د.طارق ليساوي: المغرب ومخاطر الانزلاق للهاوية…

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

قبل هذا التاريخ بحوالي 3 سنوات ونيف، و تحديدا في 16 غشت 2013 نشرنا مقالا بجريدة القدس العربي اللندنية تحث عنوان ” الاشتراكي الموحد في حقل البلاء دفاعا عن الولاء “، و كان المقال تضامنا في حينه مع المضايقات التي تعرضت لها السيدة نبيلة منيب الأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد (حزب يساري معارض)، و لا سيما الانتقادات التي تعرضت لها في يومية الاتحاد الاشتراكي لسان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحكم مواقفها ضد الطقوس التي تتم بمناسبة  حفل الولاء الذي يتم كل سنة بمناسبة اعتلاء ملك المغرب للعرش.

هذه المقدمة الطويلة فرضتها المناسبة، وكما يقول المناطقة المناسبة شرط، والمناسبة اليوم ما تداولته العديد من وسائل الإعلام المغربية و خاصة المواقع الإخبارية الالكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي : “من إقدام  السلطات المغربية بإعفاء العديد من الموظفين المغاربة بشكل جماعي من مناصب المسؤولية (مدراء مؤسسات تعليمية رؤساء بعض المصالح…) و القاسم المشترك بين هؤلاء- تبعا لما تداولنه وسائل الإعلام- هو انتمائهم لطيف سياسي معارض و هي “جماعة العدل و الإحسان” أو الجماعة المحظورة وفق توصيف النظام المغربي..” ،وهي جماعة تنتمي بشكل عام إلى تيار الإسلام السياسي أسسها الراحل الشيخ عبد السلام ياسين في ثمانينات القرن الماضي و اشتهر مؤسسها برسالته إلى الملك الراحل الحسن الثاني ” الإسلام أو الطوفان” ، وهي جماعة لها مواقف معارضة للعبة السياسية في المغرب، تعتمد في معارضتها على الأدوات و الطرق السلمية و لم يثبت أنها دعت يوما إلى العنف .

إلى حد الساعة لم يتم نفي أو تأكيد هذه المعلومات من طرف أي جهة رسمية، سوى ما تداولته “جماعة العدل و الإحسان” و وسائل الإعلام المختلفة كما سبق و أشرنا.  و إذا تبث هذا الأمر فإن القائمين على تنفيذ هذه السياسة، يحرصون على إعادة المغرب إلى سابق عهده أي إلى سنوات الرصاص و السياسات القمعية و الاستئصالية للمعارضين و التي تبناها نظام الراحل الملك الحسن الثاني و وزير داخليته  إدريس البصري .. هذه السياسات أضرت بالبلاد والعباد لعقود من الزمن و خلفت العديد من سجناء الرأي و المعتقلين ظلما و عدد من القتلى و المنكل بهم، لذلك سميت بسنوات الرصاص و هي سنوات سوداء في تاريخ المغرب الحديث .

ولقد حاول العهد الجديد منذ 1999 سنة تولي الملك محمد السادس عرش المملكة طي ملف هذه السنوات السوداء و جبر الضرر و اعتذار الدولة عن هذه السياسات، و تأسيس “هيئة الإنصاف و المصالحة” و التي ضمت في صفوفها العديد من المعارضين القدامى و في مقدمتهم المرحوم “إدريس بنزكري”، وقد و تمكنت الهيئة بالفعل من طي هذا الملف -إلى حد ما- و استبشر المغاربة خيرا بأن الدولة التزمت بنبذ الممارسات اللأخلاقية و اللاقانوية والتي تتعارض مع القيم الدينية و الكونية…

فمثل هذه السلوكيات -إن ثبت وجودها- فهي معارضة صارخة لما التزمت به الدولة بموجب دستور 2011، والذي كان نتاج لحراك شعبي واسع في فبراير 2011، و هذا الدستور يستند في مرجعيته إلى العديد من المبادئ الكونية و التي أصبحت من مسلمات المدنية الحديثة ك “مبدأ المساواة أمام القانون” و “مبدأ تكافؤ الفرص” و “عدم التمييز على أساس الجنس أو اللون أو الانتماء السياسي أو الديني …” …نعم من واجب الدولة معاقبة من خالف القانون و أضر بالمصلحة، لكن وفق مساطر قانونية  شفافة ، لكن أن يكون كل هؤلاء الموقوفين أو المتضررين من طيف سياسي واحد فهذا أمر في غاية الخطورة … ولا يعقل لدولة حديثة تستند إلى المبادئ الكونية أن تعادي مواطنيها بحكم انتمائهم السياسي أو العقدي أو الإثني…

فمن غرائب الصدف أنه في الوقت الذي لازال العالم يندد ويعارض ويستهجن قرارات الرئيس الأمريكي “ترامب” ضد دخول المسلمين إلى الديار الأمريكية و رفض مسؤوليين حكوميين في الإدارة الأمريكية لقرارات الرئيس ووصفها بأنها عنصرية ومخالفة للمبادئ الكونية ..و تضامن جزء كبير من الأمريكيين مع مواطني  البلدان العربية و الإسلامية التي شملها المنع، نجد بلاد دولة إمارة المؤمنين تتخذ قرارات تمييزية ضد موظفيها و مواطنيها لا لشئ سوى انتمائهم لتيار سياسي معارض…

و موقنا هذا هو موقف مبدئي بغض النظر عن من هؤلاء الأشخاص أو انتمائهم ، فإذا كان بعضهم يساريا سوف نتضامن معه و نرفض المساس بحقوقه المكتسبة، لأن دولة الحق و القانون ينبغي أن تحترم القانون و المواثيق الدولية، فالدولة لكل مواطنيها وليست حكرا لطائفة أو فئة …

المغرب في غنى عن مثل هذه القرارات و هذه الحروب المجانية، المغرب في حاجة لجهد و طاقات كل أبناءه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، فحجم التحديات كبير و انتظارات الشارع كبيرة، فمعدلات البطالة في أوساط الشباب تصل إلى ربع الشباب المغربي وفق المندوبية السامية للتخطيط، و معدلات الفقر و التهميش و سوء توزيع الثروة كلها مؤشرات تهدد السلم الاجتماعي، هذا إلى جانب ضعف شديد في الخدمات العامة كالصحة والتعليم …

أن التحدي الحقيقي الذي يواجه أمن البلاد و استقرارها هو ضعف الأداء التنموي و الانحراف في تطبيق المبادئ الدستورية ، و عدم الانسجام بين الخطاب و الممارسة ، فاحترام حرية الرأي و تقديس حقوق الإنسان، كلفت البلاد سنوات من الضياع ، فلا داعي للاستمرار في نفس النهج الذي أثبت فشله بشهادة النظام … فتقييد الحريات و تكميم الأفواه، و التطرف و الاستبداد السياسي، و الشطط في استعمال السلطة لن تقود إلا للهاوية والتجارب الدولية المقارنة تغنينا عن المجازفة…فلاداعي للمضاربة بمستقبل البلاد و العباد و لندخر جهود الجميع لبناء مغرب حر ديمقراطي ومتقدم …و الله غالب على أمره…

*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here