د. عبد الحميد سلوم: الانتخابات في الجزائر وترشح الرئيس بوتفليقة للولاية الخامسة.. قراءة من واقع الخبرة

د. عبد الحميد سلوم

يقول أحد السياسيين من أعضاء ” جبهة التحرير الوطني”  الحزب الحاكم في الجزائر منذ الاستقلال عام 1962 ، في مقابلةٍ له مع باحثةٍ في شؤون الجزائر في كانون ثاني 2017 : ( لقد اختاروا بو تفليقة لولاية ثالثة ورابعة لأنه الخيار الأفضل الذي يصبُّ في مصلحتهم، واليوم هو لا يزال في السلطة لهذا السبب ، وأيضا لأن الاتفاق على شخص آخر صعبٌ ومعقد . سيتفقون في نهاية المطاف على شخص ولكن في هذه الأثناء لدينا قائد على كرسي متحرك وجعلنا من أنفسنا أضحوكة ) ..

هذا الكلام كان في بداية 2017 ، ولم يكُن متصوَرا أن يعلن “القائد” ، الذي يتحرك على كرسي، ترشيحه للمرة الخامسة عام 2019  وهو في هذه الحالة الصحية التي لم تسمح له حتى بقراءة خطاب ترشيحه وإنما نشرتهُ لهُ وكالة الأنباء الجزائرية.

وهناك منذ اليوم من يقولون أن الرئيس بو تفليقة ليس مُضطرّا قانونيا أن يقرأ مستقبلا خطاب القسم الرئاسي.. وهذا يؤكد مجددا أنه عاجز حتى عن قراءة ثلاث أو أربع جُمل .. وإلا لماذا ليس مضطرا لقراءة القسم الرئاسي؟. ألا ينص الدستور على وجوب أداء القسَم الرئاسي؟.

فإذا كان هناك من رشّحوه ، ومَن سوف يقومون بحملات انتخابية لأجله، ومَن سيعلنون فوزه برئاسة خامسة، فهل يصحُّ أن يقوم هؤلاء بأداء القسَم الرئاسي بالنيابة عنه ؟.

في الجزائر ، كما غالبية الجمهوريات العربية، هناك الدولة العميقة المتمثلة بالأجهزة الأمنية، والمؤسسة العسكرية التابعة لها، هي من تقرر كل شيء من خلف الستار . وكل ما نراه من مؤسسات ( ديمقراطية ودستورية ونقابية وشعبية وحزبية) ليست سوى واجهات للدولة العميقة . 

” الجيش الوطني الشعبي”  في الجزائر هو وريث  “جيش التحرير الوطني”  الذي قارع الاستعمار الفرنسي منذ 1954 حتى نال الاستقلال عام 1962 . وأما حزب ” جبهة التحرير الوطني”  فقد كان الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني، واستمر هذا الحزب يحكم الجزائر منذ الاستقلال .

   “الجيش الوطني الشعبي” في الجزائر هو المؤسسة الأقوى تنظيما، وهو الطرف الذي يتخذ القرارات فتنفذها الحكومة التي هي الواجهة المدنية للجيش ليس إلا.. ولكن بعد الاستقلال فشل طيلة الزمن بنقلِ الجزائر إلى نهج الديمقراطية والتعددية الفعلية والصحيحة وتسليم زمام الأمور للنُخب السياسية المدنية التي يختارها الشعب عن طريق صناديق الاقتراع، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة وتخلّي القادة العسكريين عن أدوارهم السياسية لصالح مسؤولين مدنيين منتخبين .. . ولذلك لم تهدأ الجزائر في أي يوم بعد الاستقلال ، وكانت التراكمات تكبر كل عام حتى انفجرت الأوضاع عام 1988 ثم اندلعت بداخلها حربا أهلية في صراع دامٍ على السلطة خلال عقد التسعينيات ، أو ما يُعرفُ بالعُشرية الحمراء..

الرئيس بو تفليقة ما كان له من الأساس أن يترشح لولا قرار الجيش بترشيحهِ في العام 1999 ..

أذكرُ في تلك الفترة أنني كنتُ بمرتبة “مستشارْ”  في سفارة بلادي في الجزائر، وقبل ستة أشهر من إعلان بو تفليقة ترشيحهُ من فندق الأوراسي في العاصمة، كنتُ أعلمُ بذلك من خلال أحد الشباب المُحامين من جيراني في الحي ( حي حيدرة الراقي) وكان والدهُ جنرالا في الجيش .. وحينما سألتهُ عن توقعاته للرئيس المُقبِل قال لي : إن أمر الرئيس بات محسوما وقبْل يومين عقد كبار الجنرالات اجتماعا وكان والدي من بينهم ( أي والد الشاب المحامي) واتفقوا على ترشيح عبد العزيز بو تفليقة ..

 كان بو تفليقة منسيا وجيل الشباب لم يكَدْ يسمع به، حيث غادر الجزائر بعد سنوات قليلة من وفاة الرئيس “الهواري بو مدين” عام 1978 وعاش في الإمارات سنين طويلة (وهناك من قالوا أنه كان يعمل مستشارا لرئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد)  إلى أن فطِن به الجنرالات في أزمة البحث عن رئيس بعد الجنرال  ” ليامين زروال”  فجاؤوا به من الإمارات في أواخر العام 1998 ، وترشّح للرئاسة  ( أو رشّحوه) في نيسان 1999 .

منذ الاستقلال وحتى اليوم لا يستطيع أي مرشح للرئاسة خوض السباق الرئاسي من دون موافقة كبار ضباط الجيش .. وهؤلاء يتشاطرون السلطة والمكاسب والامتيازات مع من جاؤوا بهم للسلطة.. ولكن سنوات بوتفليقة الطويلة في الحُكم مكّنتهُ من تأسيس مؤسسة أمنية عسكرية قوية موالية له ، وأتاحَت له المقدرة أحيانا على اتخاذ القرارات بحق كبار الجنرالات ممن لا يروقون له ، من تهميش أو إحالة للتقاعد أو تنقلات وتغييرات، أو مُحاسبَة ، أو سجن .. او سواها .

بكل الأحوال فإن دعْمَ جنرالات الجيش للمرشحين للرئاسة لم يكن بلا ثمن، وإنما بضمان مصالحهم السياسية والتجارية والمالية والاقتصادية وعدم الاقتراب منها .. وتشكّلت خلال كل هذا الزمن الذي بقيت به السلطة في يد حزب واحد، تحالفا من القيادات العسكرية والأمنية والاقتصادية والنُخب السياسية ، واستولت على كل مقدرات البلد ..

لقد أقدموا مؤخّرا على دفعِ بو تفليقة للترشح للمرة الخامسة رغم كل وضعه الصحي الصعب ، بدلا من أن يتركوه يرتاح في بيته، وذلك كي يبقى الفساد الممنهج قائما ويبقى تحالف الجنرالات والمؤسسة الاقتصادية والنُخب السياسية يحصدون المكاسب، ويستمر تهميش منتقدي النظام ومعارضيه.. وتبقى الجزائر تراوح بذات المكان … فساد وفقر وبطالة وغلاء واستغلال واحتكار للمال والسلطة ..

فالرئيس بو تفليقة لا يشكل خطرا على مصالحهم ولا على أوضاعهم وميزاتهم الاجتماعية ..

الفساد في الجزائر، والاختلاس وهدر المال العام وسوء الإدارة وغياب القانون والرشوة والمحسوبيات ( أو الزبائنية) كما يصفونها ، والاستتباع والاستلحاق  وووو ، كل هذه مشاكل كبرى.. وفي مؤشرات الفساد الصادرة عن مؤسسة الشفافية الدولية مؤخرا احتلّت الجزائر المرتبة 112 من أصل 180 دولة .. واحتلّت بلادي العزيزة الرقم 178 من أصل 180 بمؤشرات الفساد، ولم يسبقها سوى الصومال بالمرتبة 180 .. أي الفساد في بلادي أكثر منه في ليبيا والسودان واليمن والعراق وجُزُر القُمُر وموريتانيا ولبنان، فكل هذه سبقناها بالفساد!..

ولإيقاف الفساد وتقوية الديمقراطية حول العالم، دعت منظمة الشفافية الدولية الحكومات إلى ما يلي:

أولا : تقوية المؤسسات والحفاظ على الموازنات والتحقيقات.

ثانيا : ردم الفجوة التطبيقية بين تشريعات مكافحة الفساد وبين تطبيقاتها وبيئتها.

ثالثا : دعم المواطنين بما يتيح لهم الجهر باعتراضاتهم وتحميل الحكومات مسؤولية الفساد المتفشي.

رابعا: حماية حريات الصحافة بحيث لا يخشى الصحفي من تعرض حياته للخطر في حال كشفهِ عن الفساد وقضاياه.

وتعليقا على الفقرة الرابعة، أضيفُ أنه يجب حماية كل الحريات الصحفية وغير الصحفية، وحرية كل مواطن يكشف عن الفساد والفاسدين ويرفع الصوت في وجههم .. فهؤلاء هُم الوجه الآخر للإرهاب .. إنهم دواعش الداخل في أي بلدٍ كان ..

إذا بعد 57 سنة من استقلال الجزائر لا يزال الجيش ، ومن ثم المؤسسة الأمنية، يحكم البلاد عبر واجهات مدنية ومن وراء الستار .. ولذلك فهو لا يُحاسبُ على القرارات ولا على الفشل الحكومي .. فالنجاح يقطف ثمارهُ والفشل يلصقهُ بظهر الواجهة المدنية من حكومة وغيرها من أحزاب ..

يقول خبير وعضو في الجيش الجزائري ( حينما كان ما يزال على رأس عمله) :

)هل رأيتم في أي وقت مظاهرة يدعو فيها الناس إلى تنحِّي الجيش أو يطلقون شعاراً مثل “أيها الجيش، أخرُج” ؟. كلا.. أبدا .. لكن لماذا؟. لأن الجيش، وعلى رغم كل شيء، هو الوحيد القادر على حماية هذا البلد، والشعب يعرف ذلك.. الشعب يطالب بحياة ومرتبات أفضل وهذه وظيفة الحكومة لا نحن”…

 إذا هُم يقطفون ثمار النجاح وأما الفشل فتتحمله الحكومة .

كاتب ودبلوماسي سوري سابق

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. إلى صديقي من الجزائر .. أتفق معك بما نطقت وتحليلك صحيح وهذه قناعتي من خلال الزمن الذي عشته في الجزائر وتعرفت على شعبها الطيب .. ولك تحيات شقيقك السوري من الرحيبة .

  2. تحياتي دكتور.
    80 ٪ ما جاء في المقال يوافق ما نعيشه.

    اريد ان اضيف شيء جد مهم، كان له دور فيما بعد انتفاضة 1988 التي فتحت التعددية السياسية.

    منذ ذلك التاريخ انقسمت الساحة السياسية الى علمانيين (يسار و وطنيين) و اسلاميين.

    ذكاء الجيش تمثل في ضرب هؤلاء بهؤلاء، حتى اماع وضرب مصداقية المعارضة، الحالة التي وصلناها بعد 2010. استغل بوتفليقة الوضع، ووضع الجزائر في المأزق.

    ما اريد ان اقوله، وما علقت سابقا عن مقالتك، دكتور، لا مناص لنا، الامة العربية والاسلامية، من تلاقي العلمانيين والاسلاميين على قاعدة مشتركة تأسس لنهظتنا.

    غير هذا، يأتي من عنده القوة، او المال ( كما يحاول بعض ارباب العمل عندنا منذ الرءاسة الرابعة) و يتموقع بين هؤلاء وهؤلاء و يفعل ما يريد وحسب المواقف الخارجية.

    أسعد بقراءة مقالاتك دكتور.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here