د. طارق ليساوي: تطور سياسة النقد الأجنبى ونظام المراقبة الخارجية لعملية التحرير في الصين

 

 

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال ” تحليل دور السياسة النقدية المتوازنة في دعم الأداء الكلي للاقتصاد الصيني” ،إلى أن فعالية السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف التي واكبت الانفتاح، مكنت  الصين من السيطرة والتحكم  في التدفقات الرأسمالية ، وهو ما أسهم في استقرار  الاقتصاد الكلى…و لفهم هذه الفعالية لابد من تحليل  دور  السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف في مرحلة التحول و الانتقال من نظام اقتصادي اشتراكي إلى نظام اقتصادي ذو توجه ليبرالي، و هو الأمر الذي سيقودنا حتما إلى دراسة  تأثير الانتقال والانفتاح الاقتصادي على تحديد  قيمة  النقد الصيني (اليوان) … فخلال عملية التحرر الخارجي، وضعت الصين نظاما شاملا لإدارة النقد الأجنبي الذي يحكم النقد الأجنبى : “المقبوضات والمدفوعات receipts and payments  “، “المشتريات والمبيعات purchase and sales  “، و”الإقراض والاقتراض borrowing and lending” ، ونقلها عبر الحدود الدولية وتسويتها و  نظام للمراقبة يؤدي  وظائف متعددة ، منها :

أولا- الحفاظ على توازن ميزان المدفوعات والمحافظة على استقرار سعر الصرف؛

ثانيا- الإبقاء على سياسة نقدية مستقلة عن تأثير التطورات الدولية ؛

ثالثا-  اتخاذ تدابير تقييدية لمنع الشركات والمؤسسات المالية الخارجية من الإفراط في المضاربة   .

وقد ساعدت هذه التدابير في تخفيف الآثار وتقليل المخاطر الناجمة عن الأدوار الخارجية للتحرير. و الملاحظ،  أن  اتخاذ القرارات المتعلقة بالتحرر الخارجي متمركزة للغاية. فالسياسات الرئيسية في هذا المجال، يقرر فيها مجلس الدولة (مجلس الوزراء)، ولكن المبادرات والمقترحات المتصلة بالسياسة النقدية،  تأتي من جهات حكومية أخرى. فنظام الصرف في الصين تتدخل فيه أربعة أقسام رئيسية في الحكومة الحالية:

  • (NDRC)اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح ، National Development and Reform Commission

  •  (SAFE) إدارة الدولة للعملات الأجنبية ، State Administration of Foreign Exchange

  • (MOC) وزارة التجارة ، Ministry of Commerce

  • (PBC) بنك الصين الشعبي People’s Bank of China

والجدير بالذكر، أن النظام الحالي لمراقبة النقد الاجنبى لم يبنى بين ليلة وضحاها، وإنما تطور مع تطور التحرير الخارجي الذي شهدته الصين. فرغم أن الصين نفذت سياسات الإصلاح والانفتاح منذ عام 1978، إلا أن عملية الإصلاح و التحرير لم تكن خطية “Linear” (تسير وفق خط مستقيم ) بل يمكن تقسيمها إلى خمس مراحل:

المرحلة الأولى (1979-1986) :مرحلة مبكرة من الانفتاح

الأكثر تميزا في انفتاح السياسات خلال الفترة من 1978 إلى 1986 هو تحرير التجارة وانفتاح الاقتصاد على الاستثمار الأجنبي لمباشر . وكان الهدف من سياسات الانفتاح هو استخدام رأس المال الأجنبي لسد الفجوة بين الادخار والاستثمار، واجتذاب التكنولوجيا الأجنبية لتشجيع نمو الصادرات وإحلال الواردات. وهكذا في العام 1980، تم إنشاء أولى المناطق الاقتصادية الخاصة في أربع مدن ساحلية وقد استقطبت هذه المناطق العديد من المستثمرين بهدف تشجيع الصادرات وقد شهدت نموا من حيث حجم الصادرات وكذا الأموال المتدفقة إليها. وقد  أعطيت لهذه المناطق  السلطة لعرض امتيازات خاصة لاجتذاب المستثمرين الأجانب، بما في ذلك الربح والتخفيضات والإعفاءات الضريبية ، والإعفاءات من الرسوم الجمركية والاستيراد . نجاح هذه المناطق أعقبه تعميم للتجربة إلى كامل المنطقة الساحلية، وسياسة الباب المفتوح امتدت ل  14 من المدن الساحلية.

  في بداية الإصلاح، كان بنك الصين هو البنك الوحيد الذي يسمح له بإجراء التجارة الخارجية في النقد. ومع اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، تم السماح للمصارف الأجنبية بإنشاء فروع لها في الحضر، ولكن لم يسمح لها بالقيام بأعمال تجارية بالعملة المحلية (RMB ). وفي العام   1982 تم الترخيص لأول بنك أجنبي بالعمل في داخل الصين ويتعلق الأمر ب” Nanyang Commercial Bank”. وفي العام 1986، سمح لجميع البنوك المحلية بإجراء عمليات بالعملة الأجنبية، وذلك من اجل زيادة المنافسة وتنشيط الصناعة المصرفية. كما بدأت الصين الاقتراض من الخارج في عام 1980، كما استثمرت المصارف في الخارج وبنيت أرصدة للنقد الاجنبى بتلقي الودائع بالنقد الأجنبي من الشركات والأفراد.

المرحلة الثانية (1987-1991) :إنشاء تنظيم للصرف ونظام للرصد

بهدف تشجيع نمو الصادرات وإحلال الواردات، تم التوسع تدريجيا في الانفتاح على الاستثمار الأجنبي المباشر وتحرير التجارة، وهكذا ،  في العام 1988 ، سياسات الاستثمار الاجنبى المباشر وسعت لتمتد ل Hainan  والى 140 من المقاطعات والمدن الساحلية بما في ذلك كل من  Nanjin، Hangzhou , و Shenyang  . في نفس السنة  المدن أنشأت مراكز تبادل العملات الأجنبية والسماح بتعويم سعر المبادلة. وقد تم تعديل سعر الصرف الرسمي عدة مرات تماشيا مع تغير تعادل القوة الشرائية للصادرات.

غير أن تجربة الانفتاح خلال هذه المرحلة أفرزت العديد من السلبيات، إذ أن  تحرير التجارة أدى  إلى توسيع الواردات بسرعة اكبر من الصادرات . فتحول ميزان الحساب الجاري من فائض يبلغ 2 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1982 ، إلى عجز مزمن في الفترة من 1984 إلى 1989 (3.7 ٪ الناتج المحلي الإجمالي في 1985). وهو ما صاحبه ارتفاع في الأسعار، إذ بلغ معدل التضخم 18.8 ٪ في 1988.

 و  في أعقاب الضغوط التضخمية ، تم تبني  “برنامج للتصحيح  Program   ” Rectification ، ولجأت هذه الإصلاحات الهيكلية إلى استخدام أدوات غير مباشرة للسيطرة الاقتصادية الكلية. ومن ذلك تعزيز الإشراف والرقابة على المعاملات الخارجية.

المرحلة الثالثة (1992-1996) : تعزيز التحرير وتسريع عملية الانفتاح

في نوفمبر 1993 وخلال الجلسة العامة الثالثة للجنة المركزية الرابعة تمت  الموافقة على إصلاح شامل في إستراتيجية إدارة النقد الأجنبى، بوصفها عنصرا أساسيا لاقتصاد السوق .

و بين 1992 وبداية الأزمة الآسيوية ، تم إحراز تقدم كبير في انفتاح العديد من المناطق على الاستثمار الأجنبي، والتملك شرط أساسي للاستثمار الأجنبي المباشر في معظم الصناعات، لذلك فموافقة السلطة على مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر كان مكلفا للحكومات المحلية. ففي 1995 تم التنصيص على إمكانية أن يشارك الخواص بما في ذلك رأسمال الأجنبي في المشاريع التي تملكها الدولة(SOE)  والإصلاح تم من خلال السماح  بشراء الأسهم أو عن طريق حقن رأسمال.

كما تم فتح المجال للاستثمار الأجنبي لولوج قطاع خدمات التجزئة والتوزيع والتأمين والأوراق المالية، وأعلنت السلطات رسميا تجربة انفتاح صناعة التأمين في شانغهاى في 1993. وفي  عام 1995 تم السماح للمصارف الأجنبية بفتح 15 فرع لها في سبعة من المدن الساحلية.

المرحلة الرابعة (1997-2000) : الأزمة المالية الآسيوية وتعزيز المراقبة والرصد)

في أعقاب الأزمة الآسيوية، أصبحت التدفقات المتزايدة لرؤوس الأموال إلى الخارج مشكلة في أواخر عام 1997 وأوائل عام 1998 ، فتنامت المخاوف في أوساط  المستثمرين، وهو ما نجم عنه انخفاض في قيمة اليوان وتناقص الفارق بين نسبة الفائدة المحلية والأجنبية . ومع ذلك، بقي الحساب الجاري يسجل فائضا مهما، كما احتفظت الصين بمحزون مهم من الاستثمار الأجنبي المباشر وهو ما مكنها من تجاوز أثار الأزمة الآسيوية.

و استجابة لهذه التطورات، عملت السلطات على اتخاذ إجراءات عاجلة لمراقبة  الصرف و رأس المال ، كما عملت  على تقليل التحايل لمنع تدفق الأموال غير المشروعة ، وبالتالي المحافظة على استقرار أسعار الصرف. وقد تم  التنصيص على عقوبات صارمة ، مثل السجن ، لمن تورط في عمليات احتيالية بهدف تهريب الأموال خارج البلاد .

و في عام 1997، تم العمل على تأهيل المؤسسات المالية والشركات الخارجية التي يمكن أن تقدم ضمانات كبيرة لاستقرار المالي .  وعموما، فمجموع هذه الإجراءات المتخذة خلال هذه الفترة استهدفت تعزيز الشفافية وزيادة المراقبة على التعاملات الخارجية …

المرحلة الخامسة : ما بعد الانضمام  لمنظمة التجارة العالمية

في ديسمبر 2001 انضمت  الصين إلى منظمة التجارة العالمية، هذا الحدث يمثل حقبة جديدة في مسار التحرير والانفتاح الخارجي للصين، فبالإضافة إلى تخفيض التعريفة الجمركية، التزمت الصين بالقضاء على معظم الحواجز التي تقف في وجه دخول الملكية الأجنبية للبلاد، و القضاء على معظم أشكال التمييز ضد الشركات الأجنبية . وخلال فترة قصيرة- حوالي سبع سنوات- انتقلت الصين من واحدة من أكثر أسواق الخدمات انغلاقا، إلى واحدة من أكثر المناطق انفتاحا في العالم.

وفي مستهل عام 2008 تم فتح عدد كبير من الخدمات الأساسية- بشكل كامل آو شبه كامل- لدخول الأجانب – بما في ذلك الخدمات التجارية الهامة، كالخدمات البريدية، تجارة الجملة، وخدمات السياحة والنقل بالسكك الحديدية والنقل البري والشحن. خدمات أخرى كبيرة فتحت في وجه الأجانب فسمح لهم – بالاستثمار في قطاعات حيوية مثل الاتصالات، والخدمات السمعية البصرية، والإنشاءات، وتجارة التجزئة، والتأمين، والمصارف، والأوراق المالية، والنقل البحري.

ومنذ وصول الصين إلى منظمة التجارة العالمية ، تم إحراز تقدم  ملموس: ففي القطاع المصرفي أغلب  المدن فتحت بنوك أجنبية لمزاولة العمل في اليوان ،  ففي العام 2001 سمح للبنوك الأجنبية بتقديم خدمات الصرف الأجنبي لجميع الشركات والأفراد، و لم يعد  الأمر محصورا على الشركات الأجنبية ، وفي عام 2002 سمح للبنوك الأجنبية بشراء أسهم المصارف المحلية، على أن حصة الملكية لا يمكن أن تتجاوز 20 ٪ لمستثمر أجنبي واحد.

الصين أيضا عرفت طفرة في تحرير وفتح سوق المال:  ففي عام 2001 ، المستثمرون المحليون والأفراد المقيمين يجوز لهم  الاستثمار و بيع الأسهم، وفي عام  2002 تم السماح للمؤسسات المالية الأجنبية بالاستثمار في سوق رأس المال المحلية (أسواق السندات والأسهم). ومنذ عام 2004، سمح لشركات التأمين باستخدام ما لديها من نقد أجنبي للاستثمار في سوق رأس المال الدولية.

 ومنذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية ، تمتعت البلاد بزيادة حادة في كل من الحساب الجاري وفائض تدفقات رأس المال . ففي  نهاية عام 2009 ، زاد احتياطي النقد الاجنبى إلى حوالي 2000 مليار دولار مقابل  818.9 مليار دولار سنة 2005 ، مع العلم أن احتياطي النقد لم يكن يتعدى 165.6 مليار دولار  في نهاية 2000 . وكنتيجة لهذه التطورات ، اتخذت السلطات تدابير لتثبيط تدفق رؤوس الأموال وخصوصا تدفقات الأموال الساخنة …و هو ما سنحاول التوسع فيع أكثر في مقال منفصل إن شاء الله تعالى … و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة ..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. تحليل جيد لكن لا ياخد بعين الاعتبار الواقع الصيني
    نظريا الامور كما قلت لكن في الواقع القضية اعقد من ذلك
    الاقتصاد الصيني من اكثر الاقتصادات فسادا في العالم
    خلال لقائي مع كبار المستثمرين اسال دائما هذا السؤال
    كم حجم العمولة لمن اراد ان يبيع و يشتري
    قال لي الاوربيون ان حجم العمولة في الصين حوالي عشرين في المائة و في بولندا عشرة في المائة
    اما السعودية كنا نود دخول مناقصة فسالت رئيس المبيعات في شركة بترولية كبيرة جدا مملوكة للدولة فقال قد يكون زي المغرب حوالي ثلاتة في المائة
    الشركات تستثمر في الصين بسبب تعفن اقتصادها بالاضافة الى كل العوامل التي ذكرت
    يمكن للشركات الصينية ان تحقق لك كل شئ رداءة البضاعة الغش استخراج شهادات منشا مزيفة
    لماذا تعتقد ان الافلام تنجز في وارزازات
    يسمح للامريكان باخراج الشنط المالية
    فواتير مزيفة الخ
    النموذج الصيني يثيرته الاعجاب بسبب سيطرته على التضخم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here