د. طارق ليساوي: ثورة الصين الهادئة ضد الفقر و العوز

 

 

د. طارق ليساوي

تناولنا في أكثر من مقال  و محاضرة موضوع اللامركزية المالية في الصين و سياسة الإنفاق على السلع العامة، و خلصنا  إلى أن  معظم الإصلاحات التي تم إطلاقها في العقد الماضي تمثل خطوات مهمة  في اتجاه بناء المجتمع المتجانس، لكن الصين لا تزال تواجه عدة تحديات رئيسية : كخفض تكاليف الرعاية الصحية وتشجيع زيادة الكفاءة بأسعار معقولة، وتعميق تغطية التأمين  (أي تخفيض حصة ما يدفع من الجيب)؛ وتحسين عدالة وكفاءة الإنفاق الحكومي من خلال استهداف الفقراء و المناطق الفقيرة ، وهو ما يعني تبني برنامج أوسع لمكافحة الفقر والعوز لاسيما بالمناطق الريفية ، فعملية الحد من الفقر لم تكن بالبرنامج المنفصل عن باقي السياسات العمومية في حقبة مابعد 1978 ، فخصخصة الزراعة وإصلاح نظام الأسعار ساهم في رفع مداخيل المزارعين، وهو الأمر الذي ساعد على توفير الموارد المالية التي تم استثمارها في مشاريع البلدات والقرى، فكان لهذه المشاريع الصناعية  دور مهم في استقطاب العمالة الريفية في الأنشطة الغير الزراعية، وهو ما ولد دورة حلزونية للنمو استطاعت أن تقلص وثيرة الفقر عامة و الريفي خاصة..

 فالصين نجحت منذ إطلاق عملية الإصلاح والانفتاح عام 1978، في تخليص ما يقرب من 800 مليون شخص من الفقر- أي أكثر من إجمالي سكان أمريكا اللاتينية أو الاتحاد الأوروبي معاً. و سيركز المقال على تحليل إستراتيجية الصين في تقليص عدد الفقراء…

فقد أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” يوم  25 فبراير 2021 أن الصين حققت “انتصارا كاملا” في معركتها ضد الفقر.وجاء هذا الإعلان خلال كلمة ألقاها الرئيس الصيني أمام تجمع كبير عقد في بكين للاحتفال بإنجازات البلاد في القضاء على الفقر المدقع وتكريم نماذجها المثالية في مكافحة الفقر..و يحدد “خط الفقر” بأنه دخل يقل عن 2.3 دولار يوميا للفرد، أي أعلى بقليل من الحد الأدنى المحدد من قبل البنك الدولي (1.90 دولار). لكن هذا التحديد لا يستند فقط إلى الدخل.ففي معظم أنحاء الصين، قام مسؤولون حكوميون بزيارة المنازل لتقييم الوضع الاجتماعي للسكان بحسب معايير مختلفة: الوضع الصحي، أو وضع المسكن، والتغطية الصحية وتعليم الأطفال وغيرها…وتم شطب عائلات تملك سيارة أو جرارا من لائحة الأسر الفقيرة.

فقد سمحت الجهود التي بذلتها الحكومات على جميع المستويات، من المقاطعات والبلديات إلى القرى، بالقضاء التدريجي على الفقر بتنفيذ مشاريع تجريبية لمعالجة المشاكل المحلية على أرض الواقع من خلال برنامج موجه للتخفيف من حدة الفقر وتحقيق نتائج غير مسبوقة..و تبعا لهذه الجهود انخفضت نسبة سكان الصين الذين يعيشون في فقر مدقع من 97.5 في المئة في عام 1978 إلى 1.7 في المئة فقط في عام 2019، في حين زاد دخل الفرد 20 ضعفاً خلال نفس الفترة. و الصين عمليا، الدولة الوحيدة التي ارتفعت من الفئة الأدنى إلى الفئة الأعلى على مؤشر التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ومن المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى ما يقرب من 100 تريليون يوان (14.36 تريليون دولار ) وأن يرتفع نصيب الفرد منه إلى مستوى 10آلاف دولار، حسب أحدث التقارير العالمية المستقلة.و الملاحظ أن   إستراتيجية الصين للحد من الفقر منذ 1978 ، عرفت سلسلة من التطورات يمكن تحديدها كما يلي :

أولا- الإصلاح الهيكلي وتخفيف حدة الفقر (1978-1985)

كان عدد السكان الذين يعيشون في الفقر في عام 1978حوالي 250 مليون، أي 30،7 ٪ من مجموع سكان الريف، وفقا لمعيار الفقر الذي حددته الحكومة الصينية. أسباب كثيرة أدت إلى هذا العدد الكبير من الفقراء، وأحد الأسباب  الرئيسية  كان نظام التشغيل في مجال الزراعة الذي لا يتناسب مع احتياجات تطوير القوى المنتجة، ذلك أن الفلاحين افتقروا إلى الحماس للإنتاج، لذلك، شكل إصلاح النظام الزراعي  الطريقة الأمثل لتخفيف وطأة الفقر.

فالإصلاحات التي بدأت في عام 1978 هي- أولا وقبل كل شيء- إصلاح نظام إدارة الاراضى، أي استبدال نظام الإدارة المحلية الجماعية/ الشعبية، بنظام المسؤولية التعاقدية للأسر المعيشية. فتغيير نظام إدارة الأرض منح الفلاحين الحماس الحقيقي للعمل، وهو ما مكن من تحرير القوى المنتجة وتحسين الإنتاج. وفي غضون ذلك ، كثير من الإصلاحات الأخرى، مثل التخفيف التدريجي من السيطرة على أسعار المنتجات الزراعية، وبدل جهود كبيرة لتطوير مشاريع البلدات، وكلها إصلاحات ساهمت في تقليص حدة مشكلة الفقر في المناطق الريفية .فهذه الإصلاحات سرعت من تنمية الاقتصاد الوطني. أفادت الفقراء من  ثلاث نواحي : رفع أسعار المنتجات الزراعية ، وتحويل هيكل الإنتاج الزراعي  نحو  القيمة المضافة الأعلى، وتوظيف العمال في المناطق الريفية في القطاعات غير الزراعية ، ومن ثم تمكين الفقراء من التخلص من  الفقر. وكانت النتيجة تخفيض حدة الفقر في  المناطق الريفية.

ووفقا للإحصاءات الرسمية، في الفترة من 1978 إلى 1985 نصيب الفرد من الناتج من الحبوب شهد زيادة بنسبة 14 ٪ في الريف، من جانب القطن 73،9 ٪ المحاصيل الزيتية 176،4 ٪، واللحوم بنحو 87،8 ٪ والدخل الصافي لكل فلاح تضاعف بحوالي 3،6 مرات ؛ عدد الفقراء غير قادرين على إطعام وكساء

أنفسهم قد انخفض من 250 مليون إلى 125 مليون، تقلص إلى 14،8 في المائة من مجموع السكان في المناطق الريفية .وعدد الفقراء انكمش بمعدل بلغ في المتوسط 17،86 مليون سنويا.

ثانيا-  توسع برامج التنمية الموجهة نحو التخفيف من وطأة الفقر (1986-1993)

في منتصف الثمانينات، سياسة الإصلاح والانفتاح أعطت دفعة قوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، غير أن عدد من المناطق ظلت متخلفة عن الركب بفعل عوامل اقتصادية، اجتماعية، وتاريخية أو طبيعية.. فأصبحت التنمية الغير متكافئة في الأرياف واضحة، فبرز  عدد لابأس به من ذوي الدخل المنخفض، الذين يعجزون عن  تلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية.

وبين عامي 1986 و 1993، ولتخفيف حدة الفقر اعتمدت الحكومة الصينية سلسلة من التدابير الهامة منها: منح مساعدة خاصة للفقراء في وحدات العمل، ووضع مصلحة خاصة لتقديم المساعدات المادية و العينية وإصلاح نهج الإغاثةة التقليدي. كما تم الشروع في وضع سياسات الموجهة نحو الحد من الفقر. وبفضل الجهود التي بذلت على مدى 8 سنوات ، صافي الإيرادات لكل الفلاحين في المقاطعات الفقيرة التي أولتها الحكومة أهمية خاصة زادت من 206 يوان في عام 1986 إلى 483،7 يوان في عام 1993؛ عدد من الفقراء في المناطق الريفية انخفض من 125 مليونا إلى 80 مليون، بمتوسط انخفاض سنوي بلغ  6،4 مليون شخص، وبمعدل انخفاضا سنوي بلغ في المتوسط 6،2٪، ونسبة الفقراء  من مجموع سكان الريف انخفض من 14،8 ٪ إلى 8،7 ٪.

ثالثا- معالجة المشاكل الرئيسية لتخفيف حدة الفقر بعد 1994:

على اثر الجهود التي بذلت للحد من الفقر  حدتث تغيرات كبيرة في ملامح الفقر في الصين ؛ فتوزيع السكان الفقراء أصبحت  له  خصائص جغرافيه واضحة،  ذلك أن  معظم الفقراء يعيشون في وسط وغرب الصين، والجبال الصخرية القاحلة في منطقة الجنوب الغربي لجمهورية الصين، والمناطق القاحلة في الشمال الغرب، أي أن الفقراء يتمركزون في المناطق الجبلية (التي تعاني من تضاريس وعرة ، ونقص الأراضي الصالحة للزراعة ، وضعف شروط النقل ، وتآكل التربة) ، فالعوامل الرئيسية الكامنة وراء الفقر تعود بالأساس إلى قساوة الظروف الطبيعية الصعبة، وضعف البنى الأساسية ، وتخلف التنمية الاجتماعية.

لذلك، أطلقت الحكومة في مارس 1994 برنامج 7 سنوات للتخفيف من حدة الفقر” Seven-Year Priority Poverty Alleviation Program”، والذي وضع كأولوية انتشال حوالي 80 مليون شخص من دوامة الفقر المدقع في 7 سنوات بين عامي 1994 و 2000.  وقد تم حشد موارد مالية وبشرية مهم لتنفيذ هذا البرنامج، وبعد 3 سنوات (1997-1999)، تمكنت الصين من حل مشكلة الغذاء والكساء ل8 ملايين شخص في السنة. وبحلول نهاية عام 2000 ، الأولويات  الأساسية التي رسمت لبرنامج 7 سنوات قد تحققت على العموم.

وبفضل الجهود الفعالة و الشاقة التي بذلت على مدى عقدين من الزمن، الصين حققت تقدما هائلا في برنامج التخفيف من حدة الفقر، فتم التغلب على  :

  • حل مشكلة الغذاء والكساء لأكثر من 200 مليون من الفقراء في المناطق الريفية قد تم حلها: عدد الفقراء في المناطق الريفية الذين يجدون صعوبة في الحصول على ما يكفى من الغذاء والكساء قد انخفض من 250 مليون في عام 1978 إلى 20 مليون في عام 2010؛ معدل الفقر انخفض هناك من 30،7 ٪ إلى حوالي 3 ٪.

  • تحسن الإنتاج والظروف المعيشية بشكل ملحوظ: ففي نهاية عام 2010 ، 98 ٪ من القرى التي توجد بالتراب الإداري للمناطق التي تعاني من الفقر تم تزويدها بشبكة الكهرباء، و 89 % بالمسالك الطرقية، و 87 ٪ بخدمات البريد، و 87،7 ٪ بخدمات الهاتف.

  • تسريع وثيرة التنمية الاقتصادية: فأثناء تنفيذ برنامج سبع السنوات للتخفيف من حدة الفقر، القيمة المضافة الزراعية للمقاطعات الفقيرة -التي أعطتها الحكومة الأولوية في مجال تخفيف حدة الفقر – ارتفعت بنحو54 ٪، وبلغ متوسط معدل النمو السنوي 7،5 ٪ ؛ والقيمة المضافة الصناعية نمت  بنسبة 99،3 ٪ ، وبلغ متوسط معدل النمو 12،2 ٪ والإيرادات المالية المحلية تضاعفت تقريبا،  وصافي دخل الفلاحين ارتفع من 648 يوان إلى 1337 يوان، بلغ متوسط معدل النمو السنوي 12،8 ٪.

  • تسريع تنفيذ التعهدات الاجتماعية. النمو السكاني في المناطق المنكوبة بالفقر تم ضبطه، وشروط تشغيل المدارس قد تحسنت ، وهو ما أدى إلى تحسين نوعية العاملين. كما تم تجديد مستشفيات المدينة و ومراكز الرعاية الصحية بالبلدات في معظم المناطق الفقيرة. ونتيجة لذلك، تم خفض نسبة العجز في الأطباء والأدوية.

و على العموم،  فإن  نجاح الصين في مكافحة الفقر يعود إلى حسن تخصيص الموارد المالية والبشرية لخدمة برامج التخفيف من حدة الفقر، وكذلك الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية لربط المناطق النائية والفقيرة بباقي البلاد، مما أتاح للناس الوصول بشكل أفضل إلى الخدمات والأسواق .ففي عام 2019 وحده، خصصت الصين 126 مليار يوان لبرامج الحد من الفقر. ومنذ عام 2017، تم نشر حوالي 775 ألف موظف مدني في القرى الفقيرة لدعم المسؤولين المحليين في تنفيذ تدابير محددة لتخفيف وطأة الفقر على مستوى الأسرة …إضافة إلى ذلك، فإن النهج الذي اتبعته الصين في تخفيف وطأة الفقر، يتماشى مع الرؤية العالمية المتمثلة في أن تشمل البرامج القضايا المنصوص عليها في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030  للقضاء على الفقر ..إلا أن القضاء على الفقر المدقع لا يعني أن مهمة الصين قد انتهت، بل يتوجب على الصين بعد عام 2020 مواجهة تحديات أخرى ناشئة سنحاول تناولها إن شاء الله تعالى في مقال موالي تفاديا للإطالة .. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. من المعيب ان يعيش ستمائة مليون صيني على حوالي مائة و خمسون دولارا في الشهر حسب الوزير الاول الصيني لي ككيانغ
    تعتبر الصين من الدول ذات الدخل المتوسط اي ان مستوى الفقر يتراوح بين ثلاتة و خمسة دولارات في اليوم
    نظريا الصين دولة قابلة للانفجار الاجتماعي
    لم تظهر بعد اية ازمة تؤكد تماسك الشعب الصيني في غياب القبضة الحديدية للحزب الحاكم
    الصين دولة لا تتوفر فيها الاحصائيات الشفافة و اعتقد انها مقبلة على ازمة سكانية خطيرة
    سياسة الطفل الواحد التي كانت تنتهجها زعزعت المعادلة بين عدد الاناث و الذكور
    كان الصينيون يئدون بناتهم اذا لم يكن المولود ذكرا بسبب معتقداتهم الدينية
    يجب على الكاتب ان يحدثنا عن الفساد الخطير في الصين
    رغم بعض الاعدامات يضل المجتمع الصيني يرزح تحت وطاة فساد كبير
    يشتغل العمال ما متوسطه عشرة الى اثنى عشر ساعة في اليوم و يسكنون في اماكن لا تليق بالبشر
    اخواننا في الخليج قد يرون عدد الساعات منطقيا لكنه غير انساني

  2. أهم من الخطط العلمية الطموحة التي طبقتها الصين في سبيل القضاء على الفقر ورفع مستوى معيشة الصينيين، الاهم من ذلك هو النية الصادقة والمخلصة للطبقة الحاكمة في السهر على تطبيق هذه الخطط بحذافيرها عوضا عن البحث في سبل توريث الحكم للابناء والاحفاد.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here