د. عارف بني حمد: الكارزما أو الكيمياء السياسية للمسؤولين  في العالم الثالث  

د. عارف بني حمد

كلمة “كاريزما” مشتقة من الأصل اليوناني “كاريز” التي تعني الموهبة أو البركة من السماء، فالفرد الكاريزمي يعني الإنسان الذي أضفت عليه المقادير نعمة الجاذبية وقدرة التأثير إلى حد الإلهام على الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات . والمدرسة الألمانية  أبدت إهتماما بهذا الموضوع ، وكان من أعلامها المفكر الشهير “ماكس فيبر” الذي عرف الكاريزما بأنها موهبة يحظى بها أفراد غير عاديين من القادة والزعماء الذين يُحدث خطابهم العام فعل السحر في الجماهير.

أما الكيمياء السياسية فقد تم تعريفها بأنها: قدرة القادة على إحاطة أنفسهم بهالة من الجاذبية والقبول الجمعي، وخلق مواقف انطباعية إيجابية من خلال ما يتمتع به من سمات جسدية، أو فكرية، أو سلوكية “فطرية أو مكتسبة” من قوة، ومصداقية، وثقة بالنفس، وقبول النقد، وطلاقة في الخطاب، والقدرة على إلهاب مشاعر الجماهير، وتحمل المخاطر، وتبني برنامج سياسي واقعي يلبي حاجات الجمهور ويرتقي برغباتهم. وكلما كانت السمات الشخصية والجسدية والفكرية والسلوكية أكثر قدرةً على الانصهار، زاد مستوى التمازج بين القائد والبيئة الرسمية والشعبية المحيطة به.

وقد حدد البروفيسور  الأمريكي “آرثر شفايتزر” شروط القائد السياسي الكارزمي ب: الاستقامة الأخلاقية والمناقب السلوكية في شخصية القائد ، إيمانه بالرسالة التي يؤديها تجاه شعبه وقضاياه، تحقيق المصالح العليا للشعب في الحرية والعدالة والأمن والإزدهار ، الإيمان بالرسالة والثقة الكبيرة في النفس التي تساعده على أداء المهمة التي كلفته بها الأقدار، وتجسيد أماني وطموحات وأحلام  شعبه.

وتستمد الشخصية الكاريزمية مصادر قوتها من ثلاثة مصادر رئيسية هي: سمات ومقومات خاصة لدى القائد الكاريزمي (السمات الشخصية)، و”الأهلية” التي يتميز  بها القائد في مجالات عمله وإنتاجه (الكفاءة الشخصية)، ثم تأتي القيم لدى القائد من جانب صوابيتها وتوافقها مع منظومة القيم المجتمعية المترسخة أو المرضي عنها من قبل الفئات التي تمثل الأكثرية (القيم الشخصية).

والكاريزما لا تعمل في فراغ، ولا مكان فيها للهواة، والقائد الكاريزمي، لا بد وأن يرتبط بما يحقق مصالح الجماهير، وبمعنى أن ترى فيه هذه الجماهير مثلا أعلى للقيم الأخلاقية التي تحترمها والأعراف الثقافية التي تصدر عنها.

وقد تم التمييز بين شرعية هذا القائد وعدم شرعية ذلك القائد ، فهناك قائد كاريزمي يحظى بالشرعية يقود شعبه نحو البناء والتنمية والتطور والسلام العادل والرخاء والإزدهار . بينما هناك قائد آخر، لكنه أقرب إلى زعيم عصابة، يفتقر إلى شرعية البناء والتنمية والعدل والسلام، ويقود البلد  إلى الهدم والتدمير، أو إلى إشعال الصراعات وانتهاك الحرمات وتدمير القيم التي تنظم حياة الناس.

وقد ركزت الدعاية في العالم الثالث على خطاب سياسي يصنع من “الحكام” شخصيات ملهمة منجزة متفانية، في سياق ثقافي إعلامي تربوي مصطنع يمجد إنجازات وهمية أو شكلية أو صغيرة.

وقد حاول العديد من القادة الدكتاتوريين في العالم الثالث استعراض القوة،  ونشر الرعب في صفوف الجماهير، ودفعهم للالتفاف حولهم ، مدفوعين بجنون العظمة والتمركز حول الذات والرغبة في مناطحة النجوم؛ كي يكونوا محور الاهتمام المحلي والعالمي، ويتصدروا المشهد في جميع المناسبات. مع الإشارة الى أن الكثير من الأزمات كان محركها الأساسي ظهور قيادات سياسية تعاني من عقد نفسية، ونرجسية سلوكية، وشعور دائم بالنقص، والرغبة في تحقيق الذات بأي ثمن.

والخلاصة أنه لا يمكن لقائد تقليدي روتيني أن يحقق الكثير من النجاح والكارزما  طالما أنه لم يحقق إنجازات تخدم مصالح الناس ، وطالما أن سلوكه وفكره لم يتمازج مع توجهات وقيم المواطنين، ولم يلقَ الكثير من القبول والرضا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here