د. عادل محمد العذري: رحلةُ مع الكواكبي في دروب الاستبداد

د. عادل محمد العذري

في حياة كل أمة من الأمم كواكبُ مُنيرة، أرادت العزة لهذه الأمة التي ينتمون إليها، حينما تصبح قيم الحياة منعدمة لديها، ولم يأتي الموت بعد ليواريها. فتعمل عقلها بحثاً في جذور المشكلة، علّها تجد مخرجاً، لتبقي على مكانتها ووجودها تحت الشمس وفوق الأرض بعزة وكرامة وإباء. من أولئك المفكرين عبد الرحمن الكواكبي وكتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد في عام 1902 م ونحن اليوم في عام 2019م.

نحن أمام 117 سنة أي ما يزيد عن قرن من الزمان، ليصدق قول موشيه دايان في العرب ” إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يطبقون، وإذا طبقوا لا يأخذون حذرهم”. وهو ما يشهد عليه حاظر وواقع الأمة في وقتها الراهن! ينطلق الكواكبي من البحث في المسالة الاجتماعية في الشرق العربي، ويتسأل عن أسباب الانحطاط وما هو الدواء؟

ويرى في الاستبداد السياسي مكمن المشكلة بعد ثلاثين عاماً من البحث والتمحيص، ليهتدي إلى الدواء في الشورة الدستورية، فلم تكن التجربة الديمقراطية في عصره وفي بلاد الشرق قد اتضحت ملامحها كما هي اليوم، بصورتها المزيفة في واقع تطبيقها. يقول الكواكبي ان لكل نبأ مستقرا، ولو علم انه بعد 117 عاماً من كتابه لم يستقرا ذلك النبأ في حياة الأمة، فمتى يحين موعد ذلك النبأ؟

عسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات كما يقول الكواكبي. ولان الاستبداد يرتبط بالنظام السياسي ودور الدولة في حياة الشعوب التي ترتبط بها. وهو من صميم علم السياسة والدارسين بها، فعلم السياسة كما يراه الكواكبي هو ” إدارة الشؤون المشتركة بمقتضي الحكمة ” والتي يصرفها الاستبداد عن منهج الحكمة المشتركة بمقتضى الهوى. يُثير الكواكبي العديد من التساؤلات الفلسفية حول مفهوم الاستبداد وأسبابه وأعراضه وكيفية الحد من تلك الظاهرة. نسلط الضوء على مفهوم الاستبداد كما قدمه الكواكبي. ما هو الاستبداد؟

 يُعرف الكواكبي الاستبداد لغٌة” هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو هو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة” ويرد مفهوم “استبد” في بعض معاجم اللغة ” بمعنى حكم بأمره، تصرف بصورة مطلقة، غير قابل الاعتراض أو ظلم، فرض الإرادة من دون مبرر، حسب الرغبة والاهواء. أما الاستبداد في المصطلح السياسي أو الوصفي يقول الكواكبي ” هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة. أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما التي تتصرف في حكم الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا حساب محققين “. ويرد المفهوم في موسوعة السياسية ” حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر إلى رأس المحكومين.

 “ويرى الكواكبي” اشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق ،الوارث للعرش القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية، نتيجة سيطرة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة”. كما يظهر الاستبداد في أشكال حكومة الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول ولا يراعى مصالح الأمة.

 ومتى أمنة تلك الحكومة المسئولية والمؤاخذة، نتيجة غفلة الأمة، بالجهل والجنود المنظمة (المؤسسات العسكرية والأمنية) لحماية تلك الحكومة. التي تفسد أخلاق الأمة وتعلمها الشراسة، والطاعة العمياء والاتكال وتكلف الأمة الانفاق الذي لا يطاق لتأييد الاستبداد المشؤوم. ويمكن تخفيف وطأة الاستبداد، كلما قل الارتباط بالأملاك الثابتة والتفاوت بالثروة، وترقى الشعب في المعارف.

ويستطرد الكواكبي بأقوال الحكماء التي تصف المستبد، ليتخلص الانسان المقهور، من براثن الاستبداد، لتعرفه بعدوه، هذا عدوك فأنظر ماذا تصنع؟

ومن تلك الاقوال” المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه انه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق” والتداعي لمطالبهم في الحرية والكرامة والمشاركة. على جماهير الشعب أو الرعية ” أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة لحاكمها؟ تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!”.

لقد خلق الله الانسان حراً مُكّرماً، قائده العقل مناط التكليف لمنهجه، فكيف ابى إلاّ ان يكون عبدا قائده الجهل! .

كما يقول الكواكبي ” أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل”. ويقرر الكواكبي حقيقة بقوله” فالمستبدون يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم الأحرار” وللقصة بقية…

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. قال عمر إبن الخطاب رضي الله عنه، جملته الشهيرة.
    متى إستعبدتم الناس، وقد ولدتكم أمهاتكم أحرار.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here