د. طارق ليساوي: تأثير الصعود الصيني والأسيوي على الاقتصاديات الإفريقية؟

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال “دبلوماسية الديون الصينية و النفط في أفريقيا…” إلى أن “السياسة الصينية تجاه إفريقيا يغلب عليها التوجه البرغماتي، الذي ينحاز للمصالح الاقتصادية للصين، وهو ما أعطى دبلوماسيتها الخاصة بالنفط في أفريقيا أهمية كبرى، ذلك أن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية التي شكلت دوما ركيزة العلاقات الصينية الأفريقية قبل 1978،تلاشت تدريجيا، لكن للأسف بعض القادة الأفارقة لم يدركوا حجم التحولات العميقة التي تعرفها الصين، إذ أن البعض من الأفارقة لازال ينظر إلى التعاون مع الصين على أنه تعاون “جنوب – جنوب”.

وتعتمد الصين في سياستها الناعمة للتغلغل في إفريقيا، على حقيقة أنها لم تكن يوما دولة احتلال لإفريقيا، بعكس الغرب الذي ينظر له الأفارقة بوصفه محتلا، ووجوده في إفريقيا يستهدف سلب ثرواتهم…كما تعتمد الصين على رفض التدخّل في الشؤون الداخلية للأمم الإفريقية، وهو ما يزيد من احترام الزعماء والنخب الإفريقية للنظام الصيني، كما تعتمد على كونها حليفا لإفريقيا، وعلى تقديم خدمات وقروض ومشاريع صناعية وتنموية، ولا شك أن هذه السياسة تدفع الصين لتحقيق نفوذ اقتصادي وعسكري عالمي أكبر من نفوذها الحالي…

كما عملت الصين على تقديم نفسها كنموذج اقتصادي يقترب من النمط الإفريقي، حيث تشغيل العمالة البشرية بصورة أكبر من الآلة، والاستناد إلى مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وتشجيع شركائها التجاريين الإفريقيين لتطوير اقتصادهم من خلال التجارة والاستثمار في البناء التحتي والمؤسسات الاجتماعية، دون فرض شروط سياسية أو إصلاحات اقتصادية…فالتغلغل الصيني بإفريقيا خاصة بعد 1978 أخذ يتجنب تدريجيا عوامل السياسة والإيديولوجيا، وذلك مقابل هيمنة الاقتصاد والمصالح النفعية البحتة… فالصين باتت تفكر بمنطق براجماتي ، فهي تهتم بقضايا التجارة والاستثمار والوصول إلى مصادر النفط والمواد الخام أكثر من اهتمامها الإيديولوجي بقضايا مثل “الصين الواحدة “أو “تضامن العالم الثالث أو نشر الفكر الشيوعي..

كما أن الاستراتيجية الصينية وطموحات بكين الجيوسياسية “الحلم الصيني” الذي نادي به “شي جين بينغ” عام 2012، قائلاً: “إن طموحنا يكمن في أن نجعل من الصين القوة الأولى عالمياً، وأن أفريقيا هي الوسيلة الأساسية لبلوغ وتحقيق هذا الحلم”….

هذا التوجه الصيني يثير جملة من المخاوف بإنطلاق موجة إمبريالية ثانية لسلب ونهب ثروات القارة ، على غرار التكالب الاستعماري الغربي في القرن التاسع عشر، وأن ما تفعله الصين ليس سوى تكالب من نوع آخر عبر بوابة الثقافة و التجارة و الاستثمار، بدلا من أساليب الغزو الغربية القديمة..وما يدعم هذه المخاوف و يزكيها، هو تواجد مناطق واضحة للسيطرة والنفوذ..

فطبقا لمناطق النفوذ الراهنة، يُلاحَظ أن الولايات المتحدة تهيمن من خلال شركاتها النفطية على منطقة “خليج غينيا” و”ساوتومي”، في حين أن فرنسا تهيمن على “الغابون” و”الكونغو برازفيل”.. بالإضافة إلى ذلك، فإن المصالح النفطية “الأنغلو-أمريكية” تحافظ على وجود قوي في “نيجيريا”.. أما الصين فإنها تثبّت أقدامها في “السودان” و”أنغولا”، و قد أوضحنا ذلك في المقال السابق “دبلوماسية الديون الصينية و النفط في أفريقيا…”..و سنحاول في هذا المقال إستكمال ذات النقاش لكن من زاوية استغلال الصين للمواد الأولية -من غير النفط – للقارة السمراء…كما سنحاول توضيح بعض المكاسب التي حققتها البلدان الإفريقية من زيادة الطلب على المواد الأولية الافريقية..و كيف خدم النمو الاقتصادي المرتفع في الصين و غيرها من البلدان الأسيوية الصاعدة، مصالح البلدان الإفريقية ووسع من خياراتها الإقتصادية، و كيف منحها قدرة تفاوضية في مواجهة المحتكرين السابقين للثروات و المقدرات الإفريقية..

أولا- الصين و المواد الأولية للقارة السمراء

على خلفية حالة العجز الذي تعاني منه الصين بشأن تحقيق اكتفائها الذاتي من المواد الأولية، نجدها تسعى نحو تجاوز هذا العجز عن طريق القارة الأفريقية العامرة والزاخرة بالمواد الأولية، إذ تؤكد بعض التقديرات على أن القارة الأفريقية تتمتع وحدها فيما بين ثلث ونصف الاحتياطي العالمي من الموارد الطبيعية، الأمر الذي دفع الصين نحو الهرولة صوب القارة السمراء، وترتب على هذا التوجه إحداث قفزة كبيرة في التبادلات التجارية بين الصين والدول الأفريقية، من 12 مليار دولار عام 2000 إلى 200 مليار دولار عام 2012، و بحسب بيانات وزارة التجارة الصينية لعام 2018، فقد تجاوزت قيمة واردات الصين من الدول الأفريقية حوالي 99.3 مليار دولار، بزيادة 32% على أساس سنوى، فى حين بلغت قيمة صادراتها إلى أفريقيا 104.9 مليار دولار.. مما يعني أن الصين نجحت في تعزيز سياستها في القارة الأفريقية أكثر من القوى الغربية …

فالصين كغيرها من القوى الدولية، تهتم بالموارد الطبيعية الأخرى في أفريقيا، إذ تعتمد على استيراد الأخشاب من غابات “الكاميرون” و”الكونغو” و”غينيا الاستوائية” و”الغابون” و”ليبريا”. ويمثل قطع ونقل الأخشاب بطريقة غير قانونية نحو 50% من إجمالي صادرات الأخشاب في “الكاميرون”، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى نحو 90 % في كل من “الكونغو” و”غينيا الاستوائية” و”ليبريا”.. ولا تظهر الإحصاءات الوطنية للتجارة في هذه الدول أنواع الأخشاب التي يتم تصديرها، وهو ما يجعل معرفة تلك الأنواع أمرا مستحيلا.

ومنذ منتصف التسعينيات ازداد الطلب على القطن الأفريقي لمواجهة احتياجات صناعة الملابس والمنسوجات الصينية المزدهرة.. ولعل من أبرز الدول الأفريقية المصدرة للقطن : “بوركينا فاصو” و”بنين” و”مالي” و”غينيا” و”نيجيريا” و”أفريقيا الوسطى”…

ولا يتوقف الطلب الصيني على النفط والمعادن الأفريقية، وإنما يشمل كذلك مجالات الزراعة ومصائد الأسماك حيث قامت الصين بتوقيع عقود مع كل من “سيراليون” و”الغابون” و”ناميبيا” للسماح للصيادين الصينيين بالصيد في سواحلها الإقليمية، بالإضافة إلى ذلك استأجرت الصين بعض المزارع في كل من “زامبيا” و”تنزانيا” و”زيمبابوي” و”الكونغو”…

و من المؤكد، أن صعود الصين في العقود الأخيرة، كان له تأثيرا إيجابيا على الاقتصاديات الإفريقية، والتي تعتمد في مجملها على صادرات المنتجات الأساسية .. و هو ما سنحاول تفصيله في المحور الموالي..

ثانيا- تأثير الصعود الصيني و الأسيوي على الاقتصاديات الإفريقية:

أداء الاقتصاد الكلي الجيد في الصين، أدى إلى زيادة الطلب على المنتجات الأساسية الإفريقية، وهو ما نجم عنه إعادة تقويم أسعار المواد الأولية في السوق الدولية.وهو ما أدى إلى الرفع من عوائد البلدان المصدرة، ويحسن من أداءها الاقتصادي، لكنه بالمقابل يلحق أدى بالدول الفقيرة المستوردة للطاقة والمواد الأولية… وإجمالا فان مساهمة الصين في الإنتاج العالمي أصبحت مهمة ، كما أن دورها في السوق المالية الدولية أخد في التنامي، فالطلب الصيني على الاستثمار في سندات الخزينة الأمريكية من خلال تدوير الاحتياطي الكبير الذي تتوفر عليه من النقد الأجنبي، يدفع سعر الفائدة العالمي نحو الانخفاض، وهو ما يدفع باتجاه ارتفاع معدل الاستثمار، وبالتالي ارتفاع الطلب على المواد الأولية، الأمر الذي يقود إلى ارتفاع أسعار المنتجات الأساسية في السوق الدولية…

وفي هذا السياق، فإن البلدان الإفريقية والتي ارتبطت بالاقتصاد العالمي من خلال صادراتها من المواد الأولية، ستستفيد من هذه “الدورة الحميدة “، فارتفاع الطلب على المنتجات الأساسية من قبل الصين وباقي البلدان الكبرى و الصاعدة، يدفع باتجاه ارتفاع أسعار هذه المنتجات وهو ماله تأثير ايجابي على ارتفاع معدل النمو الحقيقي بالبلدان الإفريقية . التي بالفعل سجلت في الفترة مابين 2002 و2018 معدل نمو بلغ في المتوسط 4.7 % عكس 3.3% مابين 1997و2000 ، فالارتفاع في أسعار المنتجات الأولية يقود – في الغالب- إلى أداء اقتصادي جيد. و قد اختلفت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الأقاليم الفرعية لإفريقيا خلال السنوات الماضية ، حيث سجل إقليم شرق إفريقيا أعلى متوسط النمو و بلغ حوالي 6% ، يليه إقليم غرب إفريقيا بمتوسط معدل نمو يتعدى 5%، ثم الشمال الإفريقي 4%…. وبسبب هذا النمو تحولت دولة مثل بتسوانا، التي كان معدل النمو بها، منذ استقلالها سنة 1966، من أسرع معدلات النمو فيما يتعلق بأعلى دخل للفرد في إفريقيا، وباتت تعد واحدة من بين قصص النجاح الإفريقية الكبرى، وتحولت من واحدة من أفقر البلدان في العالم إلى فئة البلدان متوسطة الدخل. وحسب أحد التقديرات، فإن بتسوانا تمتلك رابع أعلى إجمالي للدخل القومي في تعادل القدرة الشرائية في إفريقيا مما يمنحها مستوى معيشة يقارب نظيره في المكسيك…

و الجدير بالذكر، أن النمو الاقتصادي المتسارع للنمور الآسيوية إضافة للهند والصين والبرازيل، عاد بالنفع من خلال الاستثمارات المباشرة في كل من الموارد الطبيعية والتصنيع وتطوير البنية التحتية والخدمات في دول إفريقيا ، فقد أسهم بشكل فعال في خلق فرص للنمو الاقتصادي لهذه الدول، وأعطاها فرصة للتفاوض مع الشركات الأوروبية والأميركية بشروط محترمة تضمن لها الحفاظ على بعض المكاسب المهمة، حيث إنهم لم يعودوا يمثلون سوق الطلب الوحيد لإفريقيا، وبالتالي لم تعد هناك قيود وأغلال تضطر الأفارقة للخنوع والخضوع للشروط المجحفة للوكلاء الاقتصاديين الغربيين…

فالصين والهند والبرازيل والنمور الآسيوية باتت الحاضن الجديد والوجهة الميمونة لإفريقيا النامية.. لذلك، على الأفارقة أن يعملوا على تغليب مصالح بلدانهم و شعوبهم، وحماية موارد بلدانهم من الفساد و القرصنة ، و ذلك لن يتحقق ما لم يتم التأسيس لنظم حكم ديموقراطية تعبر عن إرادة الشعوب … و أختم مقالي بقصة طريفة من الصين فالعرف السائد في هذا البلد منذ القدم، جعل أول مكان يزوره أي مسئول جديد هو السجن، حيث يرى مصير المسئولين الذين سبقوه و عملوا على استغلال المنصب الذي تقلدوه و لعل هذا أهم ما تحتاجه إفريقيا و معها باقي البلدان العربية التي يعمها الفساد و الاستبداد…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here