د. عبد الحميد سلوم: الجزائر والسودان بين بو تفليقة والبشير

د. عبد الحميد سلوم

تتشابه الأحداث والتصريحات حتى لو كانت كلٍّ منها في بلدٍ مختلف، لأن العقلية واحدة وثقافة الاستبداد واحدة ولذا تتقاطع تصريحات الحكام المستبدين مع بعض حتى لو كان واحدهم في أفريقيا والآخر في شرق آسيا. فكما يتحدث الديمقراطيون بكل مكان بثقافة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ، يتحدث المستبدون بلغة الاستبداد والشمولية وتحدّي الشعوب بكل مكان.

لا يكفي الرئيس البشير ثلاثون سنة بالحكم.. ولا يكفي بو تفليقة عشرون سنة بالحكم.. لقد تسببت سياسات  البشير باندلاع الاحتجاجات في السودان منذ 19 كانون الأول 2018 .. وتسبب ترشيح بو تفليقة للرئاسة الخامسة وهو عاجز عن الوقوف على رجليه، لاندلاع الاحتجاجات في الجزائر.

خرج أصحاب نظرية ” المؤامرة” ليلقوا باللوم في الاحتجاجات على الإمبريالية التي أعطت الأوامر للمحتجين بالجزائر وفي السودان للخروج إلى الشوارع، فخرجوا!. ما هذه السخافة!.

رؤساء أعطوا لأنفسهم الحق في الحكم الأبدي، أحدهم مُقعدا والآخر أوصل شعبه تحت هاوية الفقر والجوع وعدم المقدرة على شراء رغيف الخبز، وحوْل كل واحد منهم مجموعة من طبقة المستفيدين من استمراره واستمرار أوضاع الفساد ويتقاسمون خيرات البلاد والعباد ، وحينما يخرج الشعب للشوارع للتظاهر والاحتجاج فيكون مدفوعا من الإمبريالية والمؤامرة الكونية!.

كأن الشعوب “بهائم” لا تتحسّس لمصالحها وأحوالها الاجتماعية والمعيشية وإنما تقودها الإمبريالية على بعد آلاف الأميال!..

إن من يُجسد العقلية الإمبريالية هم أولئك الذين لا يفسحون المجال لغيرهم للوصول إلى الحكم مهما كان واحدهم مُتعبا أو فاشلا، ولا يتركون للشعب أي خيار سوى خيار الخروج للشوارع والتظاهر والاحتجاج.

ماذا ترك الرئيس البشير للشعب السوداني سوى الخروج للشوارع؟. وماذا ترك الرئيس بو تفليقة للشعب الجزائري سوى الخروج للشوارع؟.

لقد أصبحنا نملُّ من سماع كلمة ” إمبريالية” ، ليس لأنها أحقر من بقرة مْعَلمو  لـَ ” أكرم”  في مسلسل ” الخربة” ولكن لأن إلقاء اللوم على الطالعة والنازلة على الإمبريالية باتت مملة وممجوجة جدا.. فكم مرة خرج الرئيس البشير ليصرح أن هناك أطرافا تسعى للفتنة دون أن يفصح عن اسم تلك الأطراف.

وبالمقابل يخرج رئيس الحكومة الجزائرية ليصرح أن هناك أطرافا مجهولة تحاول إشعال نار الفتنة، دون تسمية تلك الأطراف..

في الجزائر والخرطوم يستخدمون ذات القاموس في توصيفهم لما يجري في بلدانهم. إنه قاموس ثقافة الاستبداد والإقصاء والرأي الواحد والأوحد. وهذا قاموس مشترك في كل العالم بين كل من يرفضون ثقافة الديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الإنسان والتداول على السلطة.

الرئيس البشير، وبدلا من أن يدعو حالا إلى مؤتمر وطني شامل يحضره كافة ممثلي القوى السياسية والحزبية المعارضة له والمؤيدة، إضافة إلى النخب المثقفة في السودان، ويعتمدون دستورا مدنيا جديدا يقوم على التعددية وعلى الديمقراطية البرلمانية والتشاركية في الحُكم ويمنح صلاحيات واسعة للحكومة ويقلص من صلاحيات الرئاسة، ويُحيِّد الجيش عن السياسة لأن الجيش ملكا لكل الوطن وليس جيشا لهذا الحزب أو ذاك، بدلا من ذلك فإنه ذهب بالاتجاه الآخر، اتجاه تحدّي الشعب وإعلان حالة الطوارئ وتعيين قيادات عسكرية حاكمة، ومصادرة حق الشعب السوداني في التظاهر والاحتجاج والتجمعات ، ومنع كل ذلك. إنها وصفة لانزلاق السودان نحو ما لا تُحمَد عقباه..

أما الرئيس بو تفليقة فقد وجه رسالة للشعب الجزائري قرأها بالنيابة عنه وزير داخليته تحدّث فيها عمّا أسماهُ ” فضائل الاستمرارية” وقال ” أن الاستمرارية تجعل كل جيل يضيف حجرا إلى ما بُني قبله، وتضمنُ الحفاظ على سداد الخطى وتسمح بتدارك الإخفاقات الهامشية ، وتسمح للجزائر بمضاعفة سرعتها في منافسة بقية الأمم في مجال الرقي والتقدم ” ..

وكأنه بلا استمرارية الرئيس بوتفليقة لا يستمر الشعب الجزائري في الحياة ولا يتقدم، ولا تضيف أجيال اليوم أي حجر لمن سبقوهم!.

 إنها وصفة نحو إنزلاق الجزائر إلى ما لا تُحمد عقباه..ثم ماذا لو افترضنا أن القدر اختطف الرئيس بوتفليقة في أية لحظة؟. من منا يضمن بقاءه حتى الغد؟. هل سيبقونه في الرئاسة وهو في التابوت لأجل الاستمرارية؟.

 لم يكُن مخطئا أحد الجزائريين حينما كتب في تعليقه على ترشح بو تفليقة ، فقال : أنا أرشح المرحوم لهواري بومدين!..

الاستمرارية في هكذا بلدان لا تعني سوى أمرا واحدا: استمرار الفساد والمكاسب والامتيازات للطبقة الحاكمة والمستفيدة وزيادة الفقر والإفقار والغلاء والبطالة.

لا يبدو أن الرئيس البشير أو الرئيس بو تفليقة يرغبون في أن تعرف شعوبهم أن بلدان الغرب وصلت إلى قمة الحضارة والتطور والرخاء والتقدم والأمن والاستقرار بدون الاستمرارية في الحُكم للحكام، وتجري الانتخابات الديمقراطية والحرة كل أربع سنوات والشعوب هي من تقرر من يستمر لفترة ثانية فقط أو لا يستمر. بل لو كانت عندهم نظرية ” الاستمرارية” لذات الحكام هل كانت بلدانهم ارتقت إلى العُلا وبلدان العالم العربي انحدرت إلى الدّرك؟.

“الإمبريالية” حقيرة ولكن ليست هي المسؤولة عن كل مصائب الدول والشعوب .. المسؤول بالدرجة الأولى هم الحكام ..

العظماء في التاريخ هم من عرفوا كيف يقودون شعوبهم نحو بر الأمان والخلاص، سواء من الاحتلال الأجنبي أم نحو الديمقراطية والتساوي بالمواطَنة.

إذا أردنا أن نتحدث عن معنى ومفهوم “الإمبريالية” فإننا سنراها في عقول كل الحكام بالعالم من ملوك وأمراء وشيوخ وسواهم، ممن يرفضون المشاركة في الحكم والتداول على السلطة. فالإمبريالية عموما تعني حب الهيمنة والسيطرة والتوسع على حساب الآخرين، أو على حساب الضعفاء والمستضعفين.. وهذه تنطبق على الأفراد كما تنطبق على الدول.. وإنّ كل دولة أيا كان نظام الحكم فيها تسعى لتوسيع نفوذها وهيمنتها خارج حدودها، فحينها ينطبق عليها مفهوم ” الإمبريالية” .. وكل حاكم يسمح لنفسه فقط ، وليس لغيره، في الهيمنة والسيطرة سينطبق عليه مفهوم ” الإمبريالي” ..

من المهم جدا، سواء في السودان أو في الجزائر، أن يستفيدوا من دروس العديد من الدول في العالم العربي وأن يحفظوا شعوبهم ويُجنِّبوا بلدانهم الإنزلاق إلى ما لا يحمد عقباه .

 لا يوجد، بالنتيجة، أحدا أكبر من بلاده وشعبه مهما كان .. ولكن على ما يبدو فإن الرئيس البشير والرئيس بو تفليقة يعتقدان غير ذلك، حتى لو تغنّيا بشعبيهما وتحدثا عن إرادة الشعوب، فالمطلوب أفعالا وليس أقوالا ..

 كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here