د. طارق ليساوي: من العبث المراهنة على الموقف الأمريكي والدولي لوقف العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني ومقدساته

د. طارق ليساوي

إلى حدود كتابة هذا المقال بلغ إجمالي شهداء العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ الاثنين 109 شهداء ، و تبعا لبيان أصدرته  وزارة الصحة الفلسطينية يوم الجمعة 2 شوال 1442 قالت فيه :“أن عدد شهداء العدوان الإسرائيلي منذ الاثنين، ارتفع إلى 109، من بينهم 28 طفلا و15 امرأة”.. وأشار البيان إلى “أن عدد الإصابات ارتفع كذلك إلى 621 بجراح متفاوتة الخطورة”… لكن في المقابل، نجد أن جروح المستوطنين أو موت مستوطن إسرائيلي بصواريخ المقاومة الفلسطينية، كفيل بتحريك الألة الإعلامية الدولية التي تصور الأحداث في فلسطين بعكس حقيقتها،و حمدا لله أن بعض وسائل الإعلام العربية أصبحت تعمل على نشر الصورة الكاملة بموضوعية ، كما أن كاميرات هواتف الشباب الفلسطيني نجحت في كشف الحقائق و دحض زيف البروباغندا الصهيونية…و نأسف حقيقة عندما نجد أن الإعلام العمومي العربي يميل للرواية الصهيونية و يحاول بدعوى الحيادية بث السم في العسل، أو أنه يتجاهل ما يحدث على أرض فلسطين حتى لا يحرج أنظمة التطبيع …

وعلى الرغم من أن دماء الفلسطينيين عزيزة و غالية على قلوبنا، و جراحهم تؤلمنا ، إلا أننا فرحين و مستبشرين بفتوحاتهم، و التي لا ينكرها إلا منافق أو جاحد يريد أن يفقد  المقاومة الفلسطينية نصرها ، فنحن نرى اليوم أن الصورة تتضح أكثر و لم يعد مجالا للتضرع بأن الصورة غير واضحة ، ففلسطين و المقاومة الفلسطينية و ليس فقط المقاومة في غزة، و إنما في عموم أرض فلسطين المحتلة، و التي نعتقد بأن تحريرها أصبح قاب قوسين أو أدنى ، و نتمنى من المولى عز وجل أن يجعلنا نرى هذا التحرير و أن نشارك فيه و لو بجهاد الكلمة و الدعم الإعلامي و توعية شباب الأمة و هذا أضعف الإيمان…فأحداث فلسطين و الموقف منها معيار للتمييز بين فسطاطين ، فسطاط أهل الحق و يمثله أهل فلسطين من المجاهدين و المقاومين طبعا، و لأحصر المقاومة في المقاومة المسلحة فقط، بل إن ابتسامة الفلسطيني أمام شاشات الكاميرات و هم في قبضة المحتل الصهيوني لها نفس تأثير مفعول صواريخ المقاومة فرسائلها الضمنية تصل إلى قلوب أحرار العالم و تلقي الرعب في قلوب الصهاينة .. و فسطاط أهل الباطل و على رأسهم الكيان الغاصب و المحتل للأرض، و داعميه من المتصهينين العرب و باقي البلاد الغربية التي لا تخفي دعمها للكيان و ممارساته العدوانية ، و قد رأينا في الأيام الماضية موقف الإدارة الأمريكية و كيف أنها أعاقت تمرير قرارا في مجلس الأمن يدين الممارسات العدوانية للصهاينة…فقد إجتمع  مجلس الأمن المكون من 15 دولة عضوا مرتين هذا الأسبوع في جلستين مغلقتين بشأن “أسوأ الأعمال العدائية في المنطقة منذ سنوات”، لكنه لم يتمكن حتى الآن من إصدار بيان عام، لأن الولايات المتحدة راعية السلام و حليف الحكام العرب  لا تعتقد أنه سيكون مفيدا، فدماء الشعب الفلسطيني لا قيمة لها….

فالموقف الأمريكي من الاعتداءات الصهيونية المتكررة على قطاع غزة و على الشعب الفلسطيني الأعزل و انتهاك قدسية المسجد الأقصى و انتهاك المواثيق الدولية ذات الصلة هو إهانة للحكام العرب الذين قدموا الغالي و النفيس من أجل كسب ود الإدارة الأمريكية… كما أن ما يحدث من انتهاكات جسيمة طلية هذه الأيام الماضية في المسجد الأقصى، و باحاته و ساحاته المباركة، و العدوان الغاشم على الشعب الفلسطيني الأعزل في أراضي فلسطين المحتلة و على قطاع غزة، هو إهانة صريحة من قبل الصهاينة لحلفاءهم من العرب المتصهيين، و الذين حرصوا على تبرير قرارهم بالتطبيع مع هذا الكيان السرطاني، بأن ذلك خطوة أساسية في تحقيق السلام و الدفاع عن حقوق الشعب الفلسيطيني، ونقول لهم اليوم لتكن لكم الجرأة لتسمية الأسماء بمسمياتها في إعلامهم العمومي، و بيانات الشجب و التنديد التي أصبحت فاقدة لأي معنى أو مضمون، و مجرد كلمات فضفاضة لذر الرماد في العيون…اليوم بلدان التطبيع أمام اختبار حقيقي فهل تملك القدرة و الجرأة على قطع علاقاتها الرسمية مع هذا الكيان الذي يدنس المسجد الأقصى الذي يعد أولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين، فالأقصى يشكل  أحد أهم المقدسات الإسلامية و فيه نزل قوله تعالى : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من أياتنا، إنه هو السميع البصير) (الإسراء :1)  …

فالرد على اعتداءات الصهاينة لا يمكن أن يتم ببيانات الشجب و التنديد و اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي و الرهان على الموقف الأمريكي ، فكل ذلك مجرد عبث لا فائدة منه و هو محاولة للهروب من الحقيقة، و الحقيقة بنظرنا هو عمالة أغلب الأنظمة العربية ، و تعاطفها الضمني مع الكيان الصهيوني ، و أن صواريخ المقاومة التي تقصف  تل أبيب و عسقلان، كما لو أنها تقصف قلوبهم و عروشهم، لأن غاية هذه الأنظمة و هدفها الأوحد هو قتل إرادة شعوبها، فهي لاترضى أن ترى شعب غزة المحاصر برا و بحرا و جوا منذ عقد و نيف و إسرائيل بطيرانها و جيشها الذي قهر أغلب الجيوش العربية ، يقف عاجزا أمام صواريخ المقاومة البدائية الصنع و المتواضعة  و حجارة الفلسطينين و أجسادهم العارية، لكن ما يحدث في هذا الأيام في القدس و غزة  لا يفسر إلا بقوله تعالى في محكم كتابه :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)} [محمد : 7-8].. وصدق الله العظيم عندما قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال : 17]…فصدق الله و رسوله فهذه الأيات نزلت في سياق مختلف ، فهي نزلت بمناسبة معركة بدر و أحد و غيرها من غزوات النبي و صحابته، لكنها  تنطبق على ما يحدث اليوم في أرض فلسطين و تصور لنا المشهد بدقة بالغة ، أليس أهل الحق اليوم مستضعفين من يقف اليوم مع المقاومين المرابطين في أرض فلسطين من ينصرهم و لو بأضعف الإيمان ، فمناصرين فلسطين أصبحوا قلة..و لو كان غير ذلك لما إستطاعت إسرائيل إستضعافهم و هذه حقوقهم..فكيف يعقل أن شعبا مشكلا من الشتات لا يتعدى تعداده في أحسن الأحوال 10 مليون نسمة أن يهزم و يستضعف أمة تعدادها حوالي مليار و نصف من المسلمين، و أمة عربية تعداد سكانها حوالي 400 مليون نسمة؟

 لكن ضعفنا و غثائيتنا مصدرها التفرقة و التشتت فقد خالفنا منهج رب العالمين الذي أمرنا بالوحدة و الإعتصام بحبل الله ، و أن لا نتفرق كما تفرق غيرنا ، لكن للأسف في الوقت الذي نجحت فيه الأمم الأخرى في التوحد و الاجتماع على كلمة سواء، نجد أن الأمة الإسلامية مفرقة و مشتتت، و ذلك سبب ضعفنا فقد قال تعالى : ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا و أذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوان..) (أل عمران 103) و قوله تعالى : ( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم) ( أل عمران -105)…

  لكن عزائنا أن فلسطين المحتلة تأبى إلا أن تجمع الأمة على كلمة سواء، و تحرج حتى الأنظمة المتخاذلة و تدفعها إلى القيام بالحد الأدنى و هو الشجب و التنديد، لكن لا يختلف اليوم إثنين على أن أغلبية المسلمين الأحرار قلوبهم مع أهل فلسطين و قلوبهم مكلومة مما يحدث من انتهاكات و تدنيس للمسجد الأقصى…

وعلينا في مثل هذه الظروف أن نحذر من الخطاب التضليلي و الانهزامي الذي يروجه المتصهينين العرب،الذين يروجون  لخطاب مضلل، إذ يحملون غزة والمقاومة الإسلامية والوطنية في القطاع خاصة و في فلسطين عامة، مسؤولية الألام والمآسي والمعاناة والمعاملة اللإنسانية التي تعيشها غزة، وضياع القضية الفلسطينية، وتهويد القدس ومحاولات إخراجها من أي تسوية مستقبلية وعرقلة مسار السلام والتسوية ومناهضة صفقة القرن، فهؤلاء المتصهينين العرب ينطبق عليهم المقولة الشهيرة “ملكيون أكثر من الملك “..

و على عكس ذلك، ينبغي دعم موقف المقاومة الفلسطينية و التي اختارت المواجهة و التصدي للعدوان و الانتهاكات الصهيونية بكل الطرق المتاحة، و لها كامل الحق في اللجوء إلى المقاومة المسلحة للدفاع عن حقوقها التي سلبها المحتل الصهيوني، فتحرير فرنسا من المحتل النازي لم يكن ببيانات الشجب و التنديد و إنما بالحديد و النار ، كذلك تحرر الشعب الجزائري من المحتل الفرنسي كان بدفع ضريبة الدم و اللجوء للمقاومة المسلحة، نفس الأمر في مقاومة الاحتلال الأمريكي للفيتنام، و مواجهة الصينيين و الكوريين للاحتلال الياباني لم تكن بالورود و بيانات الشجب و التنديد و الاستنكار…المقاومة حق مشروع تكفله كل الشرائع السماوية و المواثيق الدولية، و من يدعو الفلسطينيين لضبط النفس و القبول بالأمر الواقع حماية لدماءهم فهو يدعوهم للقبول بالخنوع و الإذلال ، و يخدم – عن قصد أو غير قصد- أجندة الصهاينة الذين عندما يفشلون في تركيع المقاومة و كسر يدها يلجؤون إلى دبلوماسية  المكر و الخديعة، لتفريغ تضحيات الفلسطينيين من محتواها، لأنه من غير المسموح للمقاومة أن تعلن انتصارها ..

وعلى الرغم من أننا نتألم  لدماء الشهداء الفلسطينيين ، إلا أننا ندعوهم للصمود فصمودهم يحيي الآمال في تحرر الأمة العربية ككل من أنظمة الخنوع و الاستسلام، و تحرر العواصم العربية يعني بالتبعية تحرر فلسطين و موقف تركيا الرسمي و الشعبي المشرف شاهد على ما نقول ، و نأمل في مثل هذا الوضع أن تقدم السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس على حل نفسها ، بهدف إطلاق يد المقاومة بشقيها السلمي و المسلح و إحراج الأنظمة و الشعوب العربية التي تعتقد أن لفلسطين حقا دولة ففلسطين دولة محتلة بقوة الحديد و النار و إلى حدود 1947 لم يكن في الوجود دولة إسمها “إسرائيل”، و إنما هي دولة مصطنعة صنعها الغرب الإمبريالي و غايتها تفكيك و تفتيت العالم العربي و الإسلامي…و هذا ما سنحاول التوسع فيه أكثر في مقال موالي إن شاء الله تعالى …و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ..

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. ان الصهاينة يجربون في هذه المعركة مدى قدرة تحمل الجبهة الداخلية. لذلك فالغرب لن يتحرك الا اذا طلبوا منه ذلك او في حال تدهور الاوضاع الى مواجهة شاملة. . لقد فهم الصهاينة جيدا ان القدس والمسجد الأقصى المبارك خط احمر. وهذه معادلة يجب تثبيتها. تحية إجلال لرجال المقاومة الأبطال.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here