د.طارق ليساوي: قمة الوفاق أم قمة ترامب…

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

“قمة الوفاق والاتفاق” ، لعل هذه العبارة هي أصدق ما أفرزته قمة عمان الأخيرة، فالعالم العربي في حاجة ماسة للاتفاق و الوفاق، ليس فقط بين الدول العربية ولكن بين الحكام وشعوبها، وبين مكونات  الشعوب نفسها ،فالصراعات و الخلافات مزقت هذه المنطقة و جعلتها متحفا للدراسات الانتروبولوجية لدراسة التأثير المدمر  للاستبداد على المجتمعات…

و اعتبرت المنطقة العربية متحفا لدراسات الانتروبولوجية السياسية،  على اعتبار أن العالم كله تغير، فموجة الدمقرطة وحقوق الإنسان وتوسيع نطاق الحريات السياسية والمدنية، و تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة اجتاحت معظم بقاع العالم لكن لازالت المنطقة العربية على حالها…و لازالت نموذجا فريدا لما وصفه “مونتيسكيو” بالاستبداد الشرقي …

فهذا المصطلح كان يعبر عن نموذج الحكم وإدارة المجتمعات الشرقية وتحديدا الصين و اليابان و الهند..، فهو نموذج مغاير للمبادئ والقيم التي سادت الفضاء الأوربي /الغربي خلال فترة ما بعد النهضة. لكن قيم الاستبداد الشرقي إن كانت قد انحصرت و تراجعت ببلدان أسيا بشكل عام، حيث أن هذه البلاد أصبحت أكثر انفتاحا على قيم الديمقراطية بمفهومها الكوني، فإن المنطقة العربية نجحت دون شك في الاحتفاظ بنمطها الاستبدادي ، فالحاكم العربي لازال هو الأب و المعلم و الفيلسوف و التاجر، و هو الحاكم بأمر  الله ، يملك الأرض و ما عليها …

للأسف ما يحدث اليوم للعالم العربي هو قمة المأساة ، يكفي القيام بجرد بسيط لأعمار حكام العالم العربي ومقارنتهم بحكام باقي الأقاليم الأخرى لنفهم سبب بؤسنا ، فالإنسان في الغالب ما يلجأ مع تقدم العمر إلى الإجابة عن نفس التساؤلات و الإشكالات المطروح أمامه بنفس المنطق و ذات المنهجية، لا سيما إذا كان هذا الإنسان من طينة الحكام العرب الذين يفقهون في كل شيء، و لاصوت يعلو على صوتهم الناطق بالحكمة والإبداع و النظريات الكونية في شتى المجالات، و الطامة الكبرى أن هناك من يصفق و يطبل و ينظر لهم و يزين لهم أعمالهم،  مما يجعلهم يتمادون في غيهم، و يتوهمون الباطل حقا و الحق باطلا…

كنت أود لو أن الزعماء الحاضرين بالقمة: وحتى أولئك الذين لم يكلفوا نفسهم عناء الحضور، أن يتخذوا قرارا فريدا و هو تقديم استقالتهم  الجماعية لشعوبهم ، و لعل في ذلك فوائد جمة لهم ولشعوبهم، فالتاريخ لن يذكرهم بخير، فقد أسهموا بشكل مباشر في تدمير أوطانهم و في إعاقة كل عملية للتنمية والتقدم ، و استقالتهم هي المنفذ المتبقي لإصلاح ما أفسدوه، فتنحيهم السلمي عن السلطة هو خير هدية لشعوبهم التي تعاني الانقسام و الفقر و الجهل و كل أمراض التخلف نتيجة للتدبير السيء للشأن العام، و التنفيذ الدقيق للأجندات الأجنبية…

الواقع أن قمة عمان كان من المفروض أن تحمل “قمة ترامب”، فمن الواضح أن أجندة الرئيس “ترامب” هيمنة على جدول أعمال القادة ، و كل واحد منهم يسبح بحمد “ترامب” و يحاول التزلف له . الغريب أن هؤلاء الحكام على الرغم من تقدمهم في السن  لم يتعلموا من دروس الماضي  فلديهم ذاكرة السمك ، فقد تحالفوا فيما قبل لمكافحة التمدد السوفيتي، ولم يجنوا من ذلك إلا الخسران و تشويه صورة الإسلام و صعود التطرف، وتحالفوا لوأد الديمقراطية قبل ثورات الربيع فدمرت الجزائر و انقسم الإخوة في فلسطين وكل ذلك لمحاربة ما أنتجته  صناديق الاقتراع …

تحالفوا في السر و العلن لإسقاط نظام “صدام حسين” فكانت النتيجة تدمير بلد بأكمله وتشريد شعبه، وهاهم اليوم يبكون ويشتكون من التمدد الإيراني، تحالفوا ضد الثورات العربية وأسقطوا بأموال البيترودولار حلم الشعوب في استرجاع سيادتها و تخطيط مستقبلها، فتمت الإطاحة بنظام منتخب في مصر و دعم انقلاب دموي، نفس الشيء ينطبق على ليبيا و اليمن و وسوريا واللائحة طويلة …

فالواقع العربي لا يحتاج لتوصيف ، فالمنطقة تتجه نحو مزيد من التفكك و سفك الدماء ، مايحدث ليس في صالح شعوب المنطقة والانخراط الأعمى في سياسة الأحلاف و التكتل لمجابهة المد الشيعي أو الشيوعي أو غيره… ليس من أولويات هذه الشعوب فالأولوية الحقيقية، وقف مسلسل الاستبداد و الانحدار للخلف، و الارتماء في أحضان الغرب و الشرق.. فكل الدول العظمى تخدم مصالح شعوبها ، بينما منطقتنا العتيدة حكامها يحااربون شعوبهم و يبذرون مواردهم خدمة لأجندات الغير، و هم لا يعلمون أنهم بذلك يوقعون على شهادة زوال سلطانهم، إذ لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر طويلا فالحكام العرب تخطوا كل الحدود الحمراء و الشعوب فقدت  وعاء الصبر و دوام الحال من المحال …و الله غالب على أمره…

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here