د. طارق ليساوي: قمة نواكشوط وتحدي مكافحة الفساد بالقارة السمراء…

د. طارق ليساوي

تنطلق اليوم الأحد بنواكشوط القمة العادية الحادية والثلاثين للاتحاد الإفريقي، و التى سيشارك فيها حوالى 40 رئيس دولة أفريقية إضافة إلى الرئيس الفرنسى “إيمانويل ماكرون”. و تتمحور  القمة حول تعزيز التضامن فى القارة، وهو أحد الأهداف التى حددها الرئيس الرواندى “بول كاجامى” فى الوقت الذى تعانى فيه القارة من فقر مدقع و هجرة كثيفة للشباب و تفشي الأوبئة و انعدام الأمن الاجتماعي و ضعف الأداء الإقتصادي، و غياب الحكم الرشيد. و لا يعني ذلك أن بلدان القارة السمراء على نفس الوثيرة فهناك بلدان إفريقية، تشهد تحولات سياسية و اقتصادية و اجتماعية في غاية الأهمية، و في مقدمتها رواندا التي شهدت منذ صعود “بول كاجامي” للسلطة حربا ضد الفساد، واستطاعت في ظرف قياسي تحقيق نمو اقتصادي يكاد يقترب من رقمين، و الوصفة السحرية: الحكم الصالح و مكافحة الفساد.

وليس غريبا أن تكون دورة نواكشوط تحت شعار “مكافحة الفساد”، فالفساد داء فتاك يفتك بالقارة السمراء، وهو لا يختلف في خطورته وأضراره و آليات اشتغاله، عن “الإيدز” الذي يفقد الجسم مناعته، و يجعله عرضة لمختلف الأمراض الطفيلية، فكذلك الفساد يفقد المجتمع ، القدرة على النمو و التقدم، ويفتك بالأمن الإجتماعي و الإقتصادي، ويجعل المجتمع عرضة للفقر و الصراعات الإثنية و العرقية…فالفساد سلسلة متعددة الحلقات، لذلك سيحاول هذا المقال التركيز على الفساد بالقارة السمراء، عبر تحديد ماهيته، حجمه، و سبل مكافحته..

أولا _ماهية الفساد

تعددت و تنوعت تعريفات الفساد ، لكن معظم التعريفات تشترك فى وصفه بانه إساءة استعمال السلطة العامة أو استغلال المنصب العمومي لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية، فهو بحسب  معجم أوكسفورد  : “انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة”، وتعرفه منظمة الشفافية العالمية بأنه “استغلال السلطة من اجل المنفعة الخاصة”،  اما البنك الدولي فيعرفه بأنه “اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. كما يمكن الفساد أن يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الاقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة”.

وعلى العموم،  فإن الفساد من المصطلحات التي لها أكثر من وجه فهو يشمل : الرشوة و الزبونية المحاباة و الواسطة و سرقه المال العام تزوير الانتخابات، غسيل الأموال، تهريب الأموال..

ثانيا_  القارة السمراء الأكثر فسادا

قياس الفساد يقوم على جملة مؤشرات كمية و نوعية ، و بحسب  مؤشر الفساد الذى أعدته “منظمة الشفافية الدولىة” ، فإن أكثر  أشكال الفساد شيوعاً في القارة السمراء، الرشوة، تزوير الانتخابات، وصفقات العقود المشبوهة مع الشركات المتعددة الجنسيات العاملة فى قطاع الموارد الطبيعية، وتحويلات الأموال غير المشروعة إلى خارج الدول.

 وترى منظمة الشفافية الدولية أن 90 % من دول إفريقيا فاسدة ، فأغلب الدول يشار إليها باللون الأحمر او البرتقالي ، وهو ما يعني “أن المواطن يواجه التأثير الملموس للفساد بشكل يومي”، فالفساد  يؤثر على التنمية التقليدية والمستدامة في معظم بلدان إفريقيا،و أكثر من يدفع كلفة الفساد هم الفئات الأفقر والأضعف في المجتمع”.

فبحسب تقرير صدر عن منظمة النزاهة المالية العالمية، وهى منظمة تعمل على رصد التدفقات المالية غير المشروعة، تم تحويل 1.3 تريليون دولار بصورة غير مشروعة إلى خارج إفريقيا خلال العقود الثلاثة الماضية، ومن أمثلة ذلك أن صناعة النفط فى نيجيريا تواجه إدعاءات بالفساد أدت إلى شكاوى من الإهمال وتمرد من قبل السكان في المناطق الجنوبية المنتجة للنفط. هذا وأشار تقرير  صدر فى مايو عام 2013 عن مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية في ليبيريا، إلى أن جميع العقود التي تم إبرامها منذ 2009 قد انتهكت اللوائح.

 وتشير التقارير الدولية إلى أن جمهورية الكونغو الديمقراطية لديها ثروة معدنية هائلة ومنها الألماس والنحاس والنفط والغاز، ويقدر الخبراء قيمة هذه الثروات بـ 24 تريليون دولار، لكنها برغم ذلك من أفقر دول العالم، والسبب  هو تعرضها للسلب والنهب بفعل  الفساد، وهذه الظاهرة لليست حكرا على الكونغو.

فالمؤشرات و تقديرات الخبراء تشير إلى الحجم التراكمي لرؤوس الأموال المهربة أو الهاربة  من إفريقيا، إلى ما وراء البحار بـلغ نحو 683 مليار دولار بين عامى 1970 و2010، وهو مبلغ كفيل بتسديد مجمل ديون القارة ، بل يجعل القارة في غنى عن المساعدات الخارجية .. وهو ما أكده  رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي “موسى فقي محمد”، في تصريح له على قناة bbc ، حيث قال “أن الفساد يكبد أفريقيا نحو 50 مليار دولار سنويا، وأشار إلى أن الأرقام التي أعدها الخبراء تؤكد أن الموارد المحولة جراء الفساد بأفريقيا “يمكنها لو تم استثمارها أن تعوض اللجوء للمساعدات الخارجية”.

وكشف موقع «ذا إثيوبيان هيرالد» إن الفساد والرشوة هما أكثر الأشياء التى تعوق الأعمال التنموية فى القارة السمراء، مضيفًا أن الحكومات الإفريقية لم تنجح حتى الآن فى القضاء عليهما .

وقد كشفت مؤخرا وثائق “باناما” و تسريبات “ويكيليكس” العديد من قضايا الفساد المالي، التي تورط فيها رؤساء دول إفريقية ومسؤولين تنفيذين، استغلوا مناصبهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة..

ثالثا_الأسباب وسبل العلاج

الأسباب وسبل العلاج  اختزلتها وزيرة الخارجية الأمريكية “هيلارى كلينتون” سابقا، في : “أن التنمية فى إفريقيا يواجهها العديد من التحديات منها نقص البنية التحتية، عدم الاستقرار السياسي، والفساد”.. مشيرة إلى “أن الفساد الذى يكلف إفريقيا نحو 150 مليار دولار سنويا، «يبعد الاستثمار ويخنق الابتكار ويبطئ التجارة»، وانتقدت ارتفاع التعريفات الجمركية وفساد مسئولى الحدود والبيروقراطية التى تعرقل التجارة البينية داخل إفريقيا وتكبح التكامل الاقتصادى الإقليمي”..

لكن مالم تقله السيدة “كلينتون”، هو أن الفساد في إفريقيا يتم بدعم و غطاء دولي، فالتنافس على موارد القارة أصبح من سمات الحرب الإقتصادية الباردة بين القوى العظمى، فكل الدول تبحث عن الحصول على موضع قدم لها بمنجم العالم، فثروات إفريقيا سبب في محنها،، فالصين وأمريكا و فرنسا،و بريطانيا، وباقي القوى ، لا تتورع في دعم الرؤساء و الحكومات الفاسدة، مقابل تمكنها من استغلال الثروات الوطنية..

و في هذا الصدد لا يسعنا إلا اقتباس ملاحظة عبر عنها الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، عندما قال بأن موجات الهجرة من إفريقيا مصدرها البلدان التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي ، وهو محق في هذه الملاحظة ففرنسا و عملائها أو_ بعبارة ألطف_ موظفيها من رؤساء الدول الإفريقية ، حرصت منذ حقبة الاستعمار و مابعد الاستقلال الشكلي، على ضمان استنزاف ثروات هذه البلدان وتفقيرها، ودعم الأنظمة التي تحكم المصالح الفرنسية، ومن المؤكد أن هذه الأنظمة لن تكون إلا أنظمة مستبدة فاشلة، لأن أي نظام ديموقراطي منتخب من الشعب و معبر عن إرادة شعبية، لن يكون إلا مناهضا للاستغلال والاستعباد الاقتصادي الأجنبي، ولن يكون إلا مناهضا للفساد، فبوابة مكافحة الفساد تبدأ بإقامة أنظمة حكم ديموقراطية ، تخضع للرقابة و المساءلة من طرف الشعب و مؤسساته المنتخبة، و ترسيخ مبدأ فصل السلط، وحرية الصحافة و الحق في التعبير، وتعزيز الشفافية،و الحق في الولوج للمعلومة، و منع زواج السلطة بالمال، والجمع بين التجارة و السلطان ، والحرص على نظافة يد المسؤولين العموميين، و النظافة تبدأ من رأس هرم السلطة لتمتد إلى قاعدة الهرم، فمكافحة الفساد لا تتحقق في ظل أنظمة رأسها فاسد…ولعل تجربة رواندا في عهد “بول كاجامى”، خير وصفة لعلاج سرطان الفساد بمعظم بلدان القارة …والله  غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here