د. طارق ليساوي: تجربة الصين في إعادة هيكلةالصناعة المصرفية.. توظيف أدوات السياسة النقدية لدعم الإقتصاد وتحقيق التنمية

د. طارق ليساوي

أكدنا في السابق على أن التجربة التنموية الصينية تثير قدرا كبيرا من الإعجاب، و قد أوضحنا المؤشرات الدالة على فرادة التجربة وفعاليتها، و من ذلك على سبيل المثال، إرتفاع و إستقرار متوسط معدل  النمو الاقتصادي، و الذي تعدى 9 %سنويا طيلة الفترة الممتدة من 1979 تاريخ انطلاق سياسة الإصلاح و الانفتاح إلى غاية اندلاع الأزمة المالية 2008، و بعد هذا التاريخ شهد معدل النمو السنوي انخفاضا نسبيا لكن ظل في المجمل فوق % 7، ومن أهم العوامل المساهمة في استقرار النمو، هو فعالية السياسات المواكبة و المتبعة من قبل الحكومة، ولاسيما القدرة على التحكم في التضخم و ضبط سعر الفائدة و سعر صرف العملة، و بعبارة أشمل فعالية السياسة النقدية المتبعة، و سيحاول هذا المقال تناول السياسة النقدية في الصين من خلال التركيز على أحد أهم أدواتها و أعني النظام المصرفي ،  و أهمية الموضوع نابعة من الجدل الدائر حول الاتهامات الموجهة للصين بالتلاعب في قيمة صرف عملتها اليوان..

وسيحاول المقال رصد تطور القطاع المصرفي من خلال تتبع مسار الإصلاحات التي استهدفت تنظيم وتقنين القطاع..

ذلك أن القطاع المصرفي في الصين  لم يخرج عن مسار التطور الذي عرفته باقي القطاعات الإقتصادية في الصين، فقد انتقل من “نظام” بنكي أحادي، إلى نظام مصرفي متعدد المستويات(أولا)، لكن الوصول إلى الوضع الراهن كان نتاج لسياسة إصلاحية اختارت التدرج كمفتاح أساسي لتطوير وتحديث القطاع (ثانيا)

أولا: النظام المصرفي الصيني من الأحادية إلى التعددية

النظام المصرفي في الصين شهد تغيرات كبيرة في العقد الثلاث  الماضية، في سياق 

التحول من نظام بنكي أحادي”  mono-bank system ” في ظل الاقتصاد المخطط مركزيا centrally-planned economies إلى نظام متعدد المستويات” multi-layered system” يتكون من البنك المركزي إلى جانب عدد متزايد من المصارف التجارية المحلية و الأجنبية مما جعل من النظام المصرفي الراهن في الصين من بين الأكبر في العالم ، ولا سيما في علاقته ب ( GDP)..

1 – القطاع المصرفي في ظل الاقتصاد المخطط

قبل أن تشرع الصين في الإصلاحات الاقتصادية في عام 1979،الأنشطة البنكية كان مسيطر عليها من قبل المؤسسات المملوكة للدولة ، و تلعب الدولة دور محوري في تمويل أنشطتها كل سنة ، بواسطة مكاتب التخطيط التي تتولى منح الميزانيات، وتحديد الأهداف.

وكان النظام البنكي يختزل في البنك الشعبي للصين، والى حدود 1984 نظام التقنين المالي لازال مجال جنيني، يتسم بسوء التنظيم  فالإشراف المالي يتم بشراكة بين عدة أجهزة . وعلى العموم، فإن التحول الأساسي بعد  1978 هو  التحول من الأحادية إلى التعددية.

2- النظام المصرفي الحالة الراهنة:

القطاع المصرفي الصيني سجل نمو سريع مواكب للنمو الاقتصادي الذي سجله الاقتصاد الصيني، وهو ما جعل من النظام  المصرفي في الصين من بين الأكبر في العالم ، وخاصة في علاقته ب ( GDP) ،وهذا التوسع الهائل للقطاع المصرفي هو نتاج لعدة عوامل منها:

  • نمو استثنائي في إدخار الأسر، ففي أقل من 3 عقود انتقل من 6% من ( GDP)سنة 1978،إلى أزيد من 60%2010 .

  • معدل إدخار مستقر ومستمر للأسر الصينية، يمثل حوالي25% من الدخل السنوي للفرد.

  • انعدام الأسواق المالية حتى حدود التسعينات ، دفع بجزء كبير من الإدخار المتاح للأسر باتجاه الودائع البنكية .

  • مراقبة حركة رؤوس الأموال ساهمت في تعزيز الادخار بداخل البلد.

فمن تنظيم واحد سنة 1978، البنك الشعبي للصين(PBOC )، تم الانتقال إلى نحو أزيد من 42000 مؤسسة مالية في الصين ، و42000 مؤسسة تمثل الفاعلين في القطاع المصرفي، لكنها لا تمثل كتلة منسجمة فهي مؤسسات متباينة  من حيث الحجم ،الملكية و النشاط، فقطاع المصارف التجارية في الصين يتألف من المصارف التجارية المحلية بالإضافة إلى المصارف الأجنبية العاملة بالصين، و المصارف المحلية تنقسم إلى ثلاث فئات متميزة و المعروفة إختصارا ب: (CCBs ) .و (SOCBs) و(JSBs).

بالإضافة إلى ذلك ، الصين تمتلك أيضا مصرف الادخار البريدي ، والذي يأخذ الودائع ولكنه لا يقدم القروض التجارية، إلى جانب وضع شبكة واسعة من تعاونيات التسليف ” credit co-operatives” بالمناطق الحضرية والريفية و التي تقدم خدمات مماثلة لتلك التي تقدمها المصارف التجارية ، على الرغم من أنها ليست رسميا بمصارف تجارية.مع أنه  كان من المقدر أن يتم تحويلها إلى مصارف تجارية في المستقبل.

ووفقا لتصنيف الهيئة المشرفة على القطاع CBRC)) يمكن تقسيم القطاع المصرفي إلى سبع أصناف و هي على التوالي : بنوك للتنمية، البنوك التجارية الرئيسية الأربعة المملوكة للدولة (Big Four)، المصارف بالأسهم، البنوك التجارية الحضرية والريفية، تعاونيات التسليف credit co-operatives”  ، باقي المؤسسات المالية والخدمات المالية للبريد، و البنوك الأجنبية..

 وكما هو الحال في قطاعات أخرى من الاقتصاد الصيني ، فإن أجزاء واسعة من  الجهاز المصرفي اتجهت نحو تطوير و تحديث نفسها والتوجه نحو السوق ، بينما لا تزال أجزاء أخرى تتأثر تأثرا كبيرا بتركة الماضي ونظام التخطيط… وفي الوقت الحاضر، تواجه بنوك رئيسية عديدة في الصين مشاكل فورية تهدد قدرتها على التعامل بفعالية مع زيادة المنافسة الأجنبية فضلا عن جزئية التطوير. وهذه المشاكل ذات صلة بالسمات الهيكلية للنظام المصرفي في حقبة التخطيط، خاصة وأن تعقد مهمة تحسين القدرة التنافسية للمصارف المحلية تضر بفعالية النظام المصرفي المحلي على التكيف مع قطاع مالي عالمي متطور وينمو بوثيرة جد سريعة… لذلك، فالسلطات الصينية وإدراكا منها لأهمية هذا القطاع، فقد تبنت حزمة إصلاحات، شملت مختلف مفاصل القطاع المصرفي..

ثانيا- نظام التقنين والإشراف على القطاع المصرفي؛ إصلاحات متعاقبة

إعادة هيكلة مكونات نظام التقنين المصرفي/المالي مرت بعدة مراحل :ففي البداية تم إدخال إصلاحات تشريعية تجسدت في إصدار القانون البنكي لعام 1995والتعديلات اللاحقة (1)،تم تأسيس هيئة جديدة للإشراف على القطاع المصرفي (2).

1 – إصلاح التشريعات البنكية في الصين :

عندما انطلق برنامج تحديث وعصرنة الاقتصاد الصيني عند مطلع الثمانينات، تم الاهتمام بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وقد تم ذلك بشكل تدريجي ،ففي 1986 تم إصدار قانون يتعلق  بالرقابة على البنوك ، وبموجب هذا القانون أصبح البنك الشعبي للصين “بنك مركزي” تتولى بموجبه الدولة قيادة وإدارة القطاع النقدي، كما تم توسيع دور تعاونيات التسليف بالمدن والأرياف ، والترخيص بفتح البنوك الأجنبية..ورغم أهمية هذا القانون إلا أنه ظل عاجزا على رفع التحديات التي تواجه القطاع المصرفي، لذلك عملت الحكومة على إصدار قانون بنكي سنة 1995، وهو ما شكل خطة مهمة نحو إعادة هيكلة القطاع المصرفي، غير أن توسع القطاع وتزايد الضغوط الأجنبية الداعية إلى إزالة مختلف الحواجز التي تعيق عمل المؤسسات البنكية الأجنبية في الصين من جهة ، و تنامي درجة المخاطر البنكية من جهة أخرى، دفع الحكومة إلى تبني قانون جديد سنة 2003…  وبعد الأزمة المالية 2008 ارتفعت وثيرة القوانين و المراسيم الهادفة إلى ضبط هذا القطاع و تقنيننه..

2- لجنة الرقابة وإدارة البنوك الصينية

لجنة الرقابة وإدارة البنوك الصينية( CBRC) China Banking Regulatory Commission مسئولة عن التقنين، الإشراف ومراقبة المؤسسات المصرفية الصينية والأجنبية العاملة في الصين. و ( CBRC)هي هيئة حكومية تخضع مباشرة لسلطة مجلس الدولة، مقرها بكين وتضم نحو 400 مستخدم واغلب هؤلاء المستخدمين تم استقطابهم من البنك المركزي، ولجنة العمل المركزية الخاصة بالشؤون المالية التابعة   للحزب الشيوعي الصيني ، وتتوفر على مكاتب بمختلف المقاطعات الصينية ،واختصاصاتها تتمثل في :

  1. صياغة قواعد وقوانين الإشراف على المؤسسات المصرفية.

  2. الترخيص بتأسيس، تعديل، وإنشاء الفروع وتوسيع أنشطة المؤسسات البنكية،فكل طلب يتعلق بافتتاح مؤسسة بنكية ينبغي أن يتوجه ل( CBRC)، وعلى هذه الأخيرة أن ترد كتابة على هذا الطلب في أجلل أقصاه 6 أشهر، وفي حالة الرد بالرفض فعلى الهيئة تعليل أسباب رفض الطلب. كما أنها تمنح التراخيص وتراقب عمل المؤسسات المالية الأخرى من قبيل: شركة الاستثمارInvestment Company ، وشركة الأموال Joint Stock Company، شركات تأجير المعدات Leasing Society …

  3. تتبع ومراقبة المؤسسات البنكية ؛فالمؤسسات المالية ملزمة بتقديم كشف حساب دوري للهيئة ،حسابات الاستغلال ومختلف الأنشطة المالية ، كما أن البنوك ملزمة بتزويد الهيئة بالوثائق المتعلقة برصيد المصرف Bank Balance بالعمليات وإدارة البنوك. والتقارير المحاسبية التي ينبغي أن يكون مصادق عليها من قبل شركة لتدقيق الحسابات  .

  4. البحث واتخاذ العقوبات الزجرية الضرورية على المؤسسات التي تخرق القوانين المعمول بها.

  5. إعداد ونشر الإحصائيات المتصلة بالقطاع المصرفي.

  6. تنفيذ باقي الوظائف المحددة من قبل مجلس الدولة .

 ويبقى الهدف الرئيس للهيئة هو تحسين أداء القطاع البنكي الصيني، وتقليل حجم المخاطر المالية  التي تهدد فعالية القطاع، وخاصة وأن العديد من المؤشرات السابقة للأزمة المالية العالمية لعام 2008، كانت تؤكد على أن القطاع يعاني من اختلالات بنيوية، الأمر الذي يمثل تهديدا للنمو الاقتصادي في الصين من جهة، وينمي المخاوف من عدم قدرة القطاع المصرفي على مجابهة تحدي الانفتاح على المؤسسات المالية الأجنبية،  غير أن  الأزمة المالية لعام 2008، على العكس من توقعات المؤسسات المالية والنقدية الدولية، أوضحت أن الصين نجحت -إلى حد ما- في التأسيس لنظام مصرفي مستقر و قادر على مواجهة تقلبات السوق المالية المحلية والدولية،  وهي بذلك تدحض الأطروحة  القائلة بأن الإنفتاح و التحرير  بدون قيود هو السبيل الوحيد لوضع سياسات نقدية فعالة و مستقرة و أن ألية السوق المتحررة من القيود قادرة لوحدها على تجاوز الإختلالات و النواقص الطارئة في حركة الأسواق ، فالصين نجحت في تبني  سياسة نقدية مرنة مع الإحتفاظ بأليات للضبط و التقنين، وتقييد حركة  رؤوس الأموال الساخنة، بالإضافة إلى تبني أسلوب محافظ ومتدرج في تحرير القطاع المصرفي، ووضع سياسة نقدية تخدم التنمية، عبر توظيف أدواتها  لدعم الإقتصاد الوطني، و تشجيع الصادرات، و ضبط التضخم و توفير السيولة المالية اللازمة للإستثمار و التوسع الإقتصادي، وهي الأدوات و المنهجية الغائبة في مجمل بلدان العالم العربي التي لم تستطع الإفلات من توصيات وتوجيهات ووصفات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، و هو الأمر الذي جعلها رهينة لإنخفاض معدل النمو الإقتصادي و ضعف مؤشرات التنمية و الإبتعاد عن شروط النهضة والإقلاع الإقتصادي الفعال و المستدام …و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي ، أستاذ للعلوم السياسية..

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here