د. طارق ليساوي: المناوشات بين الصين و الهند إمتداد للصراع الصيني – الأمريكي

 

 

د. طارق ليساوي

خلصنا في المقالين السابقين حول صراع العملات و تطور النقود إلى أن “الأزمة شائكة و الصين عاجزة لوحدها عن إسقاط الدولار من عرشه، لأنها بدورها مكبلة بقيود العولمة الاقتصادية و مصالحها متشابكة مع أمريكا ، و إنفصالها عن أمريكا أو إعلانها العداء للمصالح الأمريكية يعني التضحية بالمصالح الصينية، و لعل المثال البسيط و الأقرب، تبخر نحو تريليوني دولار استثمرتها الصين في سندات الدين الأمريكي.. فالخروج من الحلقة الجهنمية ليس بيد الصين، أو غيرها من البلدان المعتمدة ذات النهج الاقتصادي الرأسمالي المتوحش.. فالخروج من هذه الحلقة يحتاج إلى دولة مبدئية ، و نرى أن الدولة التي تتبنى القيم الإسلامية في الاقتصاد و الحكم و النقود و تداول القيمة و توزيع عوائد التنمية و الثروات، هي القادرة على خلق البديل التنموي و الحضاري القادر على كسر شوكة طغيان الرأسمالية و الدولار، و ما يمثلانه من آلية دولية لنهب و تفقير غالبية شعوب الأرض على حساب إغناء القلة”..

و ذهب البعض إلى إعتبار أن في الأمر مبالغة، لكني أعيد التأكيد على هذه الخلاصة و ذلك لسببين :

الأول- عند التعامل مع الصين ينبغي التمييز بين الكلي و الجزئي، فعندما ننظر للصين من الزاوية “الماكرو” ، يمكن القول أنها قوة عظمى تملك القدرة على زعزعة إستقرار العالم و ليس فقط أمريكا و دولارها، لكن عند الانتقال إلى مرحلة أعمق من التحليل و تفكيك بنية الصين الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الأمنية نخلص إلى أن الصين لازالت في حاجة إلى مواجهة التحديات الداخلية، و في مرحلة موالية التحديات الإقليمية.. أما الدخول في صراع مباشر مع أمريكا فهو في غير صالح الصين في الظرفية الراهنة، لأن القيادة الصينية تراهن على الاستقرار و ضمان إستمرار الوضع القائم، و التغيير ينبغي أن يكون بالتدرج..

الثاني- سأحيل القارئ إلى كتاب “اعترافات قاتل اقتصادي” للكاتب “وليم جون بركنز”، الذي أوضح فيه استراتيجية تعامل الدول الكبرى والمؤسسات المالية مع الدول التي لا تخضع لسياستها وتخرج عن عباءة طوعها، فيقول “هدفنا هو تحويل قادة البلدان المستهدفة، ليصبحوا جزءا من شبكة واسعة مهيأة لتحقيق المصالح الأمريكية بالمنطقة، وفي نهاية المطاف يقع هؤلاء القادة في مصيدة الديون، مما يجعلنا نساهم دون شك في خلق مشاكل اقتصادية لهم، الأمر الذي يجعلهم يتخذون مواقف موالية لنا، ووقتها نستخدمهم لتحقيق أغراضنا السياسية والعسكرية، تلك المنظومة يقف وراءها ،البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والحكومة الأمريكية وجهاز المخابرات الأمريكي”.

ويضيف بركنز “في الحقيقة أننا لا نؤيّد سوى الأنظمة الشمولية والديكتاتورية والطغاة أينما كانوا، لأنهم يساعدوننا على توسيع رقعة المصالح الأمريكية، ونُطيح بالزعماء الذين جاءوا بطريقة ديمقراطية إذا رفضوا تحقيق رغباتنا”… و لعل هذه التصريحات تساعدنا في فهم لعبة الشطرنج الدولية، و كيف أن البلدان الغربية تكالبت على وأد ثورات الربيع العربي، و إستمرت في دعم الأنظمة الديكتاتورية، و لماذا هناك إلحاح من قبل الأنظمة العربية الحالية و السابقة، على تبني توجهات اقتصادية تنموية مبنية على المديونية و محاكاة توصيات المؤسسات المالية الدولية…

و بالمقابل، علينا الإقرار أن الصين و غيرها من البلدان الصاعدة تحاول تبني نهجا إقتصاديا و سياسيا يخدم مستقبل بلدانها و شعوبها ، و تحاول قدر الإمكان الخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية ، و هو أمر إيجابي لكن لا ينبغي أن نعتبر هذا التوجه نصرا في عالمنا العربي ، لأن هذه البلدان لن تحقق أمال بلداننا و شعوبنا نيابة عنا، فالبقدر الذي تسعى فيه الصين و الهند و تركيا و ماليزيا و غيرها من البلاد الصاعدة أن تتحدى الارادة الأمريكية خاصة و الغربية عامة ، على شعوبنا بدورها أن تدرك أن مستقبلها يمر عبر تغيير نظم الحكم و استبدال الأنظمة العميلة بأنظمة وطنية، و هذا هو القاسم المشترك بين البلاد التي ذكرناها..فالهيمنة الامريكية ليست قدرا و المسرح الدولي يعترف بالدول القوية، و لا مجال فيه للدول الضعيفة و الهشة …

و لتوضيح هذه الحقيقة سوف نستكمل حلقة الصراع بين الصين و أمريكا ، و عندما أتحدث عن الصين فإني أقصد أيضا القوى الأسيوية الصاعدة، فما تعانيه الصين اليوم قد عانته اليابان و كوريا الجنوبية و باقي النمور الأسيوية في عقدي الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي، فهذه البلدان تبنت نموذج تنموي يحاكي الغرب لكن مع ذلك حاولت تكييف ذلك مع خصوصياتها التنموية و الثقافية و الحضارية…

و بالعودة إلى الصراع بين الصين و أمريكا ، فإننا نرى بأن الصين غير مستقلة تماما و لا تملك حرية الحركة الكافية، و السبب أن الاختيارات التي تأسست عليها الاصلاحات الاقتصادية منذ 1978 جعلت الصين ملزمة بإحترام جملة ثوابت دولية، و الحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي و المالي و التجاري العالمي، ذلك أن إعتماد الناتج القومي الصیني بنسبة %80على الصادرات يمثل تحذیرا للصین التي یجب أن تنمي بقية قطاعات إقتصادها، وأن تركیز الصین بهذه النسبة الكبیرة على التصدیر يعني فشلها في تنمية قاعدة استهلاكية محلية كبیرة توازي حجم نموها التجاري ، وهذا بدوره يعرض الصین لآثار سلبية كبیرة في حالة تعرض إقتصاد الدول التي تمثل سوقا بالنسبة لها لأي إضطرابات إقتصادية مفاجئة، و هو ما رأيناه مع تفشي الوباء و غلق الحدود و رأيناه أيضا خلال الازمة المالية العالمية لعام 2008 و الأزمة الاسيوية لعام 1997 عندما تم التلاعب بعملات النمور الاسيوية و تفقير هذه البلدان و فرملة صعودها.. فعندما راهنت الصين على الصادرات فهي جعلت الاقتصاد المحلي مرتبط بأسواق التصدير و أي خلل بهذه الأسواق يضر بالتبعية بالاقتصاد الصيني و يدخله في دورة أزمات..

كما أن الضغوط التي تمارسها أمريكا على الصين من أجل رفع قيمة اليوان تشكل تهديدا للصين و توسعها الاقتصادي، و لفهم ذلك ينبغي تحليل الموقف الصيني و الذي لابد أن نميز فيه بين موقفين على طرفي نقيض:

الموقف الأول- تقدم وسائل الإعلام الحكومية تقارير منتظمة عن آفاق “اليوان ” و تبشر بأن”اليوان” سيحل محل الدولار كعملة احتياطية عالمية..

الموقف الثاني- إدراك القيادة الصينية و العديد من الخبراء الاقتصاديين في الصين،  أن هناك سعي أمريكي –غربي  للتأثير سلبا على الصين عبر التلاعب بالعملة، وأن النقد الإلزامي كان مؤامرة وضعتها البنوك الغربية.

و مما يدعم هذه المخاوف لدى الصينين هو الضغوط التي مارستها كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية على اليابان لزيادة قيمة “الين”، وهو ما أدى  إلى توقيع اتفاقية “بلازا” لسنة 1985، في الصين يقع إلقاء اللوم على اتفاقية “بلازا” لأنها أثرت على الاقتصاد الياباني و أدخلته في “عقود الضياع” تبعا للتصور الصيني،  لذلك فإن  الزعماء الصينيون يتعاملون مع الضغوط الأمريكية بزيادة قيمة اليوان بجدية .

و المخاوف الصينية مدعومة بالحقائق على الأرض، فالدول الكبرى المتمثلة بأمريكا عن طريق البنك المركزي “Federal reserve”، والاتحاد الأوروبي عن طريق البنك المركزي “ECB”، وبريطانيا عن طريق البنك المركزي الإنجليزي “Bank of England”، وهؤلاء هم اللاعبون الأساسيون في تحريك السوق المالي والاقتصادي ويتحكمون بـ 70% إلى 80% من حركته… لكن أقوى لاعب بين هؤلاء هي أمريكا ، فوحدها قادرة على التحكم بـ 50% من حركة السوق العالمي، وبما أن جميع اللاعبين الكبار حلفاء لواشنطن، تكون الولايات المتحدة هي اللاعب رقم واحد في العالم، وهي من يتحكم بالسوق وتضبط حركاته وفقا لمصالحها، بالإضافة إلى بعض البنوك الكبرى والشركات متعددة الجنسيات، لكنها في النهاية تدور في فلك المتحكم الأول وهي أمريكا، و عند تحليل  حركة الأسواق العالمية ينبغي في الغالب التمييز بين إتجاهين:

الأول- الحركة الطبيعية: وتكون عن طريق القرارات الاقتصادية للدول وعادة تكون لحل مشكلات وأزمات داخلية، كقيام بعض البنوك المركزية برفع أو خفض الفائدة لحل أزمة مالية أو اقتصادية، فإن هذا الحدث يؤثر على حركة السوق، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية والتي تلعب دورا هاما في حركة السوق، وكذلك الأزمات السياسية بين الدول والحروب، باختصار شديد تقوم هذه الحركة على العرض والطلب.

الثاني- الحركة غير الطبيعية: وهذه الطريقة مدفوعة بالمؤامرات والمكائد السياسية التي تقوم بها الدول الكبرى مثل: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ولا علاقة لها بقوة أو ضعف اقتصاد الدول مثل ما حدث في بلدان النمور الأسيوية سنة 1997 و ما حدث في الكثير من البلدان الأخرى من إنخفاض لقيمة عملتها عبر تحريك الأموال الساخنة و التأثير الممنهج و الفجائي  في آلية العرض و الطلب للتأثير على قيمة العملة المستهدفة ، و هو ما حدث في الصين و اليابان و العراق و تركيا …

لأن حرب العملات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول صاعدة أخرى، لا تستهدف  التأثير على قيمة العملة  فقط ، فالأمر يتعدى  سعر صرف الدولار مقابل “اليوان” أو “الين” أو “الليرة” ، فالحرب في الأساس  تجارية بين أمريكا من جهة، و البلدان المستهدفة من جهة أخرى، و هو الأمر الذي سبق و بيناه من خلال تعريف “حرب العملات” ..فمحاولة أمريكا الضغط على الصين برفع قيمة اليوان مقابل الدولار يخدم المصالح الأمريكية ويضر بالصين ، ذلك أن الدولار القوي له تأثيرات إيجابية على أمريكا ، لأنه يجعل الواردات أقل تكلفة، وهو ما يستفيد منه الأمريكان و يكبح جماح التضخم و يعزز القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي، أما بالنسبة للسلع المصنوعة في الولايات المتحدة فإن ذلك يعني مزيدا من المنافسة في السوق المحلية، لكن الدولار القوي قد يكون عاملا سلبيا للاقتصاد الأمريكي، ففي فترة حكم “ريجان” في بداية الثمانينيات لم تكن الشركات الأمريكية تصارع المنافسة اليابانية فقط، بل كذلك العملة الباهظة.

في الجانب الآخر تتصارع أمريكا مع الصين منذ عقود حول رفع قيمة اليوان، فسعر الصرف المنخفض سهل على المصنعين الصينيين ولفترة طويلة إغراق السوق الأمريكية بالسلع الصينية وكانت النتيجة ترحيلا كبيرا لقطاع الصناعة الأمريكي للخارج، وطبعا أصبح العديد عاطلين عن العمل.

ومنذ أن انتهجت الصين إستراتيجية النمو القائم على الصادرات، لعبت العملة المنخفضة الدور الأساسي في هذه الإستراتيجية، حيث يسمح بخفض قيمة العملة للصادرات بالنمو، وهو ما يؤدي إلى تراكم فوائض النقد الأجنبي، خصوصا الدولارية، التي تستقر لدى البنك المركزي.

حتى الآن الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأول عالميا ، والصين الثانية ، لكن الصين تصدر  أكثر من أمريكا فهي تحتل المرتبة الأولى عالميا  بإجمالي صادرات يتعدى 2342  مليار دولار سنويًا، وذلك في ، بينما تصدر أمريكا حوالي 1688  مليار دولار سنويا و تحتل المرتبة  الثانية عالميا، ونتيجة لذلك ازداد الاحتياطي الأجنبي للصين ووصل إلى أزيد من  4.3  تريليون دولار.

لذلك فكلما انخفض اليوان، زادت الصادرات الصينية للعالم، وبالتالي زادت الحصيلة الدولارية وزاد الاحتياطي الأجنبي، وبالتالي تطالب أمريكا والغرب الصين برفع قيمة اليوان، بحجة أنها تحتمي وراء عملة قوية، وتستمر الصين في الطباعة أكثر وتنجز المشاريع القومية وينمو اقتصادها بأكثر من 10% سنويا حتى وقت قريب.

لذلك، تشكل الصين خطرا على الاقتصاد الأمريكي، فحتى الآن لم تجد الولايات المتحدة وسيلة ناجحة للتعامل مع الصين ووقف تقدمها، فقد نجحت الصين إلى حد ما في دعم صادراتها عن طريق التحكم في سعر الصرف خلال الأزمة المالية العالمية وما بعدها..لكن مع تفشي وباء كورونا المستجد تغيرت الصورة تماما، و أصبحت الصين في موقف الدفاع عن النفس ضد تهمة خطيرة و هي نشر الفيروس، و خطورة الهجمة الأمريكية على الصين، نابعة من حرص الدعاية الأمريكية على شيطنة الصين، و بالتالي التأثير على “سمعة الصين” ومنتجاتها…و هو الأمر الذي يضر بصادرات الصين و بالتالي التأثير على الاقتصاد الصيني و فرملة نموه…و بنظرنا مثل “فيروس كورونا” –للأسف- فرصة ذهبية لأمريكا لتمديد هيمنتها و تلاعبها بالنظام المالي العالمي، و فرصة ذهبية لأنها تحاول توظيف فيروس كورونا و تشويه صورة الصين للضغط على القيادة الصينية و دفعها للقبول بسيادة الدولار و الخضوع للمظلة الأمريكية، بل إن أوراق الضغط على الصين قد تتعدى ذلك إلى دفع حلفاء أمريكا و في مقدمتهم الهند إلى إستفزاز الصين و لما لا جرها إلى حرب إقليمية محدودة لإعادة ترتيب أولويات الصين ..فالصيف القادم سيحمل الكثير من المفاجئات بالنسبة للصين و العالم، و إعادة إنتخاب “ترامب” تمر عبر بوابة حربه على الصين …

لكن المؤكد، أن  القيادة الصينية ليست من فصيلة الحكام العرب الانهزاميين، فالصين قادرة على مفاجئة أمريكا و إفشال مخططاتها، لكن الإحتمال الذي أرجحه هو أن تتصالح المصالح بينهما، و أن يدفع العالم العربي خسائر كورونا من ثرواته و دماء أبناءه..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. مقال شامل استاذنا الكريم، ولكني اتسائل ان الصين دولة المليار والنصف لديها سوق داخلي متعطش للأستهلاك والذي تستطيع الدولة الصينية التعويل عليه.

  2. نرجو ان يكون المقال القادم عن
    أسباب تذبذب العملة التركيه
    وهل هنالك قانون في منظمة التجارة
    يتعلق بحالة تعمد خفظ العمله
    لدعم الصادرات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here