د. طارق ليساوي: تحية تقدير للرئيس التونسي.. الذي أعاد للأذهان بعض ملامح العدل العمري

 

 

د. طارق ليساوي

شــهد العالم عبر التاريخ أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية كان لها أثر كبير في واقع حياة المجتمعات ومســتقبلها، وتتصدر قائمتها الأزمات الناجمة عن الصراعات من أجل الســيادة والنفوذ، أو الأزمات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية و الأوبئة الفتاكة.. و بنفس القدر، شهد العالم بروز قيادات حكيمة و رشيدة تصدت بحكمة و فعالية لهذه الأزمات، بغية إدارتها والحد من تأثيراتها المختلفة، و قد سجل التاريخ و الأجيال المتعاقبة مواقفها بمداد من ذهب ..

و إن لنا كمسلمين خاصة و بشر عامة، في  ســيرة الرســول صلى الله عليه وسلم و الخلفاء الراشدين  الكثير من الدروس و العبر المفيدة و الهامة في إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وقد أبرز فيها صلى الله عليه وسلم و الخلفاء الراشدين قدرات إدارية عالية في تســييرها و إدارتها.. وما أحوج البشرية اليوم إلى هذه الدروس و العبر، أو لنقل القواعد السلوكية و الاخلاقية و الايمانية، في إدارة أزمة تفشي و “باء كورونا” و ما ترتب عنها من متتالية من الأزمات ..

و في هذا السياق، تداولت وسائل الإعلام التونسية مشهد للرئيس التونسي “قيس سعيد” و هو يحمل على كتفيه مساعدات عينية  للفئات المحتاجة، و قد إستهل هذا السلوك المحمود، بقصة للفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، و القصة التي رواها  “الرجل قيس سعيد” و فحواها كما جاءت في كتب التاريخ و السير على النحو التالي: ” خرج الخليفة الفاروق أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين كعادته ليتفقد حال رعيته كما يكون من الحاكم العادل الذي يعتني بشعبه ويهتم لأمره مع صاحبه و صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم “عبد الرحمن ابن عوف”  سار الخليفة العادل على قدميه هو وصاحبه حتى رآى من بعيد في الصحراء نارا موقدة فسارا إليها ليتقصى عن شأنها و يعرف صاحبها ..

و عندما وصل إليها وجد سيدة تجلس أمام النار و عليها قدر كبير و حولها أطفالها و بينما هو كذلك إذ به يسمع أحد صبيانها يقول :أمي ..أمي،نظرت اليه و سألته:”نعم يا بني؟، فقال و الوهن يكسو صوته الصغير:”أنا جائع يا أمي أريد أن آكل شيئا..”، فتعالى صوت أخيه الثاني و هو يقول مثل قول أخيه” :أماه إني أكاد أموت جوعا ارجوك يا أمي هل حضر الطعام؟ منذ زمن و نحن ننتظر” ..ردت الأم و قلبها يكاد ينفطر حزنا و هي تدرك أنها لا تملك ما تمنحهم إياه:”سيجهز قريبا يا أحبتي فقط صبرا جميلا و الله سيرزقكم طعاما طيبا ألا تصبرون يا صغاري! فسكن الصبية و عادوا إلى الإنتظار الممل مجددا…”

وقف أمير المؤمنين أمامهم و الدهشة تملأ نفسه بل وقف منهارا لا تكاد قدماه تحملانه لما رآى ..و قال بعطف و عيناه تفيضان من الدمع: “يا أم الأطفال ما هذا القدر؟”..فقالت المرأة بأسى و هي لا تعرف أنه أمير المؤمنين الحاكم الذي تدين له كل بلاد الاسلام بالولاء و الطاعة بعد الله و رسوله:”يا هذا إن أطفالي قد اشتد بهم الجوع و ليس عندي من الطعام ما أقدمه لهم فوضعت ماءا في القدر ووضعت فيه بعض الحصى ووضعت القدر على النار و ليس فيه سوى الماء و الحصى و أنا أشغل الأطفال حتى يناموا جوعى…”

فقال عمر رضي الله عنه: مما تشكين يا أمة الله؟..قالت له”:الله الله في عمر (أي تشكو إلى الله عمر رضي الله عنه)”..نزلت هذه الكلمة على قلب عمر رضي الله عنه كأنها الصاعقة..فقال لها: “و ما شأن عمر يا أمة الله؟”..فقالت:”أيتولى أمرنا و يغفل عنا و نحن شعبه و رعيته؟”.. سمع عمر كل هذا و قلبه منفطر لهذه الكلمات..فما كان منه إلا أن اسرع إلى بيت مال المسلمين و قال للمرأة قبل ذهابه: “لا تحزني يا أمة الله لن ينام أطفالك اليوم إلا و قد شبعوا بإذن الله”..

 دخل إلى مخازن الدقيق و حمل منه كيسا و قال للحارس: “إحمل علي هذا الكيس”، فقال الحارس مستفسرا: “أعنك أم عليك يا أمير المؤمنين؟”.. قال عمر : “بل علي” فكرر الحارس سؤاله مستفسرا إذ كبر عليه أن يسير أمير المؤمنين حاملا الكيس على ظهره…فقال له أمير المؤمنين عمر: ” إحمل علي الكيس فلست أنت من سيحمل عني ذنوبي يوم القيامة لو سألني ربي عن أم الأيتام فرفع الحارس الكيس على ظهر أمير المؤمنين و انطلق عمر مسرعا نحو المرأة و أطفالها.. اقترب من الأم و أبنائها فوقف وراء صخرة و أخذ يتأمل فيهم فقال له صاحبه :لنعد إلى البيت يا أمير المؤمنين فالبرد شديد فقال عمر:” لا و الله لن أمضي من هنا إلا وأترك الأطفال يضحكون كما وجدتهم من قبل يبكون..و ذهب عمر وأعد بنفسه الطعام للأيتام و عندما شبعوا و اطمئن عليهم..كان خيط النور قد بدا يغزو السماء و بدت الظلمة تنحدر نحو الأفق الواسع لتحل مكانها نسائم الفجر و نوره الخافت المتسلل بين خيوط الظلام..فعاد أمير المؤمنين و صاحبه إلى المسجد لصلاة الفجر و كم كان بكاءه شديدا رضي الله عنه من شدة تأثره بما حصل في تلك الليلة العجيبة..

و من الغد طلب أن ينادوا المرأة التي كان رآها بالأمس. جلس عمر رضي الله عنه و إلى جانبه الصحابي الجليل “علي إبن أبي طالب” كرم الله وجهه، و الصحابي الجليل إبن مسعود رضي الله عنه،و كان علي كرم الله وجه  و إبن مسعود رضي الله عنه يقولان لعمر رضي الله عنه يا عمر..

فنظرت المرأة للرجل الذي يقولون له يا عمر، و أدركت أنه الرجل الذي طبخ

لأولادها عشاءهم و هو الرجل الذي قالت له تلك الكلمات القاسية فأحست

بالوجل..فلما رآى عمر عليها صفرة الوجل و أحس بارتباكها قال:”لا عليك يا أخية، أنا ما دعوتك لهذا المكان إلا لتبيعي مظلمتك لي و تسامحيني لما كان مني..”

فقالت : “ألتمس العفو يا أمير المؤمنين”..فقال :”لا بد أن أشتري هذه المظلمة”، فاشتراها بستمائة درهم من ماله الخاص وكتب في ذلك ورقة شهد عليها علي و ابن مسعود فقال حينها لمن حوله: “إذا مت فضعوها في كفني حتى ألقى بها الله تعالى”..

هذه القصة الواقعية تعجز أنامل كبار المسرحيين و كتاب القصص عن إبداعها، إنها مدرسة النبي محمد عليه الصلاة و السلام، و تجسيد لمنهج الإسلام القائم على العدل و الوسطية و الاعتدال و تكريم الانسان، و احترام العلم و العلماء و تقديم أهل الخبرة و الدراية على ” الرويبضة”، و التأسيس للحكم الشوري بدلا من الحكم الاستبدادي و أنسنة الحاكم بدلا من تقديسه.. و جعل الحاكم خادم للناس و ليس بسيدهم يتميز عليهم بالجاه و السلطة و الثروة ..صحيح أن واقعنا لا صلة له بالاسلام الحق، و هذا ما علينا الاعتراف به و تأكيده، و ليس ذلك نتاج – بالضرورة- لتقصير غالبية  المسلمين، و لكن هو جهد دولي و محلي  لتقزيم الإسلام و محاولة تشويهه و تحريفه في النفوس و العقول، بعدما عجزوا عن تحريف النصوص ، كما أنه نتاج لمجهود جبار لتجهيل المسلمين و إبعادهم عن فهم صحيح الدين و الإطلاع الواعي على تصور الإسلام في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع ..

إن قوة الإسلام تكمن في أنه يبين للإنسان بوضوح و بدون تعقيد،  أسباب وجوده على هذه الأرض، و يسعى لتحقيق سلامته و سعادته، فالسلامة والسعادة مطلبان أساسيان لكل البشر، فما من أحد على و جه الأرض لا يتمنى السلامة والسعادة، و الشقاء في الأرض سببه الجهل ، قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (سورة الملك)، فحركتنا في الحياة لا تصلح إلا إذا عرفنا سر وجودنا على هذه الأرض، و لا تتحقق السعادة إلا إذا جاءت حركتنا مطابقة لهدفنا، قال الله تعالى في محكم كتابه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ).. فالحكمة من خلق البشر هي العبادة فهو مخلوق للعبادة لا لسواها، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (سورة الذاريات 56)، لكن الفهم الضيق للعبادة على أنها  مجرد  صلاة وصيام وحج وزكاة..لا يحقق الغاية من العبادة، فالعبادة هي منهج كامل يغطي كل مناحي الحياة  بدأ من علاقة الزوج بزوجته إلى العلاقات بين الأمم .. لذلك، حينما طبقنا ظاهر الإسلام فقط خسرنا قيمه الحضارية ..

فالإسلام إهتم بتنظيم الحياة الاجتماعية، و قدم نموذجاً متكاملا لحياة اجتماعية مثالية خالية من المشاكل والقلاقل، إذ حرص على تنظيم و تأطير العلاقة داخلَ الأُسرة الواحدة، فنظم العلاقة بين الزوجين و بين الولد ووالديه، كما نظم علاقات الناس ببعضهم البعض، فحرم الغيبة، والنميمة، والتجسس..و فصل حُقوق الجار، وحُقوق أهل الذمة من أهل الكتاب..

كما إهتم بتنظيم الحياة الاقتصادية و لم يُغفل أهمية المال والاقتصاد في حياة الشعوب والدول، لذلك  فالنِظام الاقتصادي الإسلامي هو النظام الوحيد على وجه الأرض القادر على تنظيم شؤون الناس وسد حاجاتهِم، من خلال التشريعات الإلهية التي تأتي بالخير على الجميع، فنرى تشريع الزكاة الذي يضعَ فضل مال الغني في يد الفقير، وكذلك الصدقات التي تسُد حاجات الناس، وأيضاً تشريع البيع والتجارة المُباحة وتحريم الربا الذي يُعد سرطان المال في عالَم الاقتصاد و تحريم إكتناز الثروة و إحتكارها في يد القلة..وفيه ما يكفي من الدلائل والمحتويات القادرة على طمأنة النفوس واحتضانها كما يجب وبما يجب، إذ يقول تعالى في آيات محكمات: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (سورة التوبة الآية 51)..

 وبنظرنا، حان الوقت أن نعيد النظر في جرينا المحموم  وراء الغرب ومحاكاته في الصالح و الطالح، و تتبع خطاه في الغث و السمين، و الانبهار به في الجميل و القبيح، فأزمة كورونا درس لنا جميعا كمسلمين بدرجة أولى، وعلينا  أن نعيد حساباتنا و أن نفهم حقيقة الاسلام و منهجه، فالاسلام ليس مجرد عبادات بل هو منهج حياة ..فتحية تقدير للرئيس و الشعب التونسي، من كل مواطن لم تتح له بعد حرية التصويت و إختيار من يدير الشأن العام من أهل الخبرة و الدراية .. فليس من العيب أن نحلل و نشرح الجوانب النظرية و العملية لمنهج الإسلام في إدارة مختلف شؤون المجتمع، وأملنا توسيع دائرة الوعي بمزايا الاسلام و خصائصه السامقة .. فمن المؤكد، أن المستقبل لهذا الدين، و إذا لم يكتب لنا أن نشهد تطبيق تعاليمه و مبادئه على أرض الواقع ،فعلى الأقل لنسهم قدر المستطاع، في إرشاد الشباب والأجيال القادمة إلى العلاج الإسلامي لأزماتنا و مشاكلنا..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون ..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. إلى أبو عبد الله السلام عليكم و رحمة الله أتفق معك في جزئية الخلاف في الرواية لكن مصادر مختلفة أكدت على أن القصة وقعت في عهد عمر رضي الله عنه.. و كذلك عُرف على أمير المؤمنين علي كرم الله وجه حوادث مشابهة فقد أشتهر بدوره بالعدل مع الرعية و كان يطوف ليل للإطمئنان على أحوال الرعية.. و كلاهما من خريجي مدرسة محمد عليه الصلاة و السلام.. و بالنهاية لأي سعوا إلا القول وفق كل ذي علم عليم … و الله أعلم
    و تحية لك أخي الفاضل

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
    عزيزي صدقني أنا كما أنت أكره الطائفية وأمفتها ولكني أيضا أحب إعطاء كل ذي حق حقه لو قرأت في التاريخ أكثر ستجد أنها الحادثة هي للإمام علي كرم الله وجهه ولا أدعي انني أعرف منك ولكن جرب ان تحاول البحث عن المصادر الحقيقية. انا ايضا سمعت ماقاله في الفيديوا وأعجبني ماقاله الرشيس قيس الزغبي ولكن الحق الصق بأهله مع الشكر لك علي سعة صدرك في تقبل هذا التعليق.

  3. لن أزيد شيئا ذ طارق غير تكرار خاتمتك المعتادةمن كتاب الله سبحانه وتعالى..الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون صدق الله العظيم.مؤسف حقا وحياك الله أخي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here