د. طارق ليساوي: معارضة بلدان الخليج طموح إيران النووي فيه مجانبة للصواب

 

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال ” المراهنة على الصراع الصيني – الأمريكي، غير ذي أهمية لأغلب البلدان العربية…” لا ينبغي تكرار نفس الرهانات الخاطئة…فمصالح بلدان الإقليم العربي و الإسلامي تقتضي خلق بيئة سلمية على امتداد الإقليم العربي و الإسلامي ، و تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي و مكافحة الفقر و التهميش، بدلا من إنفاق ملايير الدولارات من أموال هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، من أجل تكديس أسلحة ، نعلم جميعا أنها لن تحقق الأمن و السلم …فالتحدي هو الاعتراف بالواقع البئيس الذي تمر به المنطقة، وان هذا الواقع هو نتاج للاستبداد وتغييب إرادة الشعوب، ومن تمت التخلي عن شعارات الحرب الطائفية و البحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب و الدول و ما أكثرها، مصلحة العالم العربي في تعدد مراكز القوى و توسيع دائرة الحلفاء و في مقدمة هؤلاء الاستفادة من صعود تركيا و إيران و أندونيسيا و ماليزيا ، و العدو الأساسي هو الحلف الصهيوني -المسيحي الذي يشن منذ عقدين حربا صليبية جديدة على العالم العربي و الإسلامي ذهب ضحيتها أكثرمن 10 مليون مسلم، مع العلم أن الحملات الصليبية السابقة لم يتعدى ضحاياها من المسلمين حوالي 100 ألف مسلم بحسب دراسة يابانية…

لذلك، نعيد تكرار تحذيرنا لأشقاءنا في الخليج، بعدم الخضوع لإملاءات الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته “دونالد ترامب”، و تصريحاته النارية وقرراته المثيرة للجدل، فالرهان على هذا الرجل هو رهان خاسر، فالرجل في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض و مستقبله السياسي لا أفق له، ومناسبة هذا التحذير هو  إغتيال العالم الإيراني الدكتور “زاده”، فالأسلوب الذي تم به الاغتيال و التوقيت له دلالات خاصة، فالولايات المتحدة تعيش مرحلة إنتقالية ، و الإدارة الجديدة ستحاول العودة لتفعيل الاتفاق النووي مع إيران، و “ترامب” يريد أن يفجر المنطقة لفرض أجندته على الإدارة الجديدة، و ربما إذا شن حربا على إيران سوف يوسع شعبيته، و لما لا الترشح مجددا للانتخابات الرئاسية القادمة ، فهذا الرجل يفكر بمنطق غريب و عنصري مقيت…

إن السير وراء الرجل فيما يخص الملف الإيراني، سيكلف شعوب المنطقة العربية عداءا و دمارا يصعب مواجهة أثاره، لذلك ننصح أشقاءنا في السعودية و الإمارات ، بالنزول من سفينة “ترامب”  الغارقة ، و أن تحدو حدو قطر الصغيرة من حيث المساحة، لكن الكبيرة سياسيا، فهذه الأخيرة من خلال تقوية علاقاتها  بتركيا و تحالفها مع إيران أدركت بحدس سياسي أن البيت الأبيض في عهد ” ترامب” أصبح أوهن من بيت العنكبوت، قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت : 41]..

فإذا كانت تركيا و إيران القوتين المتماسكتين و الصاعدتين تعانيان من سياسة الأحلاف و من الابتزاز السياسي الأمريكي  و الروسي، فإن الوضع في بلدان الخليج و باقي الإقليم العربي أشد سوءا، لذلك نتمنى أن تدرك البلدان العربية و الإسلامية  أن مصيرهم مشترك و خروجهم من الأزمة بيدهم و صدق المثل القائل: “ما حكَّ جلدكَ مثلُ ظفركَ  ” …

لذلك، نتمنى أن يحاول العرب التخلص من حالة الفزع النفسي من  أمريكا و غيرها من القوة الدولية و  التحلي بقدر من الشجاعة و المروءة و السعي نحو  استقلال قرارهم السياسي و تحريره من الإرادة الأجنبية و تحقيق المصالحة مع الشعوب و بين الشعوب، و تجاوز حالة الإستبداد و كبث الحريات و العودة إلى الشعوب، فالشعوب قادرة على حماية أوطانها و مقدساتها و ثرواتها،  فشعب غزة المحاصر إستطاع حصار إسرائيل و تقليم أظافرها بأسلحة محلية الصنع و بأدوات بدائية ومنها الطائرات الورقية الحارقة، و المقاومة العراقية أخرجت المحتل الأمريكي رغم كل مخططاته الطويلة الأمد، و نفس الأمر في أفغانستان ، فالاستقلال او الخنوع، و العزة والذل.. قرار نفسي و سياسي بالدرجة الأولى و الشعوب قادرة على الدفاع عن كرامتها و دينها و أوطانها إذا إمتلكت قرارها السياسي، فالبحث عن بدائل للخروج من حالة الذل و الخنوع أصبح مطلبا شرعيا و عقليا، وتحدي محلي و إقليمي و شرطا لابد منه للبقاء و إلا سوف تنْحر شعوب الخليج كما ينحر الشعب السوري و العراقي و اليمني..

فمعارضة الطموح النووي الإيراني فيه مجانبة للصواب و إنحراف عن المنطق السوي، فلما لا تسعى السعودية أو مصر أو غيرها من البلدان العربية إلى إطلاق برنامج نووي عسكري؟! و الانسحاب من اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية ، لاسيما و أن إسرائيل تتوفر على السلاح النووي و هي العدو الأول للعرب و المسلمين، و لا حاجة  للاستمرار في خدمة الأجندة الأمريكية – الصهيونية..

 فإذا فجرت إيران قنبلتها النووية ، فذلك كسر للهيمنة الصهيونية، و لِتسْعَى باقي البلدان العربية إلى نفس الهدف، خاصة و أن الموارد المالية التي تنفق للتسلح تكفي لتحقيق ذلك، كما أن الكفاءة العلمية العربية و الإسلامية متاحة ، لكن شريطة  توفر القرار و الجرأة السياسية ، و توحيد  الجهود العربية و الإسلامية وتوجيهها نحو خدمة مصالح البلدان و الشعوب العربية و الإسلامية..

لكن للأسف ، في ظل سيطرة الغباء السياسي و العبودية المختارة من قبل الحكام الذين أدركوا أن بقاءهم في السلطة رهين بالدعم الأجنبي و هو ما أكده “ترامب” طيلة فترة حكمه ، و أيضا القطيعة بين الحكام و الشعوب، فهذه الأنظمة أصبحت عارية من أي شرعية، خاصة بعد إعلان تطبيعها مع الكيان الصهيوني ، و هو ما يعني خيانة دينية و وطنية وقومية، و سكوت الشعوب  في الخليج عن هذه الخيانة يعني قبولا ضمنيا بهذا المسلك، لذلك فإنها سوف تدفع ثمن هذا السكوت و القبول الضمني ، ستدفعه من قوتها و أمنها و هذا ما لا نتمناه لها، فأن تهدد إيران بضرب السعودية و الإمارات في حال الهجوم عليها من قبل أمريكا أو الصهاينة..فذلك أمر يدعو إلى القلق ، فإذا كانت صواريخ محلية الصنع أطلقها الحوثيون أربكت السعودية ..فكيف إذا تعرضت لهجوم إيراني مباشر؟؟ و نفس الأمر ينطبق على الإمارات ..

فالتنمية أيها السادة ليست البنايات الشاهقة و السيارات الفارهة و الثروة الطائلة، التنمية هي بناء القدرات العقلية و البشرية و توسيع خيارات الشعوب بمعنى الاستثمار في الإنسان…و هو ما فعلته كل البلدان المتقدمة و الصاعدة بما في ذلك إيران، أما ما تدعيه بعض دول الخليج من أنها قوة عظمى و مؤثرة فذلك مجرد وهم …و خلاصة القول،  فالتنمية وتغليب المصالح المشتركة، أفضل وصفة لفض المنازعات ، وعلى شعوب المنطقة ان تأخد العبرة من تجارب الشعوب الاسيوية التي انحازت للتنمية و التعاون وتوحيد الجهود الاقليمية لمحاربة الفقر و الحاجة..فتحقيق التنمية هو أفضل سلاح لحماية الأوطان…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. قلت يا أخي العزيز ان هذه الأنظمة العربية اصبحت عارية من الشرعية وهذه مغالطة كبيرة ،لان هذه الأنظمة بلا استثناء أنظمة متغلبة انقلابية لا شرعية لها منذ انقلاب معاوية على الخلافة الراشدة الامرشورية،وتاسيس نظام متغلب وراثي لا شرعية له والى الآن .

  2. اغتيال العالم النووي فخري زادة ..يحمل بصمات الموساد الاسرائيلي ..والاغتيال كان قرار اسرائيليا لدفع الامريكيين الى المواجهة المسلحة مع الايرانيين في حال اي رد عسكري ايراني.. من الخطأ الاعتقاد بانه كان قرار امريكيا .
    .
    حصول ايران على السلاح النووي سيفجر حالة من السباق النووي في الشرق الاوسط او حتى في العالم العربي غير محسوبة العواقب .. وهذا التمني سيبقى تمني .. لان الحصول على هذا السلاح الرادع ..سيقلص من الهيمنة الغربية على العالم العربي والاسلامي ..وهذا لن يقبل به الحلف الصهيو مسيحي ..فمن اين سيحصل العرب و المسلمون على هذه التكنولوجيا العالية .

  3. مقال جيد هذه المرة
    حاول البقاء هنا في مجال البحث الأكاديمي الرصين والإبتعاد عن كتابة (إسلامي) أمام أي شيء تريد الترويج له متبعا اسلوب شيوخ الحيض والنفاس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here