د. عبدالسلام زاقود: ليبيا بين مطرقة التقسيم وسندان الفوضى

د. عبدالسلام زاقود

أحسب أنه يتفق معي الكثير بأنه يصعب على الإنسان أن يحظى بحياة كريمة حين يفقد وطنه، وأن من يفقد ُوطنه يفقد قدرًا كبيرًا من هُويته، حيث إن الهُوية الفردانية لا يمكنها التعالي في ظل انخفاض الهُوية الجمعية.

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف لكاتب ليبي أن يُمسك بمشرط القلم ليُشرّح الحالة المأساوية التي يعيشها وطنه، غير أنه ولا بد من الإسهام في تحليل بعض النقاط علّ ذلك يكون مثارًا لعمل وطني يقضي بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إذ لقد أتى على الوطن الليبي حين بلغ العقد من الزمن يئن تحت وطأة الاحتراب الأهلي، والاقتتال الداخلي الذي أتى على الأخضر واليابس كما يقولون، إلا إن الأمر ازداد تعقيدًا في الآونة الأخيرة حين تجاوز الأمر مسألة الصراع على السلطة، وقصة التنازع الداخلي، وحدّوثة الحرب الأهلية، وغدا حربًا دولية بامتياز، بأياد ليبية وغير ليبية، وأسلحة ليبية وغير ليبية، تجذّر خلالها الصراع، وازدادت ضراوته، وصارت الدول تمارس تصفية حساباتها، وتختبر درجة نفوذها الدولي داخل الجغرافية الليبية، أفلسنا شهود عيان على خرق سافر للسيادة الليبية التي باتت أثرًا بعد عين، ألسنا شهودًا على مساومات دولية مُشتملة على التفاوض باسم الليبيين ونيابة عنهم، ومن دول تدّعي زورًا وبهتانًا رغبتها في حل المعضلة الليبية.

إنني وكمتتبّع للتفاعلات السياسية بشأن ليبيا، ومعني بها، كنتُ ولا أزال ممن يؤمن بصعوبة، أو حتى استحالة انتصار طرف على طرف في ليبيا، ذلك أن مهندسي الصراع الليبي بإمكانهم دعم أي من الأطراف حالة رؤيته يتقهقر، وبذلك سيستمر الدعم، والدعم المضاد، الهجوم والهجوم المقابل، لنكون في حلقة مُفرغة، فلا الوفاق ستكون قادرة على حسم الصراع لصالحها، ولا القوات المسلحة سيُتاح لها المُضي قُدمًا للسيطرة على كامل التراب الليبي، فيما يُعرف حديثًا بتوازن الضعف، الذي لا يقود إلى التوازن بمقدار ما يقود إلى الفوضى.

إن استمرار الفوضى وارد بشدة، فوضى مليشياوية غير مسبوقة، زاد طينها بلة المليشيات المستوردة، والشركات الأمنية المستأجرة، والطائرات الغازية، ناهيك عن الجرائم الاعتيادية التي لا حصر لها بشكل يومي، ومن هنا يُثار التساؤل عن الحل لهاته الأحجية؟

إن الحل وعلى صعوبة إيجاده، إلا أن إمكانية ذلك الإيجاد ليست بمستحيلة، حيث ولتفادي الأسوأ المتمثل في خيارين أحلاهما مُر، حيث الفوضى الظاهرة، أو التقسيم الذي بات الشبح الذي يتهدد الجغرافية الليبية، ينهض الحل على الآتي:

أولاً: لئن كان التسرّب الوظيفي أمرًا مذمومًا، فإن التسرّب من المليشيات، والمجاميع المسلحة لهو أمر محمود بكل المقاييس، ولذلك على العقلاء، والحكماء، والنّخب، محاولة تحييد أكبر عدد ممكن من الشباب الليبي من دائرة التسلّح، فكل فرد سالب، سيكون معادلاً إيجابيًا في مسألة الحل.

ثانيًا: المدن، والمناطق، والقبائل، … ينبغي عليها ممارسة الاصطفاف الطوعي، أو القسري من خلال تجنّب الحرب، والتضافر الأهلي لتكوين أحلاف جديدة، وترابطات وطنية، أسّها رفض الفوضى القائمة، ومعارضة الحكومات الحالية، والبحث عن تنظيم جديد مؤقت، توكل إليه مهام تسيير البلاد، إلى حين إيجاد الآلية الأنسب لإدارة شؤون البلاد بصورة مستمرة.

ثالثًا: البحث عن شركاء دوليين حقيقيين، والتعاون معهم، والاستعاضة عن التعامل مع الوكلاء، وهنا أستحضر حوارًا بين الحسن الترابي وأحد رجالات النظام الليبي السابق حين وجه إليه القول، إن حكومة النميري عندكم كانت عملية لأمريكا، فرد الترابي (أن تكون عميلاً لواشنطن أفضل من عميل لطرابلس)، وهنا لا أروّج للعمالة بمقدار ما أرى أن الشاهد في القول يتمثل في إنه علينا التعامل مع مركز القرار بدل التعامل مع بعض الأقطار العربية التي زادتنا خذلانًا.

وأخيرًا، أتمنى أن ينهض الوطنيون ليحملوا على عاتقهم مسؤولية إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث إننا على شفا جرف الندم، ولئن قُسّم الوطن، أو استمرت به الفوضى، فلات ساعة مندم.

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here