د. طارق ليساوي: حراك الريف المغربي معركة بلا منتصر…

tarek lisawi.jpg555

د. طارق ليساوي

في مدينة شنغهاي الصينية حاولت الحكومة في إطار تقوية البنية التحتية، تماشيا مع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الصين عامة وشنغهاي خاصة، توسيع أحد الشوارع الرئيسية في المدينة. و بالفعل بدأت الحكومة المحلية في مفاوضات مع الساكنة المجاورة لشارع، بغرض تحويلهم إلى أماكن أخرى وتعويضهم عن نزع ملكية مساكنهم، لكن أغلبية السكان قبلوا إلا عجوزا طاعنا في السن اسمه”هونغ شو” تمسك ببيته، الذي جاء في وسط هذا الشارع الرئيسي، و بالرغم من الجهود التي بدلها السياسيين و زعماء الحزب الشيوعي و الأصدقاء لإرضاء العجوز، إلا أن هذا الأخير رفض التنازل عن بيته، لأن البيت يمثل له ذكريات تاريخية خاصة، وقد أيدت المحكمة هذه الحجة و أصدرت حكما لصالحه، و قد استمر هذا النزاع 14 سنة، و البيت يقطع جزءا من الشارع الرئيسي و لم يتم هدم البيت إلا بعد وفاة العجوز و تعويض ورثته..

افتتاح المقال بهذه القصة الإنسانية الغرض منه نقل صورة واقعية، مفادها أن الأمم و الدول تنمو وتنهض عندما تحترم إرادة مواطنيها، و صدق من قال ” العدل أساس الملك”، ولنترك الصين في حالها و نعود لبلداننا العربية، فالصورة مقلوبة تماما ولا حياة لمن تنادي، فالمواطن العربي لاقيمة له في نظر حكامه و حكوماته، فهو مجرد رقم لا أهمية له، لاسيما إذا كان هذا المواطن من عامة الناس و ليس من أهل السلطة والجاه…

ففي المغرب – ووضع المغرب ليس بالاستثناء مقارنة بباقي البلدان العربية- بالرغم من تصاعد وثيرة المطالب الشعبية بضرورة التجاوب مع مطالب حراك الريف، و ارتفاع الأصوات المطالبة بتسوية مخلفات ما بعد وفاة “محسن فكري” بائع السمك الذي طحن في حاوية للأزبال، و كان لموته بهذه الطريقة المخزية و المهينة لكرامة الإنسان، السبب الرئيس في تفجير حراك الريف الذي أنتج متتالية من الأحداث، أخر حلقاتها تناسل أخبار اعتقال السيدة “نوال عيسى” الناشطة في حراك الريف..

هذه الواقعة تجسيد لمثل شعبي دارج”ماقدو فيل زادوه فيلة”،فبينما كنا ننتظر إفراجا عن معتقلي حراك الريف وفي مقدمتهم ” ناصر الزفزافي” و الزميل “حميد المهداوي” و باقي المعتقلين، الذين لا يعني عدم ذكر اسمهم أنهم أقل أهمية من هؤلاء، بل ربما كم من مجهول في الأرض مكانته أعظم في السماء، فنحن لانملك أسماء كل هؤلاء المعتقلين ولكن قلوبنا معهم جميعا…لا نعلم على وجه التحديد ما مصلحة الدولة المغربية في الاستمرار في سياساتها المنتهكة للحقوق و المبادئ التي التزمت بها في دستور 2011 ، و ماهي المكاسب التي تحققها الدولة من الاستمرار في سياسة القمع و الاعتقال تجاه أهلنا بالريف؟

اعتقد أن ما تفعله الدولة هو إضرار مجاني بصورة المغرب، و تغطية عن فشل سياسات الدولة و عجزها عن مواجهة التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد، فالدولة عجزت تنمويا كما عجزت سياسيا و أخلاقيا، ندرك تماما أن مجال الحرية أصبح يتقلص بالتدريج، وأصبح الرأي الحر مقيد و تحث طائلة الاعتقال و التضييق، لكن مع ذلك لا يمكن السكوت على مايحدث، و لا يمكن أن نشارك كشهود زور على أحداث و تصرفات تقود البلاد إلى الهاوية و إلى المجهول…

من المؤكد أن التضييق على نشطاء حراك الريف الذي ظل سلميا و حضاريا، سيقود حتما إلى مواقف أكثر تشددا ، والمخاطر التي تأكدت في السنوات الأخيرة بتفتيت دول كانت موحدة لعقود يقودنا باتجاه التنبيه إلا  أن سياسة الدولة تهدد وحدة واستقرار المغرب، فالمغاربة منذ فجر الإسلام و هم شعب متعدد الثقافات و سر قوة المغرب هو في تنوعه الثقافي و الاثني، و تنوعه الجغرافي فشمال المملكة ليس هو جنوبها و شرقها ليس هو غربها فهناك اختلاف في المناخ و التضاريس و اختلاف في اللهجات و العادات و التقاليد..

لكن مع ذلك هناك تعايش عبر قرون بين الأمازيع و العرب، هناك علاقات مصاهرة و تأخي قل نظيرها، فمن الصعب أن تجد اختلافا بين هذا وذاك على أرض الواقع، لكن التوجه الذي اختارته الدولة في تعاملها مع حراك الريف يقود إلى مستقبل مظلم، لاسيما في ظل نزعة دولية و إقليمية غير مواتية، فاسبانيا جار المغرب تعرف جدلا بخصوص استقلال إقليم “كاتالونيا”، ونعلم جيدا التلاقح الثقافي بين اسبانيا و شمال المملكة عموما، بحكم التقارب الجغرافي و استعمار اسبانيا للشمال المملكة . كما يشهد إقليم “كردستان” إجراء استفتاء للانفصال عن العراق…

لذلك، فان السياسات ضيقة الأفق تدفع إلى اليأس، و هناك أيادي تتربص بالمغرب كما تتربص بباقي البلاد العربية، فاعتقال الأصوات الحرة التي فضلت الاشتغال في النور، و تحث أنظار أجهزة الدولة المختلفة، و حملت شعارات مقبولة سياسيا و معقولة اقتصاديا، سيقود إلى المجهول، أيها الناس المغرب ليس بالبعيد عن خريطة الدم و التجزئة، قوة المغرب ليست في وجود جاهزية أو فعالية أمنية أو غيرها، قوة المغرب في إرادة ووعي شعبه، فنجاح الأجهزة الأمنية في مواجهة أي تهديد امني كان منذ أحداث الدار البيضاء نتاج لتعاون الساكنة …قوة المغرب نابعة من وجود عقد اجتماعي ضمني بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، بما في ذلك سكان “الحسيمة” والريف عامة، نوذ بالفعل أن تكون المؤسسة الملكية على قدر المسؤولية التاريخية ، فاللحظة فاصلة و الاختيارات صعبة…

لازال من الممكن تدارك الموقف وجبر الضرر بأقل كلفة، الاعتراف بالخطأ فضيلة و الرجوع للحق خير من الاستمرار في الخطأ، نتمنى إفراجا على كل المعتقلين و النشطاء، نتمنى ترسيخ دولة الحق و القانون، و احترام الحريات العامة وفي مقدمتها الحق في التعبير و الاحتجاج السلمي، فإذا فشلت الدولة تنمويا واقتصاديا، فعلى الأقل فلتكن ناجحة أخلاقيا، ونجاحها الأخلاقي نابع من احترام مواطنيها، و سعيها الحثيث لرفع الضرر عنهم و عدم الإضرار بهم و بمصالحهم، فهؤلاء النشطاء هم درة تاج هذه البلاد، فمن المعيب أن يكون جزاءهم القمع و الاعتقال و الرمي في غياهب السجون، فإذا كانت قدوة حكامنا هم حكام الغرب فليسيروا على نهجهم في تعاملهم مع مواطنيهم، ف “ترامب” و “كامرون” و “ميركل”  لايعتقلون أو يحاكمون من عارض أو احتج على  سياساتهم، فهؤلاء أدركوا أن الحكومات العاقلة لا تعادي و لا تحارب إرادة شعوبها، فمعركة الحاكم ضد شعبه لا منتصر فيها.. “هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين” (الآية 138 آل عمران)…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here