د. طارق ليساوي: هل البلدان العربية نموذج عملي “للإستبداد الشرقي”؟

د. طارق ليساوي

عندما نتحدث عن التغيير في العالم العربي و ضرورة الخروج من حالة الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديموقراطي أو “الشوري” ، و نعتبر ذلك رافعة التنمية و النمو الاقتصادي، لأننا على قناعة بأن  أزمات العالم العربي في جوهرها غير مرتبطة بنذرة الموارد، و إنما بفساد الإدارة و غياب الحكم الفعال،و أيضا نتيجة للزواج الكاثوليكي بين السلطان و التجارة، و موقفنا هذا و خاصة عندما أحيل في الغالب إلى التجربة التنموية الصينية ، يعرض كاتب المقال أحيانا إلى درجة من النقذ من قبل زملاء مهنة التدريس أو الإعلام .. و الواقع أني مرارا و تكرار ما أنبه القراء أو الطلبة إلى أن العلاقة بين “الديموقراطية” و التنمية الاقتصادية ليست معادلة رياضية ، فمن الممكن أن يتحقق نمو اقتصادي في ظل غياب حكم ديموقراطي و فقا للتصور الغربي، فالصين ليست بالبلد الديموقراطي ، فهي وفقا للمعايير الغربية بلد ديكتاتوري ، لكن مع ذلك نجح “الحزب الشيوعي الصيني” في تحقيق التنمية و بفعالية تفوقت عن ماهو موجود بأعرق الديموقراطيات…

والواقع، أن موضوع العلاقة بين الديمقراطية والتنمية من الموضوعات المعقدة التي شغلت  الأكاديميين وصناع السياسة لعدة عقود، و سنحاول في هذا المقال و غيره، تسليط الضوء مجددا على أهمية الديمقراطية كعملية وعلى التنمية كمحصلة، ثم سنقيّم الارتباطات السببية الأساسية بين الديمقراطية والتنمية، و هذا الأمر سيقودنا إلى نقاش واسع يتصل بنظرية التحديث وظهور الديمقراطية، و أطروحة أن الديمقراطية شرط مسبق للتنمية، في مقابل الرأي القائل بان الأنظمة التوتاليتارية هي أفضل في تعزيز التنمية…و هذا النقاش له صلة بالفشل –المرحلي- للثورات العربية، وعدم قدرة البلدان العربية على تحقيق انتقال ديمقراطي ناجع، على غرار ما حدث في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأفريقيا… و هذا الفشل يقودنا إلى التساؤل عن العوامل البنيوية التي تساهم في ترسخ الاستبداد في المنطقة العربية، كالقمع والفقر والجهل والدعم الغربي للأنظمة السلطوية، و هل الاستبداد في العالم العربي  متجذر وأصيل في الثقافة العربية، وبالتالي من الصعب تغييره أو الإفلات منه تبعا لأنصار أطروحة “الإستبداد الشرقي” …و عليه فإن هندسة المقال ستشمل محورين : الأول نظرة شاملة لمفهموم الديموقراطية، و أساسيات الحكم الديموقراطي، و الثاني، تحليل مفهموم الاستبداد و دلالات مفهوم الاستبداد الشرقي، و لماذا نؤمن أن هذا المفهوم ينطبق -إلى حد بعيد- على واقع أغلب البلدان العربية …

أولا- مفهوم الحكم الديموقراطي:

مبدئيا  مصطلح “الديمقراطية” له جذور لاثينية فقد نشأ  في اليونان، وهي كلمة مكونة من شقين:(زيموس، وتعني شعب)، و(كراتوس، وتعني حكومة)، وتركيب الشقين يعني حكومة الشعب لنفسه، وقد كانت أثينا أول المدن اليونانية التي شهدت تطبيق الديمقراطية، وقد كانت الديمقراطية علاجا ناجعا آنذاك لكثير من الآفات السياسية والاجتماعية في “أثينا”، ثم ما لبثت أن أضحت سببا في العديد من الآفات الاجتماعية والسياسية

و يمكن تعريف النظام الديمقراطي في مستواه الأساسي بمصطلحات إجرائية، فهي في تعريف “شمبتر” “مجموعة ترتيبات مؤسسية للوصول للقرارات السياسية، التي يكتسب بها الأفراد السلطة، بوسائل الصراع التنافسي، عبر كسب أصوات الناس”، و في نفس السياق يحدد “داهل” معايير أساسية للديمقراطية،و يمكن إختزالها على النحو التالي:

  • السيطرة على القرارات الحكومية بشأن السياسة المنوطة مؤسسيا بمسؤولين منتخبين.

  • انتخابات دورية حرة وعادلة

  • – اقتراع عام للراشدين

  • – الحق بإدارة الادارات العامة

  • حرية التعبير

  • حق الحصول على مصادر المعلومات التي لا تُحتكر لا من الحكومة ولا من اي جماعة منفردة

  • حرية التجمع (مثل حق الانتساب وتشكيل منظمات مستقلة مثل الاحزاب السياسية وجماعات المصالح وغيرها.

والجدير بالذكر أن التعريف السابق للديمقراطية ذو نزعة  شكلية، يتضمن الحريات المدنية الأساسية التي تضمن ان تكون العملية الديمقراطية جامعة، متحررة من القمع وتمكّن المواطنين من المشاركة بأسلوب واع ومستقل.

و هذا التعريف الشكلي للديموقراطية، لم يعد كافيا لمواكبة التحولات الحاصلة في البلدان الغربية، و بلدان الموجات اللاحقة للديمقراطية، في كل من بلدان أمريكا اللاتينية و بلدان شرق أروبا و أسيا و بلدان إفريقية ، و لمواكبة هذه التحولات و التحديات الناشئة،  إتجه عدد متزايد من خبراء الديمقراطية نحو تبني تعريفا أكثر موضوعية للديمقراطية، وهو التعريف الذي يعطي أهمية أكبر لدور وأهمية المسائلة، و يتضمن هذا التوجه ثلاثة أبعاد للمسائلة و هي :

  • مسائلة عمودية، تمكّن المواطنين من مسائلة قادتهم السياسيين عبر قنوات الاقتراع في فترات زمنية محددة.

  • مسائلة أفقية، تشير الى آليات المسائلة التي توجد ضمن هيئات متميزة للحكومة ذاتها، بموجبها يصبح لمؤسسات الدولة السلطة والرغبة في الاشراف والتوجيه ومعالجة ومعاقبة ، الأفعال غير القانونية الصادرة من جانب مؤسسات اخرى للدولة.

  • مسائلة مجتمعية، تشير للوظائف المستمرة من رقابة المؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية والإعلام الواسع المستقل على افعال الدولة.

هذا النموذج للديمقراطية التمثيلية الليبرالية،  الذي يقوم على عملية انتخابية عادلة، واحترام الحقوق المدنية والسياسية الأساسية، وتوفير آليات ضرورية للمسائلة تعطي جوهرا للديمقراطية ، اكتسب رواجا عالميا متزايدا عبر العقدين الماضيين، و يكفي للتدليل على ذلك ملاحظة و تتبع إنتقال عدوى الديموقراطية التي إجتاحت أغلب أقاليم العالم .. لكن هذه العدوى لم تستطع أن تخترق جذار الاستبداد و الحكم الديكتاتوري العربي، و هو ما يدفعنا إلى طرح سؤال محوري: هل فعلا البلاد العربية تنطبق عليها مقولة “الاستبداد الشرقي” …

ثانيا- هل البلدان العربية نموذج “لإستبداد الشرقي”؟

مقولة “الاستبداد الشرقي” تعود بجذورها إلى أحد أهم فلاسفة السياسة منذ فجر التاريخ “أرسطو”، الذي يرى أن الاستبداد كامن في الشرق بسبب أن الشعوب الآسيوية تميل بطبيعتها إلى الاستبداد “لأنهم عبيد بالطبيعة” حسب قوله..وفي هذا الصدد، يقول “البرابرة أكثر خنوعا بطبيعتهم من الإغريق، والآسيويون أكثر خنوعاً من الأوروبيين.. و لذلك، فإنهم يحتملون الحكم الاستبدادي دونما احتجاج… هذه الملكيات شبيهة بالطغيان، إلا أن أوضاعها مستقرّة لأنها وراثية وشرعية…

هذا المفهوم  تم تداولهمن جيل فلسفي إلى آخر، بل وعلى ألسنة أهم منظّري الديمقراطية في الغرب، مثل المفكر الفرنسي “مونتسكيو”، صاحب ومؤسس نظرية “الفصل بين السلطات”، والذي يرى أن “الاستبداد الشرقي” قدر يصعب الفكاك منه، حيث يستند الحاكم المستبد إلى الدين لتبرير حكمه، وهو بالنسبة إليه (حكم الجهل، جهل المستبد ذاته، وجهل رعيته، من هنا الغياب التام لكل فضيلة)، كما أنه يرى أن أمراء الشرق “انغمسوا انغماساً شديداً على الدوام في الميوعة والشهوة”..

الفكرة نفسها تناولها الفيلسوف الألماني “هيغل”  والذي يرى أن الحكم الاستبدادي هو “نظام الحكم الطبيعي للشرق” الذي يقوم على أساس أبوي بطريركي. حيث يقوم “النظام الشرقي” على مبدأ شخص واحد حر، هو الحاكم الذي يمارس “حكمه على طريقة الأب مع أبنائه، وأن له حقوقا، لا يجوز معارضتها، لأنه أب للجميع، وطاعته واجب حتمي”. و تبعا لتحليل “هيغل”، فإن الشعب الشرقي “ليس لديه عن نفسه إلا أسوأ المشاعر، فهو لم يُخلق إلا ليجرّ عربة الإمبراطور، وهذا قدره المحتوم، وعاداتهم وتقاليدهم، وسلوكهم اليومي تدل على مبلغ ضآلة الاحترام الذي يكنونه لأنفهسم كبشر”..وهي أيضا الفكرة التي تبناها “كارل ماركس”، ضمن ما أطلق عليه “نمط الإنتاج الآسيوي”.

وقد حلل “عبد الرحمان الكواكبي” نفس الفكرة و لكن وفق تصور مغاير للصورة النمطية التي تبناها بعض فلاسفة الغرب، فقد حاول البحث في أصل الداء الذي يصفه الكواكبي “بالانحطاط الاجتماعي” ف “العوام هم قوت المستبد وقوته، يغصب أمولهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا سرف أموالهم يعتبرونه كريما، وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما”.و قد جعل “الكواكبي” لفظة “الاستبداد” مركزية في كتابه “طبائع الإستبداد” في فلكها بحث جميع متعلقاتها، فأسهب في ذكر أسبابه ونتائجه وأحوال العامة في خضم ذلك، فهو قد عرف “الاستبداد” بأنه تلك “الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة، مصونة بقانون نافذ الحكم”، وهذه الحكومة تستعمل في نظره وسيلتين هما: “جهالة الأمة” و”الجنود المنظمة” ..و يرى الكوكبي أن  بوابة الانعتاق من ربقة الاستبداد، تمر عبر إلزامية بناء نظام أخلاقي في أوساط المجتمعات، كفيل بأن يغير الأحوال نحو المأمول، وأحيانا يرى أن “الإصلاح الديني أقرب طريق للإصلاح السياسي” حيث أن الحكومة في المجتمع الإسلامي -حسبه- هي “حكومة أرستقراطية المبنى، ديموقراطية الإدارة”، كما يرى يرى أن الحرية هي أغلى ما تكسبه الشعوب وتجهد في صونه، فـ “الإنسان خلق حرا قائده العقل” و”الله يرفع الناس بعضهم على بعض درجات في القلوب لا في الحقوق”….

و في ختام هذا المقال نود أن نحيل القراء إلى تحليل الواقع العربي على ضوء المفاهيم السابقة، و النماذج العربية كثيرة و الخطب و المواقف متاحة فيكفي خطاب الرئيس المصري “السيسي” بالأمس، عندما قال أن “مصر يحميها الله ” و تبعا لمنطقه و بالاعتماد على مفهوم المقابلة، فلماذا الله تعالى فضل مصر و لم يسمح بأن تكون مثل العراق أو اليمن أو سوريا؟ هذا الخطاب الذي يحمل قدرا كبيرا من السطحية و الجهالة بحكمة الله جل و علا ، بل وسوء التعامل و مخاطبة المولى عز وجل ، نموذج على عقلية الحاكم العربي و أيضا نموذج لجمهور المحكوميين ، و لعل هذا ما يدفعني إلى القول بأننا حقيقة لازلنا النموذج التاريخي الوحيد الدال على معقولية نظرية أو مفهوم “الاستبداد الشرقي”.. و نعتذر لأننا لم نحلل علاقة الديمقراطية بالتنمية، و سنحاول تناول هذا الموضوع في مقال موالي إن شاء الله… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية  أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. توجد بعض من الدول العربية غارقة بمشاكل اقتصادية واجتماعية لاكنها صاحبة القرار
    واُخرى موء سسات تدار من الخارج

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here