د. طارق ليساوي: تهديد التدفق السلس للطاقة باتجاه الصين كفيل بإشعال حرب ساخنة

د. طارق ليساوي

من المؤكد أن الرئيس الأمريكي “ترامب”، يثير الجدل بسياساته و تصريحاته، فبعد قراره برفع الرسوم الجمركية على واردات الفولاد، وعلي بعض الواردات الآتية من الصين، وتحديه لمنظمة التجارة العالمية والتهديد بإشعال حرب “تجارية”، هاهو يتجه مجددا لإشعال حرب “طاقية” بمحاولاته تغيير التوازنات بداخل “أوبك” و التهديد بإخراج النفط الإيراني من التداول..

حقا إنها سياسة خطيرة وجريئة، لكن من الصعب التمادي فيها، فلم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في سوق الطاقة بل ظهر مستهلكين جدد متعطشين للطاقة، ووقف التدفق السلس لمصادر الطاقة و في مقدمتها النفط و الغاز الطبيعي سيؤدي حتما إلى تداعيات خطيرة على الساحة الدولية و خاصة بالشرق الأوسط باعتباره المصدر الأهم للطاقة…

وهذا المقال يتناول السياسة الطاقية في الصين باعتبارها من كبار المستهلكين، و ارتفاع استهلاكها من الطاقة يوازيه اهتمام متزايد بالشرق الأوسط…فبحسب توقعات الدوائر المعنية، فإنه مع النمو الاقتصادي وارتفاع معيشة المواطنين، سيبلغ اجمالي طلب الصين من الطاقة 5 مليارات طن من الفحم المعياري في عام 2020. وأن النمو السريع  للصين والهند سوف ينقل مراكز استهلاك الطاقة إلى الشرق. وهذا التغير يثير الاهتمام لا محال.

وهذا النمو في واردات الصين من مصادر الطاقة يزيد من قوتها الشرائية في العالم ، لذلك فإن وضع الصين  كأكبر دولة مستوردة للخام سيؤثر على دور الصين في الشرق الأوسط، فلن تبقى لاعباً صغيراً، بمعنى تنامي أهمية الصين بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط، وتزايد أهمية الشرق الأوسط للصين مقارنة بدول أخرى تستورد كميات أقل من النفط.

سنحاول من خلال هذا المقال التركيز على تحليل السياسة الطاقية في الصين عبر    التركيز على بعدين : (أولا) الفعالية الطاقية في الصين ، (ثانيا) المصادر المعتمدة في تغطية الاحتياجات الطاقية المتزايدة .

أولا _الفعالية الطاقية في الصين

 مع تجاوز أسعار البترول عتبة 70 دولارا للبرميل الواحد، عملت العديد من الصحف العالمية على تفسير هذا الارتفاع بالنمو الاقتصادي المحموم في الصين،  فالصين هي ثاني اكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات لمتحدة. ومع ذلك،  فان استهلاكها من الطاقة لا يمثل سوى نصف ما تستهلكه الولايات المتحدة، ومستويات استهلاك الفرد الواحد من الطاقة، لا يتعدى 10 % مما يستهلكه الفرد الواحد في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من وثيرة  النمو الاقتصادي السريع، التي كان لها تأثير على ارتفاع الطلب الصيني على مصادر الطاقة ، إلا أن التدابير التي تم اتخاذها على مستوى الاقتصاد ككل، كان لها دورا مهما في التحكم في استهلاك الطاقة. و  لإعطاء  صورة عن نوعية الاستهلاك الصيني للطاقة، سنعتمد على مؤشر كثافة الطاقة إلى إجمالي الناتج المحلي.

فالصين تمكنت في السنوات الأخيرة من ترشيد استهلاك الطاقة،  ففي عام 1980 ، كان الاقتصاد الصيني واحدا من أعلى الاقتصاديات  من حيث كثافة استهلاك الطاقة  لكل وحدة  من  الناتج المحلي الإجمالي.  فباعتماد أسعار السوق، كانت الصين تستخدم طاقة تعادل سبع أمثال ما هو مستخدم في الولايات المتحدة، و أربعة أمثال ما هو مستخدم بالهند،  وبتعادل القوة الشرائية الأرقام ستنخفض إلى 72،6 % في الصين و  1،64 % في الولايات المتحدة، و حوالي 5،0 % في الهند و ذلك سنة 2000.

وبعد حوالي 23 سنة، سجلت الصين انخفاضا غير عادي في كثافة الطاقة لكل وحدة من الناتج قدر بنحو4،8  %  سنويا ،  ويمكن أن نفسر انخفاض كثافة الطاقة في الاقتصاد الصيني بالعوامل التالية:

 1_التغيرات التي مست الهيكل الصناعي كالانتقال من الصناعات الثقيلة إلى الصناعة الخفيفة الصناعة، و التحول في هيكل الاقتصاد  كتراجع أهمية الزراعة وارتفاع حصة الخدمات.

 2_ التدابير المتخذة على المستوى الجزئي داخل كل قطاع من الاقتصاد ، فالشركات وبهدف خفض كلفة الإنتاج تتجه نحو تبني تدابير للاقتصاد في استخدام الطاقة  لتحسين

3_ التغيير في مصادر الطاقة بالانتقال من الفحم إلى النفط والغاز الطبيعي، كان له تأثير في تحسين الفعالية الطاقية. إلا أن البعض يعطي أهمية أكبر للعامل التكنولوجي، باعتباره فاعل أساسي في هذا الانخفاض..

وعلى العموم، فان كثافة الطاقة في الصين في عام 2016 لا تزال عالية بالمقارنة مع الدول الأوروبية واليابان، كما أن استخدامات الطاقة في الكثير من المجالات لازالت أقل كفاءة مقارنة بالاقتصاديات الصناعية.

ثانيا:المصادر المعتمدة في تغطية الاحتياجات الطاقية المتزايدة

  الصين تستهلك نحو 12،8 % من الطاقة المستهلكة في العالم عام 2017، ومن حيث البنية، فاستهلاك الصين يرتكز على الفحم والذي تحقق فيه الصين اكتفاءا ذاتيا، لكن في السنوات الأخيرة ارتفع الطلب الصيني على  النفط، و لتغطية هذا  يتم الاعتماد على الاستيراد من الخارج فالصين تستورد نحو 8 مليون برميل يوميا من النفط. أما بالنسبة لمعظم أنواع الوقود الأخرى، فالإنتاج المحلي يغطي احتياجات الاستهلاك المحلى.

ونظرا لتوفر  الصين على احتياطيات مهمة من  الفحم ، فمن المتوقع أن تستمر سيطرته على البنية الطاقية للصين،  فالطلب  الطلب على الفحم الخام   يرتفع بشكل سنوي فقد انتقل من حوالي 1،6 مليار طن عام 2000 إلى أكثر من 2،5 مليار طن سنويا في  2015. أما الطلب على النفط الخام فمن المتوقع أن يزيد إلى أكثر من 500 مليون طن، نصف هذه الكمية سيتم توفيرها عن طريق الاستيراد من الخارج، وخاصة من منطقة الشرق الأوسط.

غير أن ارتفاع التكاليف البيئية للطاقة المستمدة من الفحم جعل الصين حريصة على الاعتماد على مصادر طاقية أقل إضرارا بالبيئة و الاستدامة

لذلك،  فإن  الطلب على قدرة الطاقة الكهربائية ترتفع بوثيرة سريعة إذ انتقل الطلب من 381 ميغاوات في عام 2004 إلى أكثر من 1000 عام 2016 ، كما أن معدل نمو الطلب على النفط و الغاز الطبيعي ترتفع بوثيرة جد سريعة و الأرقام أعلاه تؤكد حقيقة النمو ..

فالاقتصاد الصيني يعد من أسرع الاقتصادات العالمية نموا، حيث بلغ معدل نموه السنوي أزيد 8%. وقد فرض ذلك النمو ضغوطا متزايدة للحصول على النفط، فمنذ عام 1993 أضحت الصين دولة مستوردة للنفط بعد أن كانت مصدرة له .

 ومع زيادة الطلب الصيني على النفط نتيجة لزيادة معدلات الاستهلاك المحلي فإن الصين أضحت منذ عام 2008 ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعزى الارتفاع في الطلب الصيني على النفط إلى توسع ونمو القطاع الاقتصادي فحسب، ولكن أيضا إلى زيادة معدلات الرفاهية الاجتماعية والمتمثلة في زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية مثل السيارات والثلاجات وغيرها، ومن المتوقع أن يستمر ذلك الطلب المتزايد على النفط بمعدل 156% خلال الفترة مابين 2001 و 2025.

فالصين تعتمد منذ 2010 على الواردات النفطية لسد نحو 45% من احتياجاتها، ولا شك أن التصاعد الكبير  في حجم الطلب الصيني على مصادر الطاقة  له انعكاساته المهمة على صناعة النفط العالمية. إذ تؤكد تقديرات هيئة الطاقة العالمية أن واردات الصين النفطية سوف تعادل واردات الولايات المتحدة بحلول عام 2030.

وتحسبا لهذه الزيادة عملت الصين على تبني سياسة خارجية تكفل تأمين احتياجات الاقتصاد الصيني  من الطاقة وباقي المواد الأولية . فالصين باتت تفكر بمنطق برجماتي مصلحي ؛ فهي تهتم بقضايا التجارة والاستثمار والوصول إلى مصادر النفط والمواد الخام أكثر من اهتمامها بقضايا الأيديولوجيا…

لذلك فإن محاولات “ترامب ” تأثير على التدفق السلس للموارد الطاقية باتجاه الاقتصاد الصيني، أو إحداث صدمة في أسعار الطاقة، سيواكبه تدابير صينية مضادة،وإن إقتدى الأمر اللجوء للقوة العسكرية “المحدودة” لتأمين مرور الناقلات و حرية الملاحة البحرية عبر المضايق، و الممرات المائية الحيوية، فمنذ أن أصبحت الصين تعتمد على الواردات في تأمين احتياجاتها تم تبني عقيدة عسكرية غايتها، حماية المصالح الإقتصادية للصين، وأهم هذه المصالح تأمين مصادر الطاقة…

لذلك، فإن تهديدات ترامب هي مجرد دعاية انتخابية، غايتها الداخل الأمريكي، ولن تصل إلا أبعد من التهديد ، وإيران المستهدفة الأول من هذه التهديدات، تدرك جيدا أن الصين لن تسمح لترامب بالإضرار بمصالحها الطاقية بإيران و الشرق الأوسط..والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here