفردوس، وأنها لم تصل إلى المستوى المنشود الذي عبّرت عنه صكوك حقوق الإنسان الدولية، وأولها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكنها على الأقل قطعت مسافة تسعين كيلو مترا من أصل مائة، وما زال أمامها عشرة كيلو مترات كي تتساوى حقوقها بالكامل مع حقوق الرجل، ولكن هل قطعت المرأة في الشرق الأدنى ( من المغرب وحتى إيران) عشرة كيلو مترات من أصل مائة نحو حصولها على حقوق المساواة مع الرجل؟. بل هل قطعت في بعض البلدان كيلو مترا واحدا؟.

ثم إنْ كان الكلام عن عدم احترام المرأة في الغرب صحيحا، لماذا إذا تهاجر صبايا وشباب الشرق إلى الغرب وليس العكس؟. لماذا ملايين المسلمين هجروا بلدانهم ليعيشوا في الغرب وفي ظل قوانين الغرب؟.

المرأة في الغرب ليست لإثارة شهوة الذكر، كما يروّج البعض، إنها شخصية مستقلة واعتبارية بحدِّ ذاتها، وهي سيدة نفسها ولا يمكن حتى لزوجها أن يكرهها للنوم معه إن لم يكن بملْ إرادتها ومشيئتها ورغبتها، وإن حاول عكس ذلك فيمكنها أن تأتي له بالشرطة ويُتّهم بالاغتصاب..

بل الرجل في الغرب لا تثيرهُ أساسا مفاتن المرأة في الشارع حتى لو كانت بارزة، وحتى لو كانت تلبس البيكيني في حوض السباحة، أو على شاطئ البحر، ولا ينظر إليها، وكلٍّ يسير في سبيله، ولكن عندنا في الشرق لا ينظرون للمرأة إلا من منظور شهواني وغريزي وما أن يرى جزءا من جسد المرأة حتى يفقد صوابهُ.. وإلا لماذا شَعرُ المرأة عورة؟. هذا الشَعر الذي تقصُّه المرأة في صالون الحلاقة ويُرمى في سلة النفايات!..

ثم ماذا لو أن المرأة وضعت فوق شعرها شَعرا مُستعارا (يعني باروكة) هل تكون الباروكة عَوره ؟. وهل منظر الشعر المُستعار المعروض بواجهات المحلات هو عورة أيضا؟. كل المسلمات ذوات اللون الأسود في أفريقيا وغيرها يضعن شعرا مستعارا فوق رؤوسهنَّ لأنه معلومُ أن شعر الرجل الأسود أو المرأة السوداء لا ينبت أكثر من إثنين أو ثلاثة سنتمترات، فهل المطلوب منها أن تضع فوق الباروكة غطاء كي لا تظهر الباروكة عوره؟.

لماذا وجه المرأة عورة؟. لماذا صوت المرأة عورة لدى البعض؟. لماذا تتربى الفتاة على عقدة الخوف من الذكور؟. أليس كل هذا بسبب انصباب كل غرائز أهل الشرق على ” الجنس”؟.

اختزلنا كل معاني العفة والشرف بقطعة قماش تغطي الوجه، أو تغطي كافة الجسد .. مفهومهم بالغرب للعفة والشرف والقيم والأخلاق يختلف مائة وثمانون درجة عن مفهومنا..

في الغرب يرون المرأة من خلال عقلها وتفكيرها ومؤهلاتها وانتاجها، ولكن عندنا في الشرق لا نرى المرأة إلا من خلال صدرها وساقيها وفخذيها ومؤخرتها، أي من خلال بعدها الجسدي، ولذا فرضنا عليها كل أشكال الحصار حتى باتت في بعض البلدان لا تشبه إلا كيس فحم أسود لا تَعرف إن كانت من الإنس أم من الأشباح.

في الجامعة الخاصة التي كنتُ أدرِّس بها قبل فترة، طلبتْ إحدى الطالبات المُحجبات جدا الخروج قبل نهاية المحاضرة، فسألتها لماذا؟. فأجابت إن والدي ينتظرني بالسيارة بالخارج كي يأخذني إلى البيت.. فقلتُ لها أنتِ صبية ولا تحتاجين لمن يأخذك إلى البيت.. فأجابت إن والدي لا يسمح لي بالخروج من البيت إلا إن كان برفقتي.. فقلتُ لها : هل هي مسألة عدم ثقة؟. فأجابت هكذا هو عقله..

هذا المثل ليس حالة خاصّة إنه تعبيرا عن ثقافة عامة واسعة وعريضة في مجتمعاتنا الشرقية، التي ما زالت ترى في المرأة (ضلع قاصر، وفريسة) ولا يجوز أن تخرج أو تسافر إلا مع مُحرَم.. بينما في الغرب ترى الفتاة في الصيف تجوب أوروبا وهي تسوح مع زميلتها، دون وصاية من أحد ودون مُحرم يرافقها..

في الغرب وصلت المرأة إلى رئاسات الوزارات ورئاسات الدول.. وها هي المستشارة الألمانية ميركل تقود ألمانيا منذ العام 2005 ، وألمانيا أقوى اقتصاد في أوروبا.. بينما بريطانيا العظمى ترأس حكومتها سيدة (تيريزا ماي)، وفي الماضي سيدة تدعى مارغرت تاتشتر .. وفي الولايات المتحدة ترشحت هيلاري كلنتون لرئاسة أقوى دولة في العالم، وكانت قبل ذلك وزيرة خارجية لأقوى دولة بالعالم، وسبقتها مواطنتها كوندوليزا رايس كوزيرة خارجية لأقوى دولة بالعالم، وكان وزراء خارجية ورؤساء دول في الشرق يجلسون أمام إحداهنّ وينصتون إليهن بكل حرصٍ واهتمام.. واليوم في الغرب عدة سيدات يشغلن مناصب وزيرات الدفاع، ووصلت لعضوية الكونغرس الأمريكي ثلاث سيدات (مُسلمات) لو كُنا في بلادهنَّ الأصلية لما أصبحت إحداهنَّ موظفة استعلامات أو مديرة مدرسة ابتدائية..

رئيسة البرازيل كانت امرأة.. رئيسة الأرجنتين كانت امرأة ..  رئيسة كرواتيا اليوم امرأة ..رئيسة تشيلي امرأة .. وزير خارجية الاتحاد الأوروبي امرأة.. رئيسة منظمة اليونسكو امرأة.. رئيسة البنك لدولي امرأة.. وشو بدنا نْعد لنْعد..

أخبرونا عن رئيسة دولة أو رئيسة وزراء في كل الشرق الأوسط؟. وأقصد بالشرق الأوسط من المغرب وحتى إيران (Middle East ).. لأن الوضع يختلف في الشرق الأدنى( Near East ) في الباكستان والهند وبنغلادش وسيريلانكا، حيث كنا نرى سيدات رئيسات وزراء ودول .. وهكذا في الشرق الأقصى ( Far East) ..

مع ذلك هناك من يخرج ليقول لك المرأة في الغرب غير محترمة، وهي لإثارة شهوة الذكر.. يعني كل رئيسات الدول والحكومات ووزيرات الدفاع والخارجية، وغيرها من الوزارات،  ورئيسات برلمانات وبلديات، أو عضوات برلمانات أو رئيسات أحزاب، كل هؤلاء في الغرب غير محترمات(ويمكن أن تكون ملكة بريطانيا غير محترمة في مجتمعها) بينما المرأة التي نفرض عليها البرقع والشادور والحجاب والنقاب وندفنها بالحياة، وهناك من يقول أنها لا يجوز ان تخرج من البيت إلا مرتين ، مرة إلى بيت زوجها ومرة إلى القبر، وووووالخ.. هذه تكون مُحترَمة!. ما هذا العقل؟.

حينما تجد مسلما من دعاة التنوير والنهضة الحديثة ينهال عليه أعداء النهضة والتنوير بالسباب والشتائم ويتهمونه بالدعوة للفسق والفجور وأنه يريد أن يطفئ نور الإسلام.. إلى آخر هذا الخطاب الترهيبي المتكلس والفظيع .. الخطاب الداعشي ..

لن أدخل في جدلٍ حول بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تتعلق بالمرأة، أو حوّاء التي ( أُلصِقت بها تهمة الشر والشيطنة لأنها أغوت آدم وجرّتهُ لارتكاب الإثم) ولكن سأشير إلى مقال دكتورة جامعية وكاتبة وأديبة كويتية مشهورة، نشرتهُ بمناسبة اليوم العالمي للمرأة بعنوان : ( واضربوهن) .. وتقول فيه أن إحدى صديقاتها قالت لها أن تفسير الآية الكريمة : ( واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعِظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا.. النساء 34) .. أن تفسير الضرب هنا معناه المفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل، وليس بمعنى الصّفع أو الّلطم على الوجه أو الضرب بالعصا أو غير ذلك..

فكان جواب الدكتورة الكاتبة :  ( وهل يحق للمرأة إنْ نشَزَ زوجها أن تهجرهُ في مضجعه ثم تضربهُ ( يعني تتباعد عنه) أم أن الملائكة سوف تلعنها إن امتنعتْ عن رجُلِها في محاولةٍ لعقابه؟. يعني إن ابتعدتْ عن زوجها كنوعٍ من العقاب له..

هذا هو جوهر الموضوع.. لماذا النظرة الدونية للمرأة والاستقواء عليها وأنها هي من يحتاج دوما إلى ” تأديب” ؟. كيف يتواءم ذلك مع المفاهيم الحديثة للمساواة والحقوق الإنسانية ؟.

إننا بحاجة ماسة لتجديد المفاهيم المتعلقة بالمرأة في تراثنا الديني ليتناسب مع المفاهيم الحديثة .. وكفانا إطلاق كلام غير مسؤول وغير صحيح وتضليلي والقول أن المرأة في الغرب غير محترمة وأنها لعبة لإثارة الغرائز الذكورية، بينما الحقيقة أنها في مجتمعاتنا الشرق أوسطية هي كذلك..

ثمّ هناك من يتحدثون دوما عن كيد المرأة لأنه وردً في سورة يوسف عليه السلام (إنه من كيدكنّ إن كيدَكُنّ عظيم) وهذا الكلام قاله زوج السيدة التي حاولت إغواء يوسف حيث كان يوسف هاربا منها وما أن وصلَ إلى الباب حتى تفاجأ بزوجها ( عزيز مصر) فدار الحديث بينه وبين يوسف وحينما شاهد (أي عزيز مصر) أن قميص يوسف قد تمزّق من الخلف، حينها التفت إلى زوجته وقال ( إنه من كيدكنّ إن كيدكن عظيم) ..

وهذا الكلام موجّها فقط لتلك المرأة التي حاولتْ إغواء يوسف، وهو كلاما محصورا بحادثةٍ وواقعةٍ معيّنة، ولم يكُن كلاما موجّها لكافة نساء العالمين، وإنما غايته هي العبرة والاتعاظ.. وهذا التفسير متّفقا عليه لدى كافة علماء المسلمين..

وإن كان الكيد هو من المكائد والاحتيال والدسائس والتخطيط والتدبير للشر والغيرة والحسد، فأليسَ الرجال أكثر كيدا بأضعاف المرات من النساء بكل ذلك؟. وأليس لكل رجُلٍ مكائده الخاصة للحصول على مُبتغاه؟. ألم يتحدّث القرآن الكريم أيضا عن كيد الرجال حينما جاء في سورة يوسف : ( يا بُنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا.. ) .. وهل هناك من كيد أكثر مما فعله أخوة يوسف بأخيهم يوسف للتخلص منه نتيجة الغيرة والحسد؟.

الكيد عموما موجود في طبيعة وتكوين الإنسان البشري وربما يكون كيد الرجال أشدُّ من كيد النساء ولكن الرجال يلصقون الكيد دوما بالنساء لأنها في مجتمعاتنا العنصر الأضعف في معادلة الذكورة والأنوثة..

وكل عيد أم وأمهات سورية، اللواتي ينطبق عليهن قول الشاعر حافظ إبراهيم : (الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق) وهنّ بألف خير.. أما من أعدَدن أولادهن للتطرف والتعصب والأحقاد والكراهية فلا يمكن أن يَعدَدن إلا شعبا سيء الأعراق.. وشتّان بين الجانبين ..

كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. السيد علماني ومتطرف :: أكيد لست علماني ولكن قد تكون متطرف دينيا، وهذا واضح من لغتك.. يعني إن كان الكاتب شخصا متنورا ويحمل مشروع حضاري لمواجهة الجهل والتخلف في هذه الأمة ، فهل يعني يان عليه أن يغادر ويعيش في الغرب؟. كلا دمشق وسورية وكل الدول العربية والإسلامية تحتاج لفكر هذا الكاتب وأمثاله كي يضيئوا الطريق لهذه الشعوب الجاهلة ..

  2. “….هذا البون الواسع والشاسع الذي بات يفصلنا عن الغرب…”

    اقترح على حضرتك مغادرة الشام والذهاب لاي بقعة على الارض الغربية، أكيد انه لك بها اصدقاء كثر. استقر هناك.

    و إلا ما الذي يشدك بدمشق.

  3. صدقت هذه الخطوة الأولى لتحرير الجولان والقدس …
    تحرير المرأة. .. …….. !

  4. مقال رائع رائع يضع النقاط على الحروف ويفضح دور رجال الدين المشبوه بطمس وتشويه الحقائق…شكرا للكاتب وجرأته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here