د. عبد الحميد سلوم: في الذكرى الواحدة والسبعين للنكبة الفلسطينية.. لماذا لم ننتصر عسكريا على إسرائيل؟

د. عبد الحميد سلوم

بداية لم يبخل الكُتاب والمناضلون والمقاومون والباحثون والمؤرخون والمثقفون  والأكاديميون والسياسيون والإعلاميون ووسائل الإعلام المختلفة والمتعددة ، والأحزاب السياسية بشتّى اتجاهاتها وعلماء الدين، وكافة المهتمون بالشأن العام على اختلاف مشاربهم، وغيرهم الكثيرون، وعلى امتداد الساحة العربية، بل والإسلامية،  لم يبخلوا في فضح ” إسرائيل” كدولة احتلال استيطاني خطير ومن أخطر أشكال الاحتلال والاستعمار،  وكدولة عنصرية استعمارية إرهابية عدوانية توسعية، وتفنيد كافة ادعاءاتها الكاذبة حول التاريخ والأوهام التوراتية التي سخّرتها الصهيونية العالمية لتبرير احتلالها لأرض فلسطين العربية منذ أزل التاريخ، ولتشريد شعبها العربي الأصيل في شتّى أصقاع الأرض.

ولذا لن أضيف جديدا على الكتابات والموسوعات ومجلدات التاريخ التي كُتِبت عن فلسطين وشعب فلسطين. ولكن رغم ذلك فيقتضي واجبنا العروبي والقومي والديني والإنساني والقانوني والأخوي والأخلاقي والتاريخي أن نُبقي على قضية فلسطين متأججة دوما في مشاعرنا وقلوبنا وعقولنا وفي تفاصيل حياتنا اليومية وأن نتحدث عنها مع شهيقنا وزفيرنا، وحتى على موائد طعامنا، حتى يبقى هذا الشعب الفلسطيني المظلوم والمقهور يشعر أنه ليس لوحده في معركة الكفاح والنضال والجهاد لأجل قضيته العادلة التي تسعى كافة  أفاعي الأرض لنهشها حتى النهاية بشتّى السبُل والألاعيب، وآخرها ما نسمع عنه مما أطلقوا عليه ” صفقة القرن” أو مؤامرة القرن الكبيرة التي أجَّلوا الإعلان عنها إلى ما بعد نهاية شهر رمضان الكريم.

ومن هنا سوف أتناول الموضوع من زاوية أخرى، وأبدأه بسؤالٍ : لماذا بعد كل هذا الزمن لم ننتصر (نحن العرب جميعا) عسكريا على إسرائيل ونعيد فلسطين وكافة الأراضي العربية الأخرى المحتلة؟.

كلنا متفقون على أن حكاية نكبة فلسطين التي تجسدت بقيام كيان دخيل فوق أراضيها أُطلِق عليه اسم ” إسرائيل” وإحلال شعبٍ غريب من كافة الأصقاع في أرض فلسطين بعد تشريد أهلها الأصليون، هي حكاية عارٍ طويلة على جبين البشرية عموما، وعلى جبين الغرب خصوصا، وعلى جبين الأنظمة العربية التي ساومت وتاجرت بقضية فلسطين على مدى عقود طويلة، قبل أن تكتشف أخيرا أن العدو ليس ” إسرائيل” وإنما جمهورية إيران الإسلامية (التي لن أُحابيها أو أساندها ضد أية دولة عربية أو شعب عربي بِحُكم انتمائي العروبي والقومي، ولكن هل هي فعلا العدو وليس إسرائيل)؟. هذا يحتاج إلى بحثٍ آخرٍ.

 وهكذا انقلب مفهوم الصراع رأسا على عقب، وبات التطبيع مع إسرائيل على العلن وبلا حياء أو خجل، بينما إسرائيل تغتصب مقدسات المسلمين ويُفترَض أن العرب المسلمين هم أول من ينتفض ضد هذا الاغتصاب.

إنه يزعجهم أن تسير امرأة  في الشارع بدون غطاء رأس، أو بدون اللباس الأسود التقليدي الطويل لأن هذا يخالف شرع الإسلام،  ولكن لا يزعجهم أن تُغتصَب الأقصى التي كانت في يوم ما قُبلة المسلمين..

وقد وصلت الوقاحة بالبعض لدرجة تصنيف حركات المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل بأنها حركات ( إرهابية) وليست حركات تَحرُّر. بل لا يجوز الدُّعاء لها بالانتصار على إسرائيل!. إلى هذا الحد وصل مستوى الانحدار والسقوط الأخلاقي والديني لدى البعض.

لقد كنا قبل إحدى وسبعين عاما بنكبة فلسطين وأصبحنا اليوم بنكبات على تعداد الدول العربية.. وباتت لكل دولة نكبتها، بل باتت لكل مواطن عربي نكبته الخاصة من خلال المعاناة اليومية من الفقر والبطالة والحروب والتشريد والاضطهاد، واللهاث خلف رغيف الخبز.

ويبقى السؤال: لماذا لم ننتصر عسكريا على إسرائيل طيلة هذا الزمن، الذي كانت فيه إسرائيل تقوى والجانب العربي يضعف ويتشتت وينقسم؟. وهل الحرب مع إسرائيل هي حربا عسكرية فقط أم أنها غير ذلك؟. ولماذا تغيّر مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي وتحوَّل إلى مفهوم ضيِّق يتعلق فقط بالأمن الوطني لكل دولة؟.

من الخطأ النظر للحرب مع إسرائيل على أنها حرب جيوش فقط وأنها تقتصر على الأسلحة والصواريخ والدبابات والمدفعية وغيرها  لوحدها، فهذه كلها من أساسيات ومستلزمات الحرب، ولكن الأهم من كل ذلك هو التوازن الاستراتيجي بين العرب وبين إسرائيل على كافة الأصعدة. والمقصود بالتوازن هنا ليس التوازن العسكري أو النووي وإنما التوازن على كافة الأصعدة المدنية والحكومية والدستورية والسياسية والتعليمية والقضائية والإدارية والرسمية.. الخ ..  كيف؟.

صحيح أن إسرائيل يصحُّ أن نُطلق عليها كافة الأوصاف الحقيرة والقذرة في سياساتها وتعاملها مع الشعب العربي الفلسطيني، ولكن كيف هو الحال في تعامُل الإسرائيليين مع بعض داخل هذا الكيان؟. هل يوجد عندهم “دولة” قانون ومؤسسات؟. هل توجد عندهم حرية تعبير؟. هل توجد عندهم انتخابات حرة وتعددية؟. هل يوجد عندهم تداولا على السلطة عن طريق صناديق الاقتراع؟. هل يوجد عندهم فصل للسلطات، أم أن القضاء مُسيَّسا؟. هل يوجد أحدٌ فوق القانون لأنه مدعوم أو من أهل السُلطة والنفوذ، أم أن الشرِطة تستدعي أكبر رأس للتحقيق لأصغر التُّهم؟..

كل هذا يدفعنا لننظر إلى الحرب مع إسرائيل على أنها ليست مجرّد حربٍ بين جيوش فقط وإنما هي  حربٌ بين كل نظام سياسي عربي وبين النظام السياسي الإسرائيلي ونجري مقارنة حول ذلك..

أن ننظر للحرب على أنها حربا بين كل وزارة وكل موظّف في كل بلد عربي وبين النظراء في إسرائيل ونجري مقارنة على ذلك.

أن ننظر للحرب على أنها حربا بين كل مثقّف وجامعة وأستاذ جامعي، وكل طبيب ومهندس ومحام، ومركز بحوث، ومعهد ومدرسة عربية وبين نظيرتها في إسرائيل ونجري مقارنة على ذلك..

أن ننظر للحرب على أنها بين كل تاجر ورجُل أعمال، ومصنع ومعمل عربي، ونتبيَّن إن كانت هناك فروقا في الأداء والممارسة .

أن ننظر للحرب على أنها حربا بين القضاء والقوانين ومدى تطبيقها في إسرائيل، وبين تطبيقها في كل بلد عربي، ونتبيَّن إن كانت هناك فروقا.

أن ننظر للحرب على أنها بين طبيعة ونظام وآلية الحكم في إسرائيل ونظير ذلك في كل بلد عربي، ونتبيَّن إن كانت هناك فروقا.

أن ننظر للحرب على أنها حربا بين أداء كل مسؤول عربي وكل مسؤول إسرائيلي ونجري مقارنة على ذلك..

أن ننظر للحرب من خلال ما يمتلكه كل شعب عربي من إرادة وقرار في دولته ومقارنة ذلك بإسرائيل ، ونتبيَّن إن كانت هناك فروقا.

أن ننظر للحرب من خلال دَور الشعوب العربية في صناعة حكامها وبرلمانييها ومقارنة ذلك بإسرائيل، ونتبيَن إن كانت هناك فروقا.

إنها حربٌ بين عقلية كل مسؤول عربي ومدى تواضعه أو مدى تعاليه على أبناء شعبه، مع كل مسؤول إسرائيلي ومدى تواضعهِ أو تعاليهِ على أبناء شعبه، هذا إن كان لديهم من يجرؤ على التعالي على أبناء شعبه. تعَالي المسؤولين عندهم له ثمنٌ يدفعونه حالا في أول انتخابات بإسقاطهم وإخراجهم من الحياة السياسية.

الحرب مع إسرائيل هي حرب الجميع في البلدان العربية مع الجميع في إسرائيل، أيْ كل عربي أينما كان وفي أي مجالٍ كان، مع نظيرهِ في إسرائيل أينما كان وفي أي مجال كان. وليست فقط حرب جيش مع جيش..

كل هذه العوامل هي أسُسا في الحرب مع إسرائيل وليست الجيوش فقط.

لننظر إلى كل ذلك في بلداننا العربية وننظر إلى كل ذلك في إسرائيل، فهل سنجدُ فرقا؟.

إن كان هناك فرقا فإن حجْم هذا الفرق هو حجم انهزام العرب أمام إسرائيل.. ومن هنا فكل مواطن عربي في أي موقعٍ أو مضمار كان، هو مسؤول بطريقة أو أخرى عن عوامل الهزيمة التي تارة نسميها ” نكبة” وتارة ” نكسة” وتارة غير ذلك.. ولكن يبقى النظام الرسمي العربي هو من يتحمّل المسؤولية الأولى.

حينما ينافس كل عربي من خلال موقعه (وعلى أي مستوى) نظيره الإسرائيلي في موقعهِ، ويعادلهُ، أو يتفوق عليه، في عملهِ وأدائه وتفانيه في خدمة بلاده وشعبه، فحينها ستتغير المعادلة..

حينما ينافس كل وزير عربي نظيره الإسرائيلي في تطبيق معايير عادلة في مؤسسته ويُطبّق مبدأ تكافؤ الفرص على الجميع، ولا يسير وفقا لأمراض المحسوبيات والواسطات والقرابات والعصبيات الطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية، ويضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، حينها ستتغير المعادلة.

حينما يكون هناك فصلا للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويسود حكم القانون والعدالة، وتستطيع المحاكم استدعاء أكبر مسؤول للتحقيق معه في أدنى الأمور ، ويذهب شرطيا لإبلاغ المسؤول بالحضور للمحكمة، حينها ستتغير المعادلة..

وزير خارجية عربي، وقد يكون الأكبر سِنّا، يُولي أمور وزارتهِ إلى مُستخدم محلي لم يقطع المرحلة الإعدادية..وأكبر صديق له في بلاده هو ذاك المستخدم، وبِحُكم الصداقة القوية بات المُستخدم مديرا لمكتبه والآمر والناهي وكأنه هو الوزير، وبات واجهة الوزارة على كل الدولة!. بينما يتمُّ تهميش حَمَلة ماجستير ودكتوراه.. علينا أن نتصوّر لو أن هذا يحصل في إسرائيل، فكيف ستكون ردود الفعل في الحكومة والإعلام والكنيست؟.

كانت قضية فلسطين تجمع كل العرب، وأما اليوم فلم يعُد يجمعهم شيئا.. بل تفرّقوا حتى في قضية فلسطين. والأقسى انقسام الفلسطينيين أنفسهم على بعضهم بعضا. الإسرائيليون يتوحدون وهم على ضلال والفلسطينيين ينقسمون وهم على حق.

وحتى قضية الأمن القومي العربي الذي كان معمولٌ به منذ  قبل ألف عام، بات العرب اليوم يتآمرون عليه بأنفسهم، وكلٍّ  يتآمر على أمن الآخر الوطني.

مَن لم يقرأ هذه الأبيات من الشعر للشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي يمتدح فيها سيف الدولة، وقد قالها منذ أكثر من ألف عام(المتنبي عاش ما بين 915 و 965 م )  وهي تُجسِّد بكل جلاء ووضوح مدى الترابط الأمني القومي العربي بين بلاد الشام والعراق وبين أرض الكنانة.. ويقول فيها: 

كيف لا يأمنُ العراقُ ومِصرُ + وسراياكَ دونها والخيولُ ** أنتَ طـول الحياةِ للـرومٍ غـازٍ + فمتى الوعدُ أن يكون القفـول** لو تَحرَّفتَ عن طريق الأعادي+ ربَطَ السِدرُ خَيلهم والنخيل**

وسِوى الرومِ خلْفَ ظهْرِك رومٌ +  فعَلى أيِ جانبيكَ تميلُ ** ما الذي عِندهُ تُدارُ المنايا + كالذي عنده تُدار الشمولُ …

أي لو أن سيف الدولة ابتعد عن طريق الأعداء وتركهم وشأنهم، لكانوا استولوا على بلاد الرافدين وعلى مصر وربطوا خيولهم على جذوع شجر النخيل في العراق وشجر السِدر في مصر.. فهل من تعبير أوضح من ذلك عن الترابط القومي العربي منذ ألف عام!.  وأليسَ المشروع الصهيوني اليوم هو السيطرة على المنطقة من مصر وحتى بلاد الرافدين..

طبعا، وكما قال المتنبي، فليس من يخوضون المعارك ويتحدُّون المنايا كمن جالسون في القصور يعيشون الترف والرخاء وحياة الطَّرب والغناء والرقص والجواري ..

النوع الثاني هم من تاجروا بقضية فلسطين في زمننا هذا، وهم من يباركون بالسر صفقة القرن التآمرية على قضية فلسطين، وهم من يَسخَرون من المقاومة والمقاومين لأن هذا لا ينسجم مع ثقافة الترف والبذخ وحياة القصور والطائرات الخاصة واليخوت الخاصة التي يبلغ سعر واحدها نصف مليار دولار..  بينما الشعوب العربية والمُسلمة تئنُّ من ألم الجوع والفقر والحرمان. هؤلاء هم من يبتزهم الرئيس الأمريكي ترامب ويخاطبهم بعقلية التاجر اليهودي “شايلوك” في مسرحية “تاجر البندقية” للأديب الإنكليزي الكبير وليام شكسبير، ويقول لهم : ادفعوا وإلا لن نحمي عروشكم.. وإن نفَذ لديكم المال فسوف اقتطع من لحومكم.. إنها عقلية شايلوك تماما..

إنهم على الترف والمجون وملاهي لاس فيغاس ونوادي القمار في “أتلانتيك سيتي” ينفقون مئات الملايين.. وعلى جمعية “إيفانكا ترامب” يتبرعون بمائة مليون دولار(وكأن إيفانكا فقيرة وتحتاج لتبرعاتهم) بينما على المدارس الفلسطينية التي ترعاها الأونروا لا يتبرعون إلا بالقطّارة، هذا إن تبرعوا..

من خلال كل ذلك نستنتج لماذا انهزم النظام الرسمي العربي أمام إسرائيل.. الشعوب لم ولن تنهزم ولو كانت تمتلك الحرية والإرادة والقرار لأزالت إسرائيل من الوجود منذ زمنٍ، ولكن سلَّطوا الحكام على الشعوب أوّلا، فهزموها عن طريق حكامها، وبما أن الحكام صناعات أجنبية محمية من الخارج فهي بطبيعة الحال مهزومة ..  فأصبحت المعادلة : شعوبٌ يهزمها حكامها ويقبضون على رقابها، وخارجٌ  يهزم الحكام ويقبض على رقابهم ..

أعان الله شعب فلسطين.. ليس له سوى إرادته وعزيمته وتضحياته وصبرهِ وإيمانه الذي لا يتزعزع بعدالة قضيته ..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مااصعب ان تمسك بيدك سكين ولا تنفع سكينك لتقطيع حبة بندورة. عندها تفقد السكين قيمتها … هذا هو حال الكلمة الان.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here