د.طارق ليساوي: سياسات الحد من الفقر بالمغرب و الصين.. مقارنة في غير محلها

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

من منا في ربوع المملكة المغربية لم يسمع بإجراءات حكومية لمكافحة الفقر و الهشاشة، فطيلة الأيام الماضية نرى العديد من المسئولين العموميين، وبعض المواطنين المغاربة يحملون شارة صفراء تعبيرا عن المساهمة في حملة للتضامن تقودها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، هذه المبادرة انطلقت منذ حوالي من عقد من الزمن ، فهل بالفعل تمت مكافحة الفقر و الحد منه، و تقليص الفجوة بين الأغنياء و الفقراء..؟

 الواقع أني لا أريد أن أعطي جوابا تدعمه المؤشرات الكمية، ولكن أستطيع أن اترك الحكم للقارئ المغربي و للزائر الأجنبي الذي يدرك بجولة بسيطة في مدن المملكة حجم الهوة بين الفقر المدقع و الغنى الفاحش فالمؤشرات الواقعية أكثر تعبيرا من مجموع المؤشرات الكمية جزئية كانت أو كلية.

الحد من الفقر لا يمكن أن يتحقق  بحملات موسمية، بل يحتاج إلى سياسات و تدابير دائمة وشاملة، كنا نود لو أن المسئولين المغاربة يتراجعون عن سياساتهم المتحيزة للأغنياء و المتبنية لتوجهات أصحاب المصالح و توصيات المؤسسات النقدية الدولية ، فبدلا من حملة للتضامن و طلب الإحسان العمومي كان من الأجدر تفعيل مؤسسة الزكاة و هي ثاني ركن من أركان الإسلام، و هي فريضة معطلة و مورد مالي جد مهم كفيل بتوفير موارد مالية مهمة تحد من عدد الفقراء و توفر لهم كرامتهم وإنسانيتهم بدل من تلك الحملات المهينة لتوزيع بعض المساعدات العينية التي لا تغني و لا تسمن من جوع …

و في هذا المقال لن أحاول التوسع في فرض الزكاة، أو حتى في تقييم الجدوى من حملات التضامن الموسمي، لكن سأتوجه كما وعدت القراء في مقال سابق بعنوان “هندسة الإصلاحات في الصين و خرافات التنمية بالعالم العربي” إلى فتح نافدة و توجيه الرأي العام إلى نموذج أثبت فعاليته و نجاعته التنموية، ولما كانت المناسبة شرط فإننا سنعرض لسياسات الصين في مكافحة الفقر و خفض عدد الفقراء ليس فقط في الصين ولكن في العالم ككل.

إن نجاح الصين في مكافحة الفقر يرتبط بالازدهار الاقتصادي، ففي المناطق الحضرية، كان للنمو في قطاع الصناعة التحويلية الموجهة نحو التصدير دورا أساسيا في تقليص عدد الفقراء. لاسيما و أن النمو في القطاع الصناعي في الصين كان جد مرتفع، وقد بلغ متوسط النمو السنوي 12 ٪ على مدى الفترة  1985-2005. هذا النمو تم تغذيته بمستويات عالية من الاستثمار، وخاصة الاستثمار الأجنبي المباشر والذي ساعد أيضا في نشر التكنولوجيات الجديدة، ومهارات الإدارة في إنشاء شبكات الإنتاج العالمية.

وخلافا لكثير من البلدان العربية، سياسات الصين قد شجعت مثل هذه الاستثمارات الأجنبية. ومع ذلك ، فإن الطفرة الكبيرة في الاستثمار الأجنبي المباشر سجلت في التسعينات– غير أن  الجزء الأكبر من الحد من الفقر، أي التقليص  في عدد السكان الذين يعيشون بأقل من   دولار في اليوم بحوالي  الثلثين على مدى 1981-2004 وقعت في الفترة من  1981الى 1987 ؛كما أن  40 ٪ من النتائج تحققت  في السنوات الثلاث الأولى من هذه الفترة . بينما 80 ٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين خلال الفترة مابين 1979-2005 تحققت بدءا من عام 1995 ، و 98 ٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر وقعت بعد عام 1990، ونتيجة لذلك،  فإنه من الواضح أن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يكن العامل الرئيس في  الحد من الفقر في الصين.

كما أن  انفتاح الصين على التجارة الخارجية –لا سيما في ميدان تنمية الصادرات  المصنعة_ والذي انطلق أوائل الثمانينات  مع “دينغ شياوبينغ”و “سياسة الباب المفتوح” ، لكن الذي ينبغي الانتباه إليه هو  أن الجزء الأكبر من الإصلاحات التجارية لم تحدث في أوائل الثمانينات، عندما كان الفقر ينخفض بوثيرة سريعة، لكن تمت في وقت لاحق مع تعميم  المناطق الاقتصادية الخاصة -بدءا من 1986 إلى منتصف التسعينات، و التمهيد لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. لذلك، فان العديد من الدراسات تبين أن إصلاح التجارة الخارجية،  لم يكن له سوى تأثير ضئيل في تخفيض الفقر و زيادة عدم المساواة.

إن الظروف الأولية التي صاحبت انطلاق  الإصلاحات الأولى في الصين،  كان لها دور محوري في الحد من الفقر، فالمراهنة على الصناعات التحويلية مكن البلاد من  استيعاب عدد هائل من العمالة  .

فهذه الإستراتيجية تتطلب مستويات عالية- نسبيا- من التنمية، و من ذلك توفر التعليم الأساسي. فعلى الرغم من أن  الصناعة التحويلية تتطلب عمالة غير مهرة،  لكن تتطلب مهارات في  القراءة والكتابة لاسيما في الوظائف الأساسية . هنا في الصين الظروف الأولية كانت جيدة، فعندما انطلقت الإصلاحات كانت الصين تعرف  درجة عالية من الإلمام بالقراءة والكتابة، بما في ذلك المناطق الريفية حيث وفرة اليد العاملة مع انخفاض معدلات الأجور.

لذلك، فان النمو الذي تقوده صادرات قطاع الصناعة التحويلية، لعبت دورا مهما في الحد من الفقر في التسعينات، من خلال استيعاب فائض العمالة من المناطق الريفية، وهو ما مثل أداة مهمة في تخفيض أعداد الفقراء في المراحل الأولى من عملية الإصلاح في الصين.

كذلك لابد من التأكيد على أن النمو الاقتصادي في المناطق الريفية( الاقتصاد الريفي)، كان له دور أكبر في خفض حدة  الفقر، من  النمو الاقتصادي بالمناطق الحضرية،  خلال الفترة 1981-2004. وبالمثل، فان النمو في القطاع الأول (الزراعة أساسا)، كان له تأثير أكبر في الحد من الفقر، مقارنة بمساهمة القطاع الثاني والثالث.

و خلاصة القول، أن الحد من الفقر و إخراج الناس من دائرة الفقر و التهميش، لم و لن تكون بالتوشح بشارات صفراء أو حمراء، فذلك لن يغير من الأمر شيئا، ولكن الحد من الفقر يتم بتبني سياسات عمومية فعالة، ذات هندسة عقلانية  ، فتقليص الفقر يتم عبر دعم التعليم الجيد و رفع الإنفاق العمومي على تعميم التمدرس و على تحسين مخرجات العملية التعليمية فلا يكفي الكم ولكن لابد من الاهتمام بالكيف ، نفس الأمر ينطبق على الصحة ، فتعميم التأمين الصحي و الخدمات الصحية الجيدة لعموم المواطنين كفيل بتخفيف العبء على كاهل الأسر الفقيرة، كما أن الحد من الفقر مرتبط بتقليص معدلات البطالة و ذلك يقتضي سياسات تنموية تشجع على الاستثمار المنتج …

أما الاستمرار في حملات موسمية مع اقتراب شهر رمضان، فدلك لن يغير من دار لقمان، فلابد من سياسات جريئة تبدأ بالحد من نهب المال العمومي، والجمع بين السلطة والتجارة ، وتقليص من هجرة رؤوس الأموال إلى الخارج، فعملية الحد من الفقر هي منظومة متكاملة تشمل كل مفاصل السياسات العمومية بدأ من الشفافية  و المحاسبة مرورا  بالحريات السياسية والمدنية و الدمقرطة و فعالية الحكم…و بجانب هذه التدابير نتمنى بصدق تبني العلاج الرباني لظاهرة الفقر ، فالزكاة تعد بشهادة رجال الاقتصاد أفضل الية لمحق الفقر مصداقا لقوله تعالى : ” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّه”ِ ﴿١١٠ البقرة ) …و الله غالب على أمره…

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here