د. طارق ليساوي: غاية الإسلام سعادة الانسان و لا سعادة مع الفقر و الحرمان

د. طارق ليساوي

“الإسلام لا شك أنه يحوي علاجا لكل داء ولكن المصيبة تكمن في المسلم المتخصص في كل علاج إلا علاج الإسلام..” هذه العبارة هي جزء من تعليق أحد القراء على مقال لنا بعنوان ” النظام الاقتصادي الرأسمالي عولمة للفقر و الاستغلال..و البديل العودة إلى العلاج الإسلامي”.. والواقع أن هذا التحليل كان في الصميم و يعبر عن حقيقة الحلقة المفرغة التي يعاني منها المسلمين اليوم، و التي تعيق و تمنع من إستثمار و الاستفادة من مزايا الفكر الاسلامي في تنظيم شؤون الفرد و المجتمع.. فالإسلام ليس مجرد عبادات و أحوال شخصية، و إنما هو منهج حياة، فهو يهتم بالحياة الاجتماعية بكافة تفاصيلها، وكذلك بالحياة الاقتصادية، والسياسية، والعلمية، والعملية، وكافة شؤون العصر التي يتم التعامل معها من خلال منهج الاستنباط والقياس، فالعجز ليس في النصوص الشرعية أو الثراث الفقهي، و إنما الخلل و النقص في الإنسان المسلم و المجتمع الاسلامي الذي فضل منذ نحو قرنين، اقتباس كل شاردة وواردة من الشرق و الغرب، و أهمل ما يزخر به هذا الدين و الثراث الفقهي الإسلامي من حلول ناجعة لمشاكله و أزماته..و سنحاول من خلال هذا المقال تحليل منهجية الاسلام في تحقيق سعادة الفرد في الدنيا و الآخرة، و  منهجيته في محاصرة و مكافحة الفقر  و الحد من أثاره السلبية…

أولا – تحقيق سعادة الانسان غاية الإسلام :

السلامة والسعادة مطلبان أساسيان لكل البشر، فما من أحد على و جه الأرض لا يتمنى السلامة والسعادة، و الشقاء في الأرض سببه الجهل ، قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (سورة الملك)، فحركتنا في الحياة لا تصلح إلا إذا عرفنا سر وجودنا على هذه الأرض، و لا تتحقق السعادة إلا إذا جاءت حركتنا مطابقة لهدفنا، قال الله تعالى في محكم كتابه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ).. فالحكمة من خلق البشر هي العبادة فهو مخلوق للعبادة لا لسواها، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (سورة الذاريات 56)، لكن الفهم الضيق للعبادة على أنها  مجرد  صلاة وصيام وحج وزكاة..لا يحقق الغاية من العبادة، فالعبادة هي منهج كامل يغطي كل مناحي الحياة  بدأ من علاقة الزوج بزوجته إلى العلاقات بين الأمم .. لذلك، حينما طبقنا ظاهر الإسلام فقط خسرنا قيمه الحضارية ..

فالإسلام إهتم بتنظيم الحياة الاجتماعية، و قدم نموذجاً متكاملا لحياة اجتماعية مثالية خالية من المشاكل والقلاقل، إذ حرص على تنظيم و تأطير العلاقة داخلَ الأُسرة الواحدة، فنظم العلاقة بين الزوجين و بين الولد ووالديه، كما نظم علاقات الناس ببعضهم البعض، فحرم الغيبة، والنميمة، والتجسس..و فصل حُقوق الجار، وحُقوق أهل الذمة من أهل الكتاب..كما إهتم بتنظيم الحياة الاقتصاديّة و لم يُغفل أهمية المال والاقتصاد في حياة الشعوب والدول، لذلك  فالنِظام الاقتصادي الإسلامي هو النظام الوحيد على وجه الأرض القادر على تنظيم شؤون الناس وسد حاجاتهِم، من خلال التشريعات الإلهية التي تأتي بالخير على الجميع، فنرى تشريع الزكاة الذي يضعَ فضل مال الغني في يد الفقير، وكذلك الصدقات التي تسُد حاجات الناس، وأيضاً تشريع البيع والتجارة المُباحة وتحريم الربا الذي يُعد سرطان المال في عالَم الاقتصاد و تحريم إكتناز الثروة و إحتكارها في يد القلة..

ثانيا- الفقر مشكلة المشكلات:

 رأينا في مقال “النظام الرأسمالي عولمة للفقر و الاستغلال” أن فلسفة النظام الرأسمالي تقوم على توسيع دائرة الفقر بين أفراد المجتمع الواحد من جهة و بين المجتمعات المختلفة من جهة أخرى، و تم تأسيس لنظرية  20-80 وتعني أن 20% من سكان العالم يستحوذون على 80% من ثروات العالم، وأن 80% وهم الباقون يفرض عليهم الفقر، و تشمل الفئة الغنية سكان البلاد المتقدمة وأفراداً محدودين من البلاد الفقيرة..و هذا النمط من الفقر و التفقير شديد التعقيد و صعب العلاج، لأنه فقر سياسي و إقتصادي، تفرضه و تحميه القوى الدولية المتفوقة تكنولوجيا و اقتصاديا و عسكريا، كما أن الفئات الغنية في البلاد الفقيرة تستمد قوتها من احتكارها للثروة و السلطة…

و عبر التاريخ شكل  الفقر أحد الأسباب الكبرى التي حركت الثورات في مختلف المجتمعات، ف “كارل ماركس”  اعتبر أن تاريخ الإنسان هو تاريخ الصراع بين من يملك فى مقابل من لا يملك.. فهو يؤكد الرأي القائل: “بأن الفقر المحرك الرئيس للثورات والانقلابات في التاريخ”، و هو الأمر الذي أدركه الاسلام و حاول مواجهته عبر سلسلة من الآليات و التدابير الأنية و الطويلة الأمد…

وتحدد الطبيعة المذهبية للاقتصاد المنهج الذي يواجه به مشكلة الفقر، ويمكن إيضاح هذا المعنى من معرفة المنهج الذي يتعامل به النظام الرأسمالي مع هذه المشكلة بالمقارنة بالمنهج الذي يتعامل به النظام الاشتراكي، فكلا النظامين تبنى آليات و ضوابط  مغايرة للتعامل مع ظاهرة الفقر ..

غير أن الفكر الاقتصادي الإسلامي له طبيعته المذهبية التي تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية، و تبعا لذلك فإن منهجه في معالجة مشكلة الفقر مغاير لما هو سائد في كلا النظامين، و منهجه يقوم على   عنصرين أساسين: العنصر الأول يتحقق من خلال العقيدة الاقتصادية وأسلوب إدارة الاقتصاد، أما العنصر الثاني فإنه يتحقق من خلال التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء في نظام الإسلام المالي..

ثالثا- منهجية الفكر الاقتصادي في التعامل مع الفقر

 اهتم الإسلام بمشكلة الفقر وحرص على علاجها في المهد عملا بالقاعدة ” الوقاية أفضل من العلاج”، وبعد حدوثها بالاعتماد على وسائل متعددة حفاظا على المجتمع المسلم من الأخطار التي قد تصيبه أخلاقيا وسلوكيا وعقائديا، وأساليب معالجة الفقر و فق التصور الاسلامي يمكن تقسيمها  إلى مجال الفكر والتصور من جهة، ومجال السلوك و الفعل من جهة أخرى، و سنحاول توضيح منهج الاسلام في مجال تصحيح الفهم والتصور على أن نخصص مقالا منفصلا لمجال السلوك و الفعل..

ذلك أن بناء الفرد على أساس عقيدة صحيحة، أحد أهم التحديات التي عمل الإسلام على رفعها، فتصحيح الاعتقادات الفردية أول مدخل  لمعالجة الفقر و من ذلك:

  • الفقر ليس قضاء و قدر: القضية الأولى في معالجة الفقر ترتبط بإبطال تعلق الفقراء بالقضاء والقدر، بمعنى أن الفقر هو قضاء وقدر من الله لا ينفك عنهم، ويلازمهم طوال حياتهم، مما يدفع بالفقير إلى الاستسلام للأمر الواقع، و هناك العديد من الأدلة المنافية لهذا الفهم الخاطئ: فالرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: “اعقلها وتوكل “، فليس من شرط التوكل ترك الأسباب، فإن ذلك حرام في الشرع ولا يتقرب إلى الله بمحارمه..قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) ( النساء الاية 71) ..

  • الفهم الصحيح لمغزى المشكلة الاقتصادية بالنسبة للمسؤولين: يرى العديد من الاقتصاديين بأن المشكلة الاقتصادية تتمثل أساسا في ندرة الموارد مقارنة بالحاجيات، وهي الفكرة التي تشكل خطرا إذا ما ترسخت في ذهن المسؤولين، لأن القرارات الخاصة بمعالجة الفقر تصبح مبنية على ذلك الأساس الخاطئ، وهو ما يتنافى مع العقيدة الإسلامية، لأن المسلم يؤمن بقوله تعالى : (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) (هود الاية 6)..

  • الفهم الصحيح لمفهوم الاستخلاف في الأرض: تستمد الملكية مشروعيتها من تشريعات الله سبحانه وتعالى، حيث لابد أن يدرك الفرد صاحب المال أو الدولة على أنه وكيل على ما في يده وأنه أولا وقبل كل شيء مال الله، ومنه الالتزام بالتشريعات المنظمة للملكية، من حيث الاكتساب والاستثمار والالتزامات الاجتماعية التي يكلف بها، لتصبح عقيدة يسير عليها الفرد، قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)(“الأنعام الاية 165)…

و في الختام،  فليس من العيب أن نحلل و نشرح الجوانب النظرية و العملية لمنهج الإسلام في إدارة مختلف شؤون المجتمع، وأملنا توسيع دائرة الوعي بمزايا الاسلام و خصائصه السامقة ، فمن المؤكد أن المستقبل لهذا الدين، و إذا لم يكتب لنا أن نشهد تطبيق تعاليم و مبادئ هذا الدين على أرض الواقع ،فعلى الأقل نسهم قدر المستطاع، في إرشاد الشباب و الأجيال القادمة إلى العلاج الإسلامي لأزماتنا و مشاكلنا..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here