د. عبد الحميد سلوم: ألا يجدُ مشايخ الفتنة الطائفيون وقنواتهم التحريضية الطائفية السنية والشيعية في كل تاريخ الإسلام سوى المحطات السوداء؟ ألا تُوجد محطات بيضاء مُشرِقة؟ لماذا يتجاهلونها؟ 

د. عبد الحميد سلوم

في تاريخنا الإسلامي كما في تاريخ كل الشعوب والأمم محطات سوداء تنبعث منها روائح الدم والكراهية..  ومحطات أخرى تفوح منها روائح المسك والعنبر ، فلماذا لا يحب البعض الوقوف إلا على أرصفة المحطات السوداء الكريهة؟.

 عاشت أوروبا ، كما عشنا، تاريخا دمويا في بعض محطاته .. وحروبا دينية ومذهبية لا ترحم، في أواخر عصورها الوسطى التي امتدّت ألف عام ، من القرن الخامس الميلادي وحتى القرن الخامس عشر  .. ثم حروبا سياسية حرقت الأخضر واليابس وحصدت أرواح عشرات الملايين في العصر الحديث وخلال حربين عالميتين.. ولكن لم تتبسمر عقولهم وتفكيرهم عند تلك الحروب ويستمرون بنبش صفحات تاريخ الماضي الأسود وإنما استفادوا من دروسها وعِبَرها وعرفوا كيف يتغلبون على الجراح والآلام والدماء والدموع والأحزان ، وذلك بعكس المسلمين تماما ..

لا أحدا يمكنه أن ينكر أنه في تاريخنا فظائع يندى لها الجبين.. وفي تاريخنا مجازر وقطع رؤوس ونبش قبور وحرق جثث .. وفيه صراعات وحروب فظيعة .. هذا كله موجود بتاريخنا .. ولكن ألا يوجد بتاريخنا غير ذلك لنبني عليه ؟.

حصلت صراعات في الإسلام على الخلافة والزعامة ولكنها في جوهرها كانت خلافات سياسية، ثم انعكست على الدين والتفسيرات الدينية وعلى العقيدة والفقه بهدف تسخير كل ذلك لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، ونشأت بعد ذلك الفُرَق والنحل والملل والانقسامات والصراعات والخلافات التي ما زلنا ندفع ثمنها يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل منذ ذاك الاجتماع الشهير في سقيفة “بني ساعدة” إثر وفاة الرسول (ص) وحتى يومنا هذا، ونبني على تلك الصراعات ونُراكِم فوقها الأحقاد، تماما كما يُراكِم عمّال القمامة الأوساخ في مكَبِّ القمامة كل يوم .

لماذا لا نبحث وننكش في التاريخ عن أشياء جميلة ونراكم فوقها ، بدل العكس؟ .

لماذا لا نتذكر أن الإمام علي (ر) بعد ستة أشهر وحينما أدرك أن الإسلام في خطر بسبب أهل الردّة ، سارع وبايع أبي بكر الصدّيق(ر) كي لا يتفتّت الإسلام ويضمحِل..

لماذا لا نتذكر أن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب (ر) كان يستشير الإمام علي ، وأخذ برأيه حينما أراد رجْم امرأة ولّدَت لستة أشهر، فقال له الإمام علي أن الله تعالى قال ( وفصاله في عامين) فالحمْلُ ستة أشهر والفصل في عامين، فترك عمر رجمها وقال : لولا علي هلك عمر..

وللأسف هناك من لا يعترف بذلك مع أن هذا مذكور في كتب: “رياض الصالحين” للإمام النووي، وتفسير النيسابوري”غرائب القرآن ورغائب الفرقان”، وكتاب “المناقب” للخوارزمي، وشرحِ “الجِامع الصغير من حديث البشير النذير” للسيوطي،  وغيرها …فهناك دوما من لا يرغب في التقريب بين المسلمين ويُصرُّ على التمسك بكل ما يباعد بينهم..

لماذا لا نتذكّر أن الإمام أبي حنيفة، كان مُناصرا جدا “للعلويين” في مذهبه السياسي ولا يرى في بني أمية حقا ولا سلطانا، ووقفَ مع ثورة الإمام زيد بن علي ضد الأمويين، ومع ثورة الإمام محمد النفس الزكية ضد العباسيين، ورفضَ طلبات أبي جعفر المنصور وعروضه عليه باستلام القضاء، فحبسه حتى توفي ..  وهو الإمام الأعظم (ر ) ..

التاريخ يبين لنا كيف أن أبي حنيفة، وحينما اشتدّ ظلم العباسيين للعلويين(الذين كانوا بالبداية حلفاء لبعضهم) اتَّخذ موقفا معاديا للعباسيين تأييدا للعلويين..

ألَمْ يتدارس أبي حنيفة مع أئمة الشيعة ويزورهم في ديارهم ويأخذ عنهم؟. ألم يعترف بفضل الإمام زيد بن علي زين العابدين والإمام جعفر الصادق الذي كان من عُمُرِهِ؟.

وأما الإمام مالك (ر) فقد أفتى بأحقية الإمام “محمد النفس الزكية” شرعا في الخلافة وهذا ما كلّفه الاعتقال من الوالي العبّاسي على المدينة وضُرِب حتى خُلِعَت كتفه.

 وإن ألقينا نظرة على كتابهِ( الموطأ) فسوف نكتشف كيف أنه اعتبر الاختلافات بين المسلمين اختلافات بالفروع ووصفها أنها رحمة للأمة، وبيَّن أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اختلفوا في الفروع، وتفرّقوا في البُلدان وكلّ عَدّ نفسه مُصيبا، وأوضح أن اختلافاتهم رحمة للأمة، وكلِّ يتّبع ما يصح عنده، وكلِّ على هدى، وكل يريد الله .

 لم يشأ الإمام مالك أن يجمع الناس كلهم على (الموطأ) ولو أراد لتمكن من ذلك وحَمَلَ الناس كلهم على مذهبه.. وهذه كانت رغبة هارون الرشيد.. فماذا يعني ذلك؟. أليس درسا عظيما من الإمام “مالك” لنا جميعا على أن لا نتعصبّ  لمذهب دون مذهب وأن يحترم الجميع مذاهب بعض وأن هذه الاختلافات رحمة؟. فلماذا حوّلها البعض إلى نقمة؟.

وأما الإمام الشافعي(ر) فقد (اتّهموه) بالتشيُّع وحاكوا له المؤامرات في قصر هارون الرشيد حتى بعثَ بطلبهِ وساقوه مع تسعة من العلويين ولولا ذكائه وسرعة بديهته لفعل هارون الرشيد به ما فعله بالتسعة الآخرين.

 إنه ذات التاريخ حينما ينشر أحد الدواعش بالماضي على اليوتيوب أن (أهل غزّة شيعة لا يجوز نصرتهم ضد الصهيونية).. وربما انطلق من ذلك كون غزّة تسيطر عليها “حماس والجهاد الإسلامي” وهؤلاء لهم خطوط مع إيران، أو لأن أهل غزة من أتباع الإمام الشافعي الذي كان متأثرا بِفقهِ الإمام جعفر الصادق، وكان مُتّهما (أي الإمام الشافعي) في زمن هارون الرشيد بالتشيُّع .. وهارون الرشيد والعديد من الخلفاء العباسيين كانوا من “المعتزلة” الذين يعتبرون القرآن موضوعا وليس مُنزَلا.. هؤلاء كانوا يحاربون الأئمة ليس من أجل الدين وخوفا عليه وإنما خوفا منهم على سلطتهم السياسية .. فهم أرادوا أن يحصروا بهم الزعامة السياسية والزعامة الدينية، فكانوا يخشون من زعامة الأئمة الدينية وتأثيراتها على المسلمين ولا يتقبلونها..

الإمام أحمد بن حنبل (ر) كان بنفسه في زمانهِ يردُّ على من يشكك بخلافة الإمام علي بعد (عثمان)، ويؤكّد شرعيتها ويقول 🙁 من لم يُثبِت الإمامة لعلي فهو أضلُّ من الحمار) ..وقد روَى فضائل الإمام “علي” في “الصّحاح” وقال ( وما لأحدٍ بالأسانيد الصّحاح مثل ما لِعلي ).. ونهى عن الخروج بالسيف..

أليسَ هؤلاء الأئمة (ر) وقبلهم الخلفاء الراشدون (ر)هم من أهل السلف الصالح؟. إذا لماذا لا نقتدي بمحبتهم لبعض واحترامهم لبعض وتعاونهم مع بعض؟..

ألم يحترم الأئمة الأربعة الإمام جعفر الصادق؟. أليسَ الإمام جعفر الصادق صاحب المدرسة الفقهية للشيعة الإمامية ، وإمام كل الأئمّة ، إن جاز التعبير؟.

لماذا لا نتأثر بأهل الورع والتقوى والزهد والمحبة في تاريخنا الإسلامي : أبو حامد الغزالي ، محيي الدين بن عربي، جلال الدين الرومي ..الخ..

هل أجمل من قول محيي الدين بن عربي :

لقد صار قلبي قابلا كُلَّ صورةٍ …. فمرعَى لغُزلانٍ ، وديرٌ لرُهبان

وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبةُ طائفٍ …. وألواحُ توراةِ ومُصحف قرآن

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجّهتْ …. ركائبه، فالحب ديني وإيماني …

منبع الأديان السماوية واحد، ولكن الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر، وكل الأديان والمذاهب بالنتيجة هي طرق توصل بالنهاية لذات الغاية، وهي( الله)… فبأي حق يعتبر البعض أنفسهم أوصياء الله على الأرض وهم الصحيح فقط وغيرهم كفارا يجب قطع رؤوسهم؟. هل لديهم صكّا إلهيا مكتوبا بذلك وأنهم وحدهم الحق وغيرهم الباطل؟.

من أين جاءت ثقافة التكفير والقتل؟. أليسَ هذا فكر الخوارج؟. وهل في زمن الخلفاء(ر) وحتى زمن الأئمة من بعدهم في القرنين الثاني والثالث الهجري، هل هناك من كفّرَ أحدا سوى الخوارج الذين كفّرَوا الجميع؟. أليس ذات الفكر الذي يمارسه التكفيريون اليوم بتكفير الجميع ؟.. بل هل ارتكب الخوارج الفظائع والشناعات التي يرتكبها التكفيريون في زماننا هذا؟..

ماذا كان تبقى من الإسلام لو انتصر خوارج (صفيِّن)؟. ماذا لو لم يهزمهم الإمام علي في (النهروان)؟. وماذا لو انتصر التكفيريون اليوم؟. ماذا كان تبقى من الإسلام؟.

المسئولية الدينية والأخلاقية والتاريخية والحياتية والأدبية تقتضي من الجميع الابتعاد عن أوساخ التاريخ وطمرها في أعماق الأوحال حتى لا ينفذ منها أثرٌ من رائحة، واستنشاق نسمات التاريخ العبِقة الزكية المضيئة التي جسّدَها سلوك الصحابة والأئمة (ر) مع بعضهم البعض ..

بماذا يختلف المشايخ الطائفيون، سنّة وشيعة، عن الدواعش؟. كل خطابهم خطابا تكفيريا، وهذا فكر الدواعش..والمفارقة أنهم جميعا يدّعون العداء لإسرائيل والصهيونية، نظريا، بينما عمليا فإن خطابهم الطائفي هو أكبر خدمة لإسرائيل والصهيونية .. فإسرائيل والصهيونية تخطط لتقسيم الأمة وشرذمتها وضربها ببعض، والمشايخ الطائفيون بخطابهم الطائفي يحققون ذاك الهدف..

بل وصلت الوقاحة بأحدهم من العراق يدَّعي المشيخة، ويُدْعَى (ج. الصغير) أنه نشر فيديو بالماضي بالصوت والصورة، يتهم فيه فرقة دينية كاملة في سورية بأنها لا تعرف إلا “الفساد وتركِ الدين والفاحشة” .. مع أن هذه الفرقة محسوبة على فرق الشيعة.. أمثال هذا الصغير(الصغير اسما وقولا وفعلا وعقلا) يجب فضحهم لكافة أبناء الأمتين العربية والإسلامية وبدون حرَج ولا تردد.. والرد الأفضل على هؤلاء الصغار هو قول  المتنبي:( وإذا أتتك مذمتي من ناقص .. فهي الشهادة لي بأني كامل) ..هذا ما يجب قوله لكل شيخ طائفي ظلامي متخلف تافه صغير العقل والتفكير، من أية طائفة كان.. لا أرى فرقا بين الأخواني السنُّي والأخواني الشيعي إلا من حيث المفهوم للمرجعية ..

أدعو الفضائيات الدينية الطائفية ( شيعية وسنية) التي لا شأن لها سوى التحريض الطائفي البغيض، وبث ثقافة الأحقاد والكراهية (وهي معروفة للجميع، وتعرفُ ذاتها من بريطانيا  وحتى الشرق الأوسط)، وكذلك شيوخ الفتنة من السنّة والشيعة، بالتوقف عن النبش في مزابل التاريخ والبناء عليها.. ابحثوا عمّا يُقرِّب وليس عمّا يُفرِّق.. إننا نتقزز منكم ومن خطابكم وشتائكم لبعض وتحريضكم على بعض .. الحقيقة المطلقة لا يعرفها إلا الله وأنتم لستم سوى عبيدا عند الله كما كافة مخلوقاته..

 كفى .. اتقوا الله في الإسلام، وتمثّلوا قول الرسول(ص): (بشِّروا ولا تنفِّروا ويسِّروا ولا تُعسِّروا)..

ألمْ تقرئوا قول الله تعالى في سورة آل عمران: ( لو كنتَ فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ..) صدق الله العظيم .. فأين أنتم من هذا القول؟..

دعوا البشر وشأنها، ومَن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ويبقى الدّين أخيرا علاقة خاصة جدا وفردية بين الخالق والمخلوق وكلٍّ حرٍّ في دينه وعبادته وأن يعبد الله كيفما يرى ويشاء دون تدخلٍ من أحد، وطالما أنه لا يؤذي ولا يضرُّ أحدا.. (والمسلم من سلم الناس من يده ولسانه) والله يحاسب كلٍّ بمفرده وكل فرد مسؤول لوحده عن أفعاله .. والله  لن يحاسب أحدا عوضا عن غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى.. ولا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء.. “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا” (سورة يونس 99) .. “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة” (سورة هود 118).. والدّين هو المعاملة، أي القيم والأخلاق والسلوك الحسن..

 أليست كل هذه ثقافة إسلامية؟. ألا يعني أن الإسلام ذاته سمح بثقافة الاختلاف والتنوع والتعدُّد ؟. أليس الإسلام من دعا إلى ثقافة الحوار والجَدَل بطريقةٍ لطيفةٍ لَبِقةٍ حُسنى؟. ألم يحاور الله بعظَمَة جلاله ( إبليس اللعين) في سورة الأعراف؟.حينما قال له: ( ما منَعكَ ألّا تسجدَ إذْ أمرتُك . قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلَقتَهُ من طين . قال فاخرُج فاهبِطْ منها فما يكون لك أن تتكبّر فيها فاخرُجْ إنكَ من الصاغرين. قال أنظُرني إلى يوم يُبعَثون . قال إنّك مِنَ المُنظَرين . قال فَبِما أغويتني لأقعُدَنّ لهُم صراطك المستقيم . ثمَّ لآتِيَنّهُم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيْمانهم وعن شمائلهم . ولا تجدُ أكثرَهم شاكرين . قال أخرُجْ منها مذءوما مدحورا . لَّمَنْ تبِعكَ منهم لأملأنّ جهنّم منكم أجمعين .. ) صدق الله العظيم..

وفي آية أخرى يقول الله لآدم وإبليس: اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ..

 لماذا يتجاهل الطائفيون والتكفيريون ذلك وكأنه غير موجود؟. ألا يعني ذلك أنهم يخالفون الإسلام؟.

وأخيرا، ليس من حق أحدٍ أن يفرض على أي مسلم آخر أي نمط خاص للحياة، إسلامي أو غير إسلامي.. كلٍّ حرٍّ في حياته طالما أنه لا يعتدي على أحد ولا يتجاوز حدوده مع أحد ولا يتدخل بحياة أحد ولا يستفزُّ أحد، وكلٍّ له عقله ويعرف أن يفكر.. ومن أراد فرْض النمط الإسلامي في الحياة فليفرضه على أهل بيته، ونقطة على السطر..

 كاتب وسياسي سوري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا لك دكتور سويلم مقالك رائع يستحق ان يقرأ وان يكون ورقة بحثية انة قلم من رصاص استمر فلك مع الشمس لقاء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here