د. طارق ليساوي: حقيقة وضع المسلمين في عصرنا تلخصها مقولة إبن خلدون: “المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب”

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال ” ما مدى موافقة النظام الجبائي الإسلامي للقواعد و المبادئ الواردة بالنظم الضريبية المعاصرة؟” إلى أن صلاحية النظام الضريبي الحديث و سلامة النظام المالي ككل تعتمد على مبادئ أهمها: العدالة والاقتصاد، واليقين، والملاءمة، و الاستقرار، و السنوية .. و عندما قارنا بين النظام الجبائي المعاصر و النظام الجبائي الإسلامي ،وجدنا أن معظم هذه القواعد و المبادئ متوافرة و قد تناولها الفقه المالي الإسلامي بقدر كبير من التفصيل و التدقيق، بل إن التشريع الإسلامي كان سباقا  إلى إقرار مبدأ يعتبر من المبادئ الأساسية في علم الضرائب المعاصر: وهو مبدأ عدم تعدد الضرائب، وقد شرح فقهاء الإسلام حدود هذا المبدأ  فقالوا: “لا يجوز إيجاب زكاتين في حول واحد، وبسبب واحد..”  بل إن التشريع الإسلامي وكتب الفقه المختلفة، لم تكتفي ببيان أحكام الضريبة، بل تم الحرص على التدقيق في اختيار رجال الضرائب، الذين يقومون بجمعها ممن تجب عليهم، لأن العدالة في نظر الإسلام ليست في سَنِّ التشريع فقط، بل في مراعاة حسن التطبيق و سلامة التنفيذ…و هذه الخلاصة تفنذ القول الشائع لدى البعض، بأن أحكام القران و السنة النبوية غير صالحة لكل زمان ، و إنما هي أحكام وقتية جاءت لوقت قد مضى ، هذا الوقت تميز بالبساطة و البداوة و عدم التعقيد، و بالتالي فإن هذه الأحكام لا تتلاءم مع طبيعة العصر الحالي الموسوم بالتعقيد و التطور و تشابك المعاملات …

و في هذا المقال سنحاول دحض هذه الشبهة و تفنيذها، و توضيح أن  الأحكام الواردة بالكتاب و السنة صالحة لكل زمان…و عليه سنوضح تاريخانية هذه الفكرة، و كيف تطورت، و توضيح جذورها و غايتها.. ثم نعرج  لتوضيح  عدم صحتها، و عدم انسجامها مع حقيقة و فلسفة الصيغة الإسلامية …

مبدئيا، علينا الإقرار بأن  هذا الحكم المسبق هو نتاج لعدم تعمق في فهم الإسلام و خاصة في جانب المعاملات، و أيضا نقل عشوائي للتجربة الغربية في مجال العلوم الإنسانية و الإجتماعية ، و محاولة تنزيلها على واقع مغاير تماما، و لتوضيح ذلك ، لا بد من العودة إلى أصل الموضوع، فالقول بعدم صلاحية أحكام القران الكريم لكل زمان، بمعنى أنها أحكام وقتية جاءت لتنظيم و تأطير وقت قد مضى، هذا الوقت إتسمت ظروفه ووقائعه بالبساطة و البداوة ، و لا تتلاءم بالمطلق مع العصر الحالي الذي يتسم بالتعقيد و التطور …هذا التصور بدأ تاريخيا مع إحتكاك المسلمين بالحضارة الغربية ، فالمسلمين تحت و قع الهزيمة الحضارية و العسكرية، تكون لدى بعضهم، شعور بالدونية تجاه الحضارة الغربية و منتجاتها… و بحسب مقولة ابن خلدون الشهيرة :” المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، بل أن المهزوم يسوق لنفسه مجموعة من المبررات  كي يبرر بها هزيمته، و سماها ابن خلدون ب”المغالطة”،و يمكن أن ندخلها في باب خداع الذات..

و من ضمن الأمور التي ساقها بعض المسلمين لتفسير تخلفهم و “خداع ذواتهم”، هو أن الإسلام و أحكامه الواردة في القران و السنة غير صالحة لمسايرة التقدم و التطور ، و أن تقدم الغرب الأوربي كان نتاج  للفصل بين الدين و الدنيا ..خاصة و أن  الفكرة القائلة بتاريخية أو وقتية أحكام القران الكريم ، ليست بالدعوى الجديدة و الأصيلة في الفكر الإسلامي المعاصر، فهي دعوى ظهرت للوهلة الأولى في أوروبا خلال عصر النهضة، ” فقد تبناها فلاسفة التنوير الغربي الوضعي، في سياق تعاملهم مع نصوص “الثوراة” و “الإنجيل”، فقد رأوا في قصص هذه الكتب السماوية مجرد رموز، و أن الدين و التدين بشكل عام، إنما يمثل مرحلة تاريخية في عمر التطور الإنساني، شكلت مرحلة طفولة العقل البشري، تم تلتها على طريق النضج و التطور، مرحلة “الميتافيزيقيا” التي تراجعت هي الأخرى لحساب المرحلة الوضعية…”..

 و من سمات المرحلة الوضعية أنها لا ترى علما إلا إذا كان نابعا من الواقع، و لا ترى سبيلا للعلم و المعرفة إلا العقل و التجربة الحسية، و ما عدا ذلك، من دين و أحكام الشرائع السماوية ، فهي مجرد “إيمان” مثل مرحلة تاريخية على درب التطور العقلي، و لم يعد متناسبا مع مقتضيات و ضوابط و مستجدات عصر العلم الوضعي، اللهم إلا لحكم العامة و السيطرة على نزعاتهم و غرائزهم عملا بالمقولة الشهيرة ” الدين أفيون الشعوب”…هكذا بدأت و تطورت نزعة تاريخية النصوص الدينية في الفكر التنويري الغربي، أي في عصر النهضة الأوروبية …

و إذا كان هذا القول جائزا و مقبولا في الغرب، و تاريخه المرير مع الكنيسة و هيمنتها على كل مناحي الحياة، و إذا كانت هذه المبررا ت جائزة بالنسبة لكتب و رسالات خاصة بقوم بعينهم و هم بني إسرائيل الذي جاءتهم اليهودية و المسيحية و نزلت لهم “الثوراة” و” الإنجيل”  لظروف و زمان معين، و تشريعات مخصوصة تجاوزها تطور الواقع، فإن دعوى تاريخية النص الديني لا مكان لها و لا ضرورة تستدعيها بالنسبة للقران…و ذلك لعدة أسباب:

أولا- أن القرآن الكريم هو كتاب الشريعة الخاتمة، و الرسالة التي ختمت بها النبوات و الرسالات: فلو “طبقنا عليه قاعدة تاريخية النصوص الدينية لحدث صراع في المرجعية الدينية ، إذ لا رسالة بعد رسالة محمد عليه الصلاة و السلام، ولا وحي بعد القران الكريم ، و إذا حدث هذا الفراغ في المرجعية و الحجة الإلهية على الناس، زالت حجة الله على العباد في الحساب و الجزاء…” ( للتوسع أكثر أنظر: د. محمد عمارة ،  شبهات حول الإسلام، سلسلة التنوير الإسلامي، العدد 57،دار نهضة مصر للطباعة و النشر و التوزيع،القاهرة ، 2002، ص 17-26)..

ثانيا- القرآن لا يتعارض مع العقل و العلم : القران خاصة و الإسلام بشكل عام لا يتعارض مع العلم و العقل، فالإسلام دين الفكر ودين العقل ودين العلم وحسبنا أن رسوله لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل، والنظر، والتفكير.. ولم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبونه ،من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم: (وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ* أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت: 50-51)…وقد ارتفع القرآن بالعقل وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببا في عذاب الآخرة، فقال حكاية لما يجرى على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10)و قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 18).

وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل و العلم، أنه حذر اتباع الظن وجعل البرهان والحجة أساس الإيمان: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ) (الأنعام: 148).و قوله تعالى:  (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35).

كما ذم القرآن  التقليد وجري الخلف وراء السلف، دون نظر واستدلال، فهؤلاء “الذين ورثوا عقائدهم وآراءهم عن آبائهم وأجدادهم لا لشيء سوى أنهم آباؤهم وأجدادهم، وكأنهم يرون أن السبق الزمنى، يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات وأفهامهم في النصوص قداسة الحق وسلطان البرهان” فالتزموها وتقيدوا بها وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان، خاصة البحث والنظر وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170)…

ثالثا- أحكام القران الكريم في المعاملات كما في العبادات صالحة لكل زمان و مكان : هذا بالإضافة إلى أن التاريخية أي وقتية الأحكام، لا يقول بها أحد في أحكام العبادات، و إنما يقول بها أصحابها في آيات و أحكام المعاملات، و لو وقف الداعون إلى تاريخية آيات الأحكام في القرآن على ” حقيقة هذه الأحكام التي توهموا الحاجة إلى تجاوزها، لأدركوا أن وقوف النص القراني عند الكليات و فلسفات و قواعد و نظريات التشريع مع ترك تفصيلات التشريع لإجتهادات الفقهاء هو الذي جعل أحكام القران الكريم في المعاملات كما في العبادات صالحة لكل زمان و مكان..”

ذلك أن القران في المعاملات على حد تعبير المرحوم د. محمد عمارة “قد وقف عند  “فلسفة” و “كليات” و “قواعد” و “نظريات”  التشريع أكثر مما فصل في تشريع المعاملات ” ، ذلك ان الله تعالى فصل في الأمور و الثوابت  التي لا تتغير بتغير الزمان و المكان، مثل منظومة القيم و الأخلاق و القواعد الشرعية التي تستنبط منها الأحكام التفصيلية و الحدود المتعلقة بالحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة.. بينما ترك تفصيل أحكام المعاملات لعلم الفقه، الذي هو إجتهاد محكوم بثوابت الشريعة الإلهية، و ذلك حتى يظل فقه المعاملات متطور عبر الزمان و المكان، بغرض مواكبة الأحداث و الوقائع و المستجدات و التحديات الناشئة في إطار كليات الشريعة و قواعدها و مبادئها الثابتة…

فالدين الإسلامي يملك مقومات التكامل بين المادي والروحي، وهذا التكامل هو ما يحتاج إليه الإنسان في المجتمع الغربي، الذي بات أسيراً للمادة التي قضت على فطرته السليمة، فالإسلام دين الوسطية والفطرة،الذي يتعامل مع الإنسان من دون أغلال أو قيود…كما أن الإسلام باحترامه للعقل، فإنه يشجع على العلم و التطور، و العلم هو وسيلة التطور وانتقال الحياة إلى الأفضل، وإذا كان الإسلام لا يقف ضد العلم فإنه بالتبعية لا يقف ضد التطور، بل على النقيض تماماً يحث عليه…

و علينا الإقرار و الإعتراف بكل موضوعية و تجرد، أن المسلمين في الوقت الراهن، لا يمثلون حقيقة ورسالة الإسلام -بما فيهم كاتب المقال- ، لأن رسالة الإسلام تدعو إلى العلم وتحفز المسلمين أن يكونوا في الطليعة وفي المقدمة لا في المؤخرة، أن يكونوا أحرارا لا عبيدا، أن يكونوا أنصارا للعدل لا عونة للظالمين و لو بالصمت، أن يكونوا مبدعين لا مقلدين، أن يكونوا أعلاما وقادة في العلوم المختلفة، لا مسلمين في ذيل الركب الحضاري.. فالعجز ليس في الإسلام أو أن أحكامه و ضوابطه غير قابلة لمواكبة مستجدات العصر، و لكن العجز في أسلوب إدارة البلدان العربية و سيادة الحكم الاستبدادي الجبري الذي يكبث الحرية و يقدم الأتباع على الأكفاء، و الإبتعاد عن الفهم و التطبيق الصحيح لروح الإسلام في الحكم و الاقتصاد و الاجتماع…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. السلام عايكم
    شكرا جزيلا لصحيفتكم باختارالمواضيع الهامة في شتى المجالات الفكرية والتطبيقبة.
    عندي رجاء للسيد الكاتب وهو أن يطلعنا على المراجع التي اعتمد عليها في مقالته وتثبيت الشواهد بتحديد مراجعها من أجل الفائدة العامية والتربوية.
    مع وافر الشكر

  2. أظن أن في المرحلة الحيالية من عمر الامة، وصل الفريقان، العلمانيون والمحافظون، الى قناعة ان الحل يكمن في التلاقي عند نقطة وسط.

    العلمانيون استهلكوا النصف الثاني من القرن ال 20, وبرهنوا بقوة عن عجزهم على النهوظ بالامة، بل لم يتمكنوا من الحفاظ على الحد الادنى من المستوى الحضاري.

    وبالمقابل، عجز المحافظون على تغيير الاوظاع، إن سلميا او بطرق أخرى. بل خسروا مواقع وتراجعوا خمسون سنة.

    ما أقول لا يعني أن يتخلى المحافظون عن القرٱن والسنة. لكن انه كما تفضل به الكاتب الكريم، ديننا يسع كل زمان وكل مكان. وهذا طبعا….إن صلحت النيات.

    امتنا، بعد سبات دام منذ قرنين او اكثر، بدأت تستفيق على وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي وتكنولوجي صنعه الأخرون، لا سبيل لنا، فيما ارى، من التأقلم معه ولو لحين. اعود وأؤكد، هذا ليس انبهارا بالغرب او دعوة لتبعيته.

    إذن، كاتبنا العزيز، كيف يمكن لنا ان تأقلم مع الربا وخلق النقود (M2) والنمو السريع، والمستوى المرتفع للظرائب الحديثة، والتعامل بعملة الٱخر ($)، ومسألة التأمينات في كل شيء.

    ام ان الكاتب يرى أنه يمكن التخلص من الربا في بضعة اشهر. واعتماد الذهب بدل الدولار خلال سنة او سنتين و تحديد الكتلة النقدية وووو

    تحياتي دكتور واحترامي لمجهودكم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here