د. طارق ليساوي: مزاجية “ترامب” بإمكانها أن تحدث هزات عنيفة في الأسواق وهو ما تخشاه الصين

 

 

 

د. طارق ليساوي

تدخل الحرب التجارية بين الصين و أمريكا مرحلة جديدة، فبعد موجة رفع الرسوم الجمركية من قبل أمريكا على الواردات الصينية، و إقدام الصين على نفس الخطوة، و بعد بدء مفاوضات تجارية بين الطرفين لنزع فتيل الأزمة، لاحظنا، في الأونة الأخيرة تعثرا في المفاوضات، و تصاعد لهجة الوعد و الوعيد خاصة من جانب الرئيس الأمريكي “ترامب”، الذي دعى رؤوس الأموال الأمريكية إلى البحث عن بدائل للسوق الصينية..و على الرغم من أن هذا الإجراء غير ذي جدوى بالنسبة للصين خاصة مع توفر البلاد على فوائض تجارية ضخمة، و استحواذها على احتياطات مالية مهولة يتم استثمارها في سندات الدين الأمريكي و الأوروبي و في العديد من دول العالم ، إلا أن دعوة “ترامب” بالرغم من أن لها تأثير محدود على الصين، الا أن تأثيرها غير المباشر هو الذي يرهب الحكومة الصينية، فخطوة مثل هذه قد تؤدي الى زعزعة أسواق المال وهو ما قد يؤدي إلى حدوث انكماش  و ركود في الاقتصاد العالمي، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى ركود في  الاقتصاد الصيني، لاسيما و أن معدل النمو الاقتصادي في الصين أصبح يسجل قدرا من التباطؤ خلال السنوات الأخيرة..فالتأثيرات الغير المباشرة هي التي قد تدفع الصين الى التعامل بجدية مع تهديدات “ترامب” وتقدم تنازلات تجارية، قد تساعد “ترامب” في تجاوز أزماته الداخلية، وتقوية القاعدة الشعبية التي تدعمه و ترى بأن السياسة الحمائية أفضل ألية لحماية وانعاش الاقتصاد الأمريكي..

و لفهم ذلك سنحاول تحليل سياسة الصين في مجال استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) ، فسياسات الحزب الشيوعي الصيني PCC)) التي تم تبنيها قبل 1978 لم تكن فعالة من جانب تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية،  فبعد النتائج السلبية التي أعقبت  سياسة “القفزة الكبرى إلى الإمام” و “الثورة الثقافية البروليتارية”، بدأ التفكير في تغيير المسار، وهو الأمر الذي تم تبنيه من خلال تنفيذ سلسلة من الإصلاحات التي توخت التخفيف من سيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع  و الانفتاح على العالم الخارجي .

وهو ما ظهر فعليا مع مطلع السبعينات من القرن الماضي، إذ اتجهت الصين نحو تبني سياسة برغماتية: على المستوى الخارجي بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة واليابان.. وعلى المستوى الداخلي بتخفيف السيطرة المركزية على الإنتاج الزراعي، لكن هذه الإصلاحات  ظلت محدودة وذلك إلى حدود 1978،فقد تم الانتقال  من الاستكفاء الذاتي إلى الانفتاح لدواعي برغماتية، فالقادة الصينيون يفتقرون للتجربة في التعامل مع المقاولات الأجنبية، وهو مادفع PCC)) إلى وضع إطار للتعامل مع (FDI).

فمنذ بداية التجربة التي انطلقت في 1979 يلاحظ أن “Deng Xiaoping” اتجه نحو تشجيع دخول الاستثمارات الأجنبية في شكل (FDI) وفي شكل قروض ، وقد صرح “Deng Xiaoping” في زيارة قام بها لسنغافورة، أن المعامل الممولة من قبل رؤوس الأموال الأجنبية تستفيد من إعفاءات ضريبية ومرونة في تشغيل اليد العاملة إلى جانب امتيازات أخرى ، وكان الهدف المعلن من هذه السياسة هو نقل التكنولوجيا باعتبارها أداة لتحسين تنافسية الاقتصاد الصيني.

فقرار جذب و استقطاب الاستثمارات الأجنبية لم يكن نتيجة لندرة رأس المال، بل على العكس، فالصين، سجلت طيلة فترة الإصلاح معدلات ادخار جد مرتفعة  نسبة إلى GDP بلغت مابين 30 و40 % ، وهي نسبة عالية مقارنة بباقي البلدان الآسيوية، وهذا المعدل تم تحقيقه بفعل إدخار الأسر الصينية..لكن بالرغم من ارتفاع معدل الادخار عند انطلاق إصلاحات 1978 إلا أن وسائل تعبئة هذا الادخار وتحويله إلى استثمارات منتجة كانت غير فعالة، نتيجة لعدم وجود قطاع بنكي كفء يتولى القيام بدور الوساطة بين الادخار والاستثمار. فالنظام المصرفي لم يكن يتوفر على الفعالية الكافية للقيام بدور الوساطة نتيجة لغياب التجربة وضعف البنية التحتية للإقراض وفق شروط تجارية.

وقد كان لرؤوس الأموال الأجنبية دورا مركزيا في علاج هذا الخلل، عن طريق تزويد النظام المصرفي التجاري بأدوات وميكانزمات لتوفير الأموال للاستثمار ، فالمقرضين الأجانب يمنحون القروض وفقا لمعايير تجارية ، وهو مايتيح للمقاولات الأجنبية تمويل نفسها بنفسها عن طريق أسواق رأس المال.

وسنحاول إعطاء نظرة عامة لسياسة الصين في مجال إستقطاب الإستثمار الأجنبي المباشر، وتوضيح مدى فعالية هذه السياسات (أولا). ويدفعنا  الحجم الهائل لتدفقات  (FDI) نحو الصين، إلى التساؤل عن العوامل المفسرة لهذا النجاح الهائل، خاصة جودة المناخ الاستثماري في الصين ( ثانيا) .

أولا:  الاستثمار الأجنبي المباشر وفعالية سياسيات الإصلاح والانفتاح لما بعد 1978

الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين كان شديد التقييد قبل عام 1978. لكن مع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح ، شرع في التحرير التدريجي للاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك بهدف اجتذاب مستوى عال من تدفقات (FDI) وتسريع نقل التكنولوجيا والمهارات الإدارية الحديثة  Modern Management Skil،فطيلة العقود الأربع الماضية، شكل استقطاب (FDI) عنصرا أساسيا في سياسة التحرير و الانفتاح، وقد شكل قرار الحكومة الصينية الانفتاح على (FDI) عند نهاية السبعينات من القرن الماضي، تغييرا راديكالي مقارنة بسياسة الانغلاق التي كانت مطبقة قبل 1978 ،  والملاحظ أن هذه السياسة حققت نتائج لم تكن متوقعة، ويظهر ذلك، من خلال حجم تدفقات    (FDI) نحو الصين، و من مؤشرات نجاح سياسة (FDI) فقد اجتذبت الصين كمية كبيرة من (FDI) إلى الداخل بعد 1980، ويمكن أن نميز في نمو تدفقات(FDI) خلال الفترة من 1979 إلى عام 2005 بين مرحلتين :

 المرحلة الأولى مابين  1979-91  وهي المرحلة التي انطلقت  بإنشاء أربع مناطق اقتصادية خاصة(SEZs) Special Economic Zones  في مقاطعات  “غواندونغ Guangdong” و”فوجيان Fujian” .تدفقات (FDI) إلى الصين كانت تتركز في هذه المناطق فقط.

وفي عام 1984  تم فتح أربعة عشر مدينة ساحلية  بجزيرة  هاينان Hainan Island” في وجه (FDI). وفي النصف الثاني من الثمانينات تم فتح المزيد من المناطق في وجه (FDI)، بما في ذلك منطقة  “Yangzi River delta” و ” Pearl River delta” و منطقة” Min Nan”. وفي الوقت نفسه ، تم تبني  سلسلة من القوانين والأنظمة التي تشجع تدفقات (FDI) . ونتيجة لذلك ، تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر  إلى الصين عرفت  زيادة سريعة مع معدل نمو سنوي يقدر بحوالي 20 % في الفترة من 1984 إلى 1991.

المرحلة الثانية ما بعد  1992: بدأ “دينغ شياوبينغ Deng Xiaoping’s”جولة إلى المناطق الساحلية الجنوبية في الصين وخاصة ل( (SEZs وذلك في ربيع عام 1992. زيارة” دينغ شياوبينغ” ، مهدت السبيل لتقليل  التفاوتات الإقليمية على الصعيد الوطني، ولتحقيق ذلك تم تنفيذ سياسة (FDI). بعد هذه الزيارة قامت الحكومة الصينية بمزيد من الإجراءات لتشجيع استقطاب المزيد من  (FDI) ، فكانت النتائج مذهلة،  تدفقات(FDI)  إلى الصين ارتفعت من 11.01 مليار دولار أمريكي في عام 1992، إلى  45.46 مليار دولار أمريكي في عام 1998، ووفقا لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2017 فإن الصين جاءت في صدارة الوجهات المرتقبة لتدفقات (FDI) و قد تلقت في العام 2016 حوالي 134 مليار دولار، وسجلت مابين 2001- 2017  نموا في المتوسط بحوالي 37817 مشروع في السنة..لكن ماهي العوامل التي أسهمت في هذا النجاح ؟.

ثانيا- عوامل نجاح سياسة    (FDI)

هناك العديد من العوامل التي أسهمت  في تحقيق هذا الحجم الهائل من  تدفقات(FDI) إلى الصين، و من تم نجاح سياسة  (FDI):

1- تنفيذ الإصلاح الاقتصادي وسياسات الانفتاح في أواخر عام 1978 ، و خاصة منذ أوائل التسعينات ، قامت الصين تدريجيا بتحرير نظام الاستثمار الأجنبي المباشر Foreign Direct Investment Regime فحواجز الدخول عرفت انخفاضا كبيرا، هذا إلى جانب تحسين البيئة الاستثمارية من خلال فتح المزيد من المناطق والقطاعات الاقتصادية للمستثمرين الأجانب،  وذلك بصياغة وتنفيذ سلسلة من القوانين واللوائح التي تنظم الاستثمار الأجنبي المباشر. وبالإضافة إلى ذلك، تبنت الصين سياسات تفضيلية عديدة لتشجيع (FDI)على التوجه إلى المناطق المستهدفة، والصناعات الموجهة نحو التصدير أو المتقدمة من الناحية التكنولوجية.

2- الصين تتوفر على أكبر عدد من السكان في العالم، وهو ما يجعل منها سوق ضخمة عالمية. فبالرغم من أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي  لا يزال متدنيا ، إلا أن النمو الاقتصادي السريع وارتفاع القوة الشرائية ، إلى جانب انخفاض تكاليف العمل والأراضي مقارنة مع غيرها من البلدان النامية ،وتوفر استقرار سياسي،  كلها عوامل  توفر فرص هائلة للمستثمرين الأجانب..

3- منذ أوائل التسعينات، شهد العالم تطورا سريعا في العولمة والتكامل الاقتصادي،  وتقلص  الحواجز الاقتصادية أمام حركة التجارة و الاستثمار، و  بسبب تحرير التجارة في جميع أنحاء العالم.. ونتيجة لذلك، تدفقات الاستثمارات الأجنبية  في العالم ارتفعت بسرعة منذ عام 1993 ، ولا سيما تدفقات (FDI) باتجاه البلدان النامية . هذا الاتجاه المتصاعد من تدفقات (FDI) في العالم ساهم في النمو السريع  في تدفق(FDI)  إلى الصين ..

4- منذ الثمانينات انضمت الاقتصاديات الآسيوية الحديثة التصنيع (NIEs)  إلى البلدان المتقدمة لتصبح بدورها من كبار الموردين ل (FDI). نظرا لارتفاع تكاليف اليد العاملة و ترقي الهيكل الصناعي في هذه البلدان ، فان العديد من الشركات في هذه البلدان زادت من استثماراتها في الخارج ، ولا سيما ببلدان رابطة جنوب شرقى آسيا ASEAN والصين ، حيث كلفة العمل لازالت منخفضة  نسبيا .

5- لعبت شبكات الأعمال التجارية Business networks الصينية في الخارج-التي تتشكل من صيني ماوراء البحار- دورا كبيرا في جذب استثمارات المستثمرين الصينين في الخارج. وفي الواقع، فان أكثر من نصف الاستثمار المباشر الذي دخل  للصين قد جاء  من المستثمرين الصينين في ما وراء البحار..

6-انخفاض كلفة العمل فبحسب دراسة أجريت في العام 2004 فإن العمال الصينيين في مصانعهم تلقوا في نفس السنة أجورا تقل بنحو 20 مرة عن تلك التي يتقاضاها نظرائهم في أمريكا، كما أن الكلفة الاسبوعية للأجر كانت 40 مرة أقل من نظيرتها في معظم البلدان الغربية، كما أن فترة العمل معبرا عنها بالأسبوع تعتبر مرتفعة مرتين في الصين مقارنة بالولايات المتحدة…

لذلك، فإن المزايا المقارنة للصين تجعل منها وجهة لرؤوس الأموال الأجنبية بما فيها الأمريكية، و بالإضافة إلى هذه المزايا فإن الصين استطاعت  بفضل وزنها الاقتصادي، و خاصة الأرباح المهولة التي تحققها كبرى الشركات الغربية التي تتعامل مع الصين، أن تكسر شوكة السياسة الأمريكية خاصة و الغربية عامة..

فالصين تعتبر منجم ذهب للشركات الغربية و للمستثمرين العالميين، من وجهة نظر الاقتصاد الكلي لكونها تتوفر على مستويات أجور جد منخفضة مقارنة بالدول المتقدمة والحديثة التصنيع، و حتى الدول النامية.. بالإضافة إلى أن  سعر صرف عملتها “اليوان” مقوما بأقل من قيمته الحقيقة، و هو ما يعطي للصادرات الصينية ميزة نسبية من جهة انخفاض السعر، و لاشك أن الشركات التي تتعامل مع الصين لها مصلحة في استمرار الوضع القائم مادام أنها تحقق أرباحا طائلة..و هذه الشركات هي بمثابة خط الدفاع  الأول على المصالح الصينية، و توظفه  الصين للتأثير على السياسات الأمريكية والغربية..

كما أن قيام الصين بتمويل العجز العام في البلدان المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة، أعطى للصين أوراق ضغط غاية في الأهمية و مكنها من آلية نقدية فعالة، لضمان ثبات سعر صرف عملتها عند المستوى الذي يخدم مصالح الاقتصاد و السياسة التجارية الصينية، كما أن هذا التمويل أصبح مصيدة للدولة المعنية بهذا العجز و جعلها في حاجة متزايدة للصين..

لذلك، فان تهديدات “ترامب” غير ذات معنى بالنسبة للصين، فالصين استطاعت أن تؤسس لاقتصاد حقيقي قوي، ووظفت مواردها الطبيعية والبشرية و المالية في خدمة تطلعاتها المستقبلية، لكن قوة “ترامب” بنظري مستمدة من جنون الرجل و عدم توقع أفعاله، ومن القوة العسكرية لأمريكا و تحكمها في الدولار عبر التحكم في منابع الطاقة خاصة بالعالم العربي، وأوراق الضغط الامريكية إلى جانب مزاجية “ترامب” بإمكانها أن تحدث هزات في الأسواق  وهو الأمر الذي تخشاه الصين، و بالتالي يجعلها مضطرة إلى الجلوس لطاولة المفاوضات و شراء الاستقرار و لو إلى حين، لأنها في الوقت الراهن غير مستعدة لدفع تكاليف القيادة و عدم الاستقرار .. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية..

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here