د.طارق ليساوي: المغرب: التغيير قادم لا محالة

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

تداولت في الآونة الأخيرة وسائل الإعلام الدولية، نقلا عن قناة تلفزيونية إسبانية تقريرا مصورا عن معاناة مغاربة يمتهنون التهريب من مدينة سبتة المحتلة إلى المناطق الشمالية المغربية ، و التقرير ركز على المعبر الحدودي بين مدينة سبتة المحتلة  و المغرب ( شمال المملكة)، من يشاهد هذا التقرير و معاناة هذه الجحافل من النساء في الغالب يصاب بحالة سعار، أيعقل أن يكون هؤلاء مواطنون مغاربة ؟ وكيف تحملون هذا الإذلال من يعانون أجل كسب قوتهم من المتاجرة في سلع مصدرها أرض في الأصل مغربية و لازالت محتلة من قبل الإسبان…

هذا في الوقت الذي سحب فيه المغرب قواته من المنطقة الحدودية جنوب المملكة و تحديدا “الكركرات”، و تعرض مواطنون مغاربة يريدون الدخول للحدود الموريتانية أو للمغرب من موريتانيا للإهانة من قبل قوات البوليساريو… و الأدهى من دلك التزام الدولة المغربية الصمت ، والاستمرار في الجدل الأرسطي المتصل بتشكيل الحكومة المغربية التي لازالت لم ترى النور بعد أزيد من أربع أشهر على تعيين رئيسها السيد “بنكيران”…

للأسف الشديد البلاد ينخرها الفساد-بشهادة سياسيين- و الظلم الاجتماعي و الانتهاك الصارخ لحقوق غالبية المواطنين في العيش الكريم ، بينما تتحف وسائل الإعلام المغربية مشاهديها و قراءها بسيل من الترهات و القصاصات الإخبارية المزيفة للواقع …في الوقت الذي ينبغي فيه حشد جهود الجميع لتحقيق إصلاح حقيقي يُخرِجُ البلاد من منزلق خطير تسير باتجاهه…

ولابد من التأكيد أن الوضع الحالي ليس وليد اللحظة فما يعانيه المغاربة اليوم من غياب للديمقراطية واحتكار القرار السياسي و الاقتصادي من قبل القلة ، وغياب المساءلة و الظلم الاقتصادي و الاجتماعي و فشل السياسات العمومية  و تدجين الفاعلين السياسيين ، عرفه المغرب منذ حصوله على الاستقلال و لازالت مطالب جيل التحرير “المنقوص” قائمة بنفس المفردات و حتى نفس بوابات الإصلاح…

فالبرجوع إلى كتابات رواد حركة التحرير المغربية من أمثال “المهدي بن بركة” و “عبد الله إبراهيم” و “علال الفاسي” و ” الفقيه البصري” و “المهدي المنجرة” نجد أن تقييم هؤلاء وغيرهم للواقع آنذاك ينطبق على واقع المغرب اليوم …كما أن رؤيتهم لبناء مغرب الاستقلال لا زالت سارية المفعول في مغرب 2017، فالبلاد لازالت في حاجة إلي إصلاح سياسي حقيقي و ليس صوري، كما أنها في حاجة إلى دستور تضع بنوذه هيئة تأسيسية منتخبة من عموم المغاربة ، دستور يحدد صلاحيات الملك و الحكومة و البرلمان و باقي المؤسسات…

البلاد في حاجة ماسة إلى عقد اجتماعي جديد يحدد العلاقة بين الحاكم و المحكوم، فالدولة المغربية التي انبثقت عن اتفاقية “اكس ليبان” فقدت جزءا كبيرا من شرعيتها ، فاستقلال البلاد دفع ثمنه كل المغاربة لكن المكاسب جناها البعض، و جزء منهم للأسف، كانوا خداما و متعاونين مع المستعمر الفرنسي و الاسباني. و مع ذلك، استمروا في تكديس الثروات و احتكار مناصب القرار لهم و لذرايتهم، نقول هذا الكلام لان الدولة التي لا تحمي مواطنيها و إقليمها دولة محدودة السيادة و شرعيتها منقوصة … لازالت مدينتي سبتة ومليلية محتلتين و الدولة المغربية في صمت عميق و هاهي اليوم تنسحب من منطقة كانت بالأمس تعرف حضورا أمنيا مغربيا، بل إن شعار المملكة ” من طنجة لكويرة” و الذي طالما رددناه منذ طفولتنا أصبح اليوم قاب قوسين …

 قد نتفهم أن المغرب لايريد إشعال فتيل الحرب مع جبهة البوليساريو، ونحن كذلك لا نرغب في تعريض المنطقة وأهلها لأي تهديد و نحبذ الحلول السلمية، و التي ينبغي أن تتم تحث غطاء المغرب العربي الكبير، لكن بالمقابل من غير الجدوى أن نبحث عن حل داخل الأمم المتحدة والقارة الإفريقية و الرئيس الأمريكي دون أن يبدل مجهودا للتواصل مع الجار القريب  و أخص بالذكر الجزائر…فأي قرار لتقارب بين البلدين سيحظى بتأييد واسع النطاق من قبل كلا الشعبين، بدلا من الانجرار وراء سباق محموم نحو تكديس مزيد من الأسلحة،  وشراء تأييد حكومات بلدان أخرى …

ندرك أن مثل هذا الكلام لا يعجب الماسكين بالسلطة في المغرب، وهم يحبون من يطبل و يزمر لقراراتهم ، لكن مسؤوليتنا أمام الله و التاريخ تتطلب من كل إنسان حر ان يقول كلمة الحق، فأغلبية الشعب المغربي تعاني من الفقر و التهميش و انسداد الأفق ، جرائم اجتماعية واقتصادية ترتكب في حق البلاد و العباد ، فرص ضائعة و دورة التاريخ تكرر نفسها دون مساءلة أو تبصر من قبل الماسكين بالسلطة …فمستوى التعليم وصل إلى الحظيظ بشهادة الجهات المسئولة عن القطاع ، و الصحة ليست بأحسن حال فيكفي جولة في مستشفيات العاصمة لنعرف مستوى التنمية الاجتماعية و الاقتصادية في المغرب …

من يروج للنموذج المغربي الفريد فإما من المستفيد من الوضع القائم أو من المغيبين ، حال البلاد لا يدعو للتفاؤل و الفاعلين السياسيين يستمرون في خطاباتهم الجوفاء حول تشكيل الحكومة و تحديد التوجهات الكبرى و الحداثة و غيرها من الشعارات … و الواقع أن البلاد تعاني من فوضى منظمة و اختلالات عميقة تمس كل الميادين، لابد من مجهود سنوات للتمكن من التخلص من تبعاتها …

إن التحدي الحقيقي اليوم هو تحقيق المصالحة مع تلك الأغلبية الصامتة التي فقدت الثقة في اللعبة السياسية ككل ، و أغلبية شابة تم تعطيلها و كان بالإمكان أن تكون محركا رئيسيا لتحقيق الإقلاع السياسي و الاقتصادي في البلاد ، لكن للأسف البلاد بمؤسساتها و مواردها وظفت لخدمة أوليغارشية لا تمثل في أحسن الأحوال 5 في المائة من ساكنة البلاد…فالاختيارات العمومية لا تقود البلاد إلا نحو المجهول ، فالتغيير قادم لا محالة لأن لطبيعة لا تقبل الفراغ و السياسات التعليمية و كثافة عملية التسويق للنموذج الفردي لن تقود إلا للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتوسيع الحريات المدنية والسياسية وبناء دولة الحق و القانون ووقف نزيف نهب المال العمومي..و إلى ذلك الحين نتمنى أن نكون مخطئين فيما قلناه، و أن البلاد فعلا واحة للرفاه و العدل و الديمقراطية …و الله غالب على أمره…

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي…

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here