د. عارف بني حمد: الحل السياسي وإعادة بناء الدولة السورية

 

د. عارف بني حمد

أختتمت في العاصمة الكازخستانية / أستانة أعمال الجولة الحادية عشرة،حول سوريا ، دون تحقيق تقدم ملموس للملفات الرئيسية، الخاصة بعودة اللاجئين والمعتقلين وتشكيل اللجنة الدستورية، ووقف إطلاق النار وإعادة الإعمار. وعبر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا (ستافان دي ميستورا ) عن أسفه “لفرصة ضائعة” في جهود التوصل إلى حل سياسي في سوريا مع اختتام محادثات أستانة التي لم تحقق تقدما نحو إنهاء النزاع في هذا البلد.

والجدير بالذكر أن الأزمة السورية التي إندلعت عام (2011) ، لا تزال مستمرة  كونها مركبة ومعقدة تداخلت فيها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية ، وقد لعبت أيضا الأهمية الجيوسياسية لسوريا دورا في تحول الأزمة من داخلية الى أزمة إقليمية ودولية، وساهم الصراع الدولي (الأمريكي – الروسي) والاقليمي (التركي ، الإيراني ، السعودي والإسرائيلي ) في تعميق الأزمة وإستمرارها ، إضافة الى أن غياب أي تفاهم أمريكي – روسي حول مستقبل سوريا ساهم في عدم التوصل الى حل سياسي للأزمة السورية، مما يرجح  سيناريو (اللاحل) في المدى القصير الى أن يتم الإتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على تقاسم النفوذ والمصالح وبما يراعي المصالح الإسرائيلية المتمثل بالقضاء على الوجود العسكري الإيراني والميليشيات المواليه لها  في سوريا .

وفي حالة التوصل الى تفاهم أمريكي – روسي حول الحل السياسي في سوريا ، فإن الدولة السورية بحاجة الى إعادة بناء على أسس جديدة بما يضمن حقوق كل مكونات المجتمع السوري ، ويعني مفهوم إعادة بناء الدولة إدخال تحولات جذرية في بُنية مؤسسات الدولة لكي تتمكن من أداء وظائفها الأمنية والاجتماعية والسياسية بكفاءةٍ تستند إلى الشرعية والرضا المجتمعي، أو إلى تأسيس وتقوية الهياكل والأبينة العامة داخل الدولة ، بشكلٍ يمكّن هذه الأبنية من توفير الخدمات العامة، وبناء سلطة ذات سيادة تتمتع بالحق في احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية.

  وستواجه عملية إعادة بناء الدولة السورية العديد من التحديات والإشكاليات، وأبرزها:

  1. التدمير الكامل للبُنية التحتية.

  2. ضخامة المبلغ المطلوب لعملية إعمار سوريا ( اكثر من 300 مليار دولار ).

  3. عدم نجاح الجهود السياسية (مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة ، ومفاوضات آستانة وسوتشي التي ترعاها روسيا وتركيا وايران) بسبب عدم وجود تفاهم أمريكي – روسي حول مستقبل الحل في سوريا ،علما بأن الإدارة الأمريكية  ترفض دعم عملية إعادة إعمار سوريا إلا بعد إتمام عملية الإنتقال السياسي برعاية الأمم المتحدة .

  4. غياب النماذج والخبرات الناجحة ، مع الاشارة الى فشل تجربة إعادة بناء الدولة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي عام (2003) .

  5. تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، وانتشار السلاح بين المواطنين.

  6. تعقيدات قضايا النازحين واللاجئين.

  7. ضعف المؤسسة العسكرية والأمنية القادرة على تأمين وحماية عمليات إعادة البناء والإعمار.

  8. الإحتقان الطائفي والمذهبي، والانقسامات داخل المجتمع .

  9. كثرة التنظيمات وفصائل المعارضة السورية والخلافات فيما بينها .

  10. تداخل وتشابك المصالح الدولية والإقليمية في سوريا.

وتم طرح العديد من نماذج الحكم المقترحة لسوريا المستقبل بعد إنتهاء الأزمة تمثلت: بالفيدرالية الطائفية والقومية، المركزية، اللامركزية، ونظام ديمقراطي، وبالنظر الى طبيعة المجتمع السوري ومكوناته الاثنية والدينية والطائفية، وتعمق الشرخ وعدم الثقة بين هذه المكونات، يتطلب إعتماد النمط التوافقي(الديمقراطية التوافقية) لإعادة بناء سوريا، وتتضمن الديمقراطية التوافقية، تشكيل حكومة إئتلافية يشارك فيها كل مكونات الشعب السوري، مبدأ التمثيل النسبي في الوزارات والمؤسسات والإدارات، وحق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات على حد سواء لمنع إحتكار السلطة.

ونقترح الآليات التالية لإعادة بناء  الدولة السورية:

  • إنهاء الصراع ووقف اطلاق النار رسمياً، وتحقيق المصالحة الوطنية، ويتم ذلك من خلال توقيع إتفاق بين أطراف النزاع برعاية الأمم المتحدة ،على ان يكون اتفاق جنيف/1) لعام (2012) والقرارات الدولية، خاصة القرار (2254) إطارا عاما للحل .

  • إزالة آثار النزاع، مثل تسليم السلاح، وإعادة المناطق التي تمت السيطرة عليها من بعض الأطراف، وعودة اللاجئين والنازحين، وإزالة الألغام، ومحاسبة مرتكبي الجرائم.

  • تطبيق التسوية السياسية، ويتم فيها الإتفاق على وضع دستورجديد يتضمن الإتفاق على شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم والنظام الانتخابي.

  • إعادة بناء المؤسسات لتكون قادرة على حفظ وإرساء الأمن.

  • إعادة هيكلة العلاقات المدنية- العسكرية، ويتم ذلك من خلال جمع السلاح من المواطنين ونزع سلاح الفصائل الراغبة في الإنخراط في العملية السياسية، ودمج الميليشيات المسلَّحة في المؤسسة العسكرية كأفراد وليس كمجموعات فرعية داخل الجيش، بالإضافة إلى وضع مجموعة من الضوابط القانونية والمؤسسية لضمان الحياد السياسي للمنتمين للمؤسسة العسكرية .

  • نشر ثقافة السلام وقيمه المتمثلة بالحرية، والعدالة، والديمقراطية، والتعايش، ونبذ ثقافة العنف والصراع.

  • ضمان حقوق الأقليات.

  • ترسيخ مفهوم المواطنة القانونية، من خلال بلورة هوية وطنية جامعة قادرة على إستيعاب جميع الولاءات الفرعية.

  • ترسيخ قيم الثقافة السياسية والمشاركة السياسية والتنشئة السياسية والتعددية السياسية والحزبية ودعم مؤسسات المجتمع المدني ، ومبدأ التداول السلمي للسلطة.

  • تجسيد سيادة القانون على الجميع، والعدالة الإجتماعية.

  • إنهاء التواجد العسكري الأجنبي ، وإخراج المقاتلين الأجانب من سوريا .

  • عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here