د. طارق ليساوي: دروس من إحتفالات غزة وإحتفالات الدرعية بأرض الحجاز…

د. طارق ليساوي

من مفارقات القدر أنه في الوقت الذي يحتفل فيه الشعب و النظام السعودي بالفتح العظيم الذي حققوه بتنظيم سباق السيارات، و تنظيم سهرات راقصة بالدرعية بالعاصمة الرياض، و ما صاحب ذلك، من إحتفاء و تمجيد للحدث، في نفس الوقت رأينا مشهدا أخر في غزة أرض العزة و الكرامة و الصمود، في بلاد العرب التي   فقدت في مجملها روح العزة و الكرامة، في غزة إحتفلت حركة حماس بالذكرى 31 لتأسيسها، في مشهد مهيب و إحتفالات تشحن الهمم و تعبر عن روح الإسلام و عزة المسلم و أنفته ..

غزة المحاصرة من قبل الإخوة قبل الأعداء، تصر في كل لحظة وحين أن تذكر المسلمين و العرب بأنهم بلغوا درجة من الخدلان و الإنحلال لم يسبق لها مثيل، غزة التي لا تمثل حتى 1٪ من مجموع سكان الوطن العربي تأبى إلا أن تتمسك بدينها و بعروبتها، بينما بلاد الحجاز تتسابق للمجون و للإنحلال، بل إن ولي عهدها يريد أن يكون صانعا للسلام مع المحتل الصهيوني ، و يبحث عن مخرج من ورطة قتل الصحفي “جمال خاشقجي” بتودد للكيان الصهيوني، لعل هذا الكيان يفلح في إخراجه من مأزقه…و للأسف هذا الموقف لم يعد مقتصرا على حكام السعودية، بل إنتقل إلى باقي بلدان الخليج، و رأينا كيف صرح رئيس وزراء بني صهيون أنه إستطاع إختراق أغلب البلاد العربية والتحالف معها و تطبيع علاقات بلاده مع هذه البلدان و تجاوز عقبة القضية الفلسطينية…

فالتطبيع مع الكيان الصهيوني أصبح بنظر حكام العرب سفينة نجاة ضد الرفض الخارجي و الداخلي، لكن بنظرنا هو رهان خاسر و توجه ضيق الأفق،  فالنجاة بنظرنا في العودة للحق و الدفاع عن حقوق الشعب العربي من المحيط إلى الخليج ، و حماية ثروات هذه البلدان ضد النهب من الداخل و الخارج، أما سوى ذلك فهو نوع من الوهم…

فإسرائيل لن تستطيع حماية نفسها، و رأينا كيف أن شعب غزة المحاصر إستطاع تركيع الكيان الصهيوني و إرعابه بمسيرات العودة و بأدوات بدائية، فالشعب الذي أرعبته الطائرات الورقية و عدد من الصواريخ ، ليس بإمكانه أن يكون سفينة نجاة …لكن علينا أن نقر بأن قوة الكيان الصهيوني في ضعف و خيانة  الحكام العرب، و تخاذل الشعوب العربية و إتباعها للهوى و إبتعادها عن المنهج القويم و الصراط المستقيم..

و على خلاف ما نراه من واقع سوداوي، إلا أنه علينا التفاؤل فمادام في هذه الأمة شعب كشعب غزة، و فيها رجال و نساء لا زالوا يتمسكون بالحق رغم الظلم و الحيف و الحصار الذي لحق بهم، فإن المستقبل لن يكون إلا إسلامي المنهج و الهوى، و ما نراه من تخاذل و تكالب على العرب و المسلمين ،و تواطؤ الأنظمة العربية و تأكد خيانتها و تؤامرها، ليس إلا مقدمة لما سوف يأتي، و مخطئ من يرى أن ما يحدث كله شر ، فبالرغم من شلالات الدماء العربية التي تراق و الحقوق التي تنتهك و التخاذل في نصرة فلسطين و سوريا و اليمن و العراق، فإن في ما يحدث خير ، فقد كشفت الأحداث أهل الحق و أهل الباطل… و ظهر بجلاء حزب المنافقون الجدد الذين تستروا منذ زمن بشعارات الدفاع عن قضايا الأمة ونصرة فلسطين و القدس…

فتوهم حكام السعودية أن الإرتماء في حضن الكيان الصهيوني كفيل بحمايتهم من التهديد الأمريكي و من العقوبات القادمة، و التي بدأت نُذُرَها بتصويت مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع على إدانة ولي العهد السعودي و تحميله مسؤولية قتل جمال خاشقجي ، و الحرب علي اليمن…لكن للأسف الجهل و الغباء لا وطن له، فهذا “ترامب” الذي أفرغ خزائن السعودية و دفع حكامها إلى الهرولة بإتجاه إسرائيل، و ضرب اليمن و التصعيد مع إيران و حصار قطر يقف عاجزا في حمايتهم بعدما حقق مايريد، و لا أظن أن الرجل تخلى عنهم أو عجز عن حمايتهم، و لكن الرجل  يحترم الأقوياء و ينحني إجلالا لمن يستطيع الرد عليه ، بينما يستعبد من خضع إليه و إتبع هواه…فإذا كان ترامب و المؤسسات الحاكمة في أمريكا قد تخلت عن النظام السعودي رغم خدماته الجليلة لأمريكا، و لم تشفع المليارات التي صرفت لصالح الشعب الأمريكي في ضمان ولاء ساسة أمريكا، فإن إسرائيل بدورها لاتقل خبثا و مكرا عن ساسة أمريكا…

و لست بصدد الدفاع عن حكام السعودية ، فهؤلاء إرتكبوا جرائم لا تغتفر في حق الشعب اليمني و السوري و الشعب العربي من المحيط إلى الخليج ، و جريمة قتل خاشقجي بهذا الأسلوب كانت من مكر الله.. ليذيقهم من نفس الكأس الذي أذاقوه لملايين العرب و المسلمين، فالأيام دول و دولة الباطل ساعة و دولة الحق إلى قيام الساعة..

فمهما إنتصر الباطل، أو كسب معارك، أو ربح أرضا جديدا، و كسب أنصارا و أتباعا، فسنة الله ماضية بأن النصر للحق، وأهله، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء : 81]

فالصراع اليوم بين الحق والباطل، و هو صراع أزلي و قانون رباني وسنة ماضية إلى يوم القيامة، منذ خلق الله آدم وحواء، وأسكنهما الجنة، إذ نصب إبليس راية الباطل، فرفض تنفيذ أمر ربه بالسجود لآدم، استكبارا، ثم كسب جولة، عندما خالف آدم وحواء أمر ربهما، تحت إغوائه، فأكلا من الشجرة المحرمة، فأهبطهما الله إلى الأرض، و من ذلك الحين والصراع مستمر  بين الحق والباطل، و قد  أرسل  الله رسله  أنبياءه، من أجل تبيان الباطل للناس حتى  يجتنبوه، والحق  كي يتبعوه، لكن أهل الباطل و الأهواء اتبعوا الباطل و ناصروه…قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد : 3]

وتلك سنة الله التي أقام عليها حياة البشر، ألا وهي الصراع الدائم بين الحق والباطل، فلا يخلو منه عصر، 

وفي قصص الأنبياء مع أقوامهم دروس، فقد انتصر حق موسى على باطل فرعون بنصر أوليائه، قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)} [الأعراف : 118-120]، فمهما إرتفع الباطل و ساد إلا أنه إلى زوال ، وأن دولته ساعة، وأن نزوله بالعبد و الأمة  ابتلاء من الله لهما، لاختبار مدى ثباتهم على الحق و المنهج القويم …

فقوة الباطل لا من نفسه و إنما تأتي   من جهة أخرى تمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت هذه القوة  وقع، وإذا زالت عنه اضمحل، أما الحق فثابت بطبيعته قوي بنفسه.. و  أهم عامل في هزيمة الباطل، هو ثبات أهل الحق على حقهم، وعدم تنازلهم عنه…

و تمسك أهل فلسطين بحقهم، و إتساع دائرة الرافضين للتطبيع في أغلب البلاد العربية والإسلامية و إستنكار ظاهرتي الفساد و الإستبداد و مقاومتهما، و لو بالكلمة هو إنتصار للحق و أهله.. و نتمنى أن تدرك شعوب الخليج عامة، و السعودية والإمارات خاصة، أن حكامهم و أموال بلدانهم أصبحت مسخرة لمحاربة الحق و أهله، و ما فعله حكام السعودية والإمارات بالعرب لم تستطع إسرائيل و أعوانها فعله من منذ نشأتها، و أن بقاءها ما كان ليستمر لولا دعم هؤلاء الحكام في السر، و الأن أصبحت الخيانة والعمالة تتم في العلن و في ذلك مقدمة لإنتصار الحق و علوه على الباطل…و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here