د. طارق ليساوي: المراهنة على الصراع الصيني – الأمريكي.. غير ذي أهمية لأغلب البلدان العربية

 

 

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال “استراتيجية إدارة “بايدن” لحصار الصين تقوم على دعائم ثلاث..” إلى أن  الإبتزاز الأمريكي للصين من الصعب أن يستمر إلى ما لا نهاية، خاصة و ان أسلوب “ترامب” ليس هو أسلوب “بايدن”، لذلك فمن السهل الوصول إلى اتفاق معه لأنه بدوره لا يريد تعريض الاقتصاد الأمريكي و الاقتصاد العالمي لهزات عنيفة، و هذا قاسم مشترك بين القيادة الصينية و القيادة الأمريكية الحالية، التي تدرك أن الصين ليس بالخصم السهل الذي يمكن عزله و فرملته بسهولة فكل طرف يملك أدوات ضغط على الطرف الأخر، خاصة و أن مصالح البلدين متشابكة…

فمن يحلل الأداء الاقتصادي و السياسي لأمريكا منذ أحداث 11 شتنبر يدرك أن نهاية أمريكا أصبحت و اضحة ، بل إن العديد من التصرفات التي حدثت بعد هذا التاريخ تدل على هذا الانحدار ، وصناع القرار في أمريكا يدركون جيدا أن هيمنة أمريكا على العالم لن تستمر، و ان هناك قوى دولية صاعدة تنافسها على الزعامة، و تسعى لإحتلال مكانتها .. فالرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” قال صراحة في برنامج في “بي بي سي” في دجنبر 1999:”نحن نعلم بعد عشر سنوات أو أكثر، يمكن ألا نبقى القطب الاقتصادي الأول ..” فهم يدركون جيدا أن الصين ستأتي بعدهم، و تصبح القوة الأولى و هم القوة الثانية، و ستأتي الهند بعد ذلك، لهذا يمكن أن نفهم الموقف الأمريكي و أيضا الصيني…

فسلوك الصين و صمتها على الغطرسة الأمريكية نابع من إدراك الصين أنها ستصبح في غضون سنوات قليلة القوة الاقتصادية الأولى، و صمتها يدل على أنها تقوم بعملها، و قد أوضحنا ذلك في أكثر من مقال، كان أخرها نجاح الصين في إنشاء أكبر منطقة تبادل حر في العالم خلال الأسابيع الماضية ”  RCEP ” وهو ما يعني  أن  خيارات أمريكا في مواجهة الصين أصبحت تتقلص تدريجيا ، خاصة مع توجه  الصين نحو توسيع خياراتها الاقتصادية و التجارية و الدبلوماسية و الأمنية..

هذا بالإضافة إلى أن الصين لها مصالح متشابكة مع أمريكا، و هناك تحالف ضمني بينهما…فالتدهور الأمريكي إقتصاديا و اضح و بين حتى قبل الأزمة المالية العالمية للعام 2008، فلولا الاستثمارات اليومية و ملايير الدولارات التي تأتي لأمريكا من كل بقاع العالم لكانت وضعية أمريكا صعبة للغاية، ومن دون شك أن الصين في مقدمة الداعمين لأمريكا فهي من أكبر المستثمرين في سندات الدين الأمريكي، و أكثر حرصا على إستمرار الدولار قويا … فمصلحة الصين على خلاف ما يعتقد الكثير من المحللين، هو إستمرار النظام العالمي القائم بشقيه الاقتصادي و المالي، أما انهياره فإنه لا يخدم مصالحها على المدى المنظور، و قيادة أمريكا للنظام الدولي يفيد الصين أكثر مما يضرها، لأنها تجني الثمار دون تحمل تكاليف القيادة و أعباءها المالية والسياسية والعسكرية… لأن أولويات الصين لازالت محلية بدرجة أولى ثم إقليمية بدرجة ثانية، لذلك من يراهن على الصين كبديل للولايات المتحدة عليه أن يتعامل بحذر مع هذا الطموح، فالصين لن تدخل في صراع مع أمريكا على المدى المتوسط، ومن يعتقد عكس ذلك، فهو لايدرك جيدا عقلية القيادة  الصينية و حجم التحديات التي لازالت تواجه الصين …

فالصين قوة صاعدة هذا أمر لا يحتاج للكثير من الجدل، فبيوت أغلب سكان الأرض تتضمن سلع و منتجات صينية الصنع، و عملية الترويج للثقافة و اللغة الصينية تتم على قدم و ساق في أغلب المدن الكبرى عبر العالم، فالقوة الاقتصادية سينتج عنها بالتبعية قوة سياسية، و الهيمنة الاقتصادية تحتاج لقوة ناعمة تسهل عملية الانتشار ، نعم الصراع الصيني-الأمريكي يخدم مصالح الكثير من البلدان الصاعدة، فمثلا يخدم مصالح تركيا و ماليزيا و أندونيسيا و هي بلدان إسلامية، كما يخدم مصالح الهند و هي دولة منافسة للصين…

و ما أريد قوله أنه لا ينبغي تكرار أخطاء الماضي، ففي بداية القرن الماضي تمت المراهنة على بريطانيا و فرنسا لكسر شوكة الامبراطورية العثمانية و هيمنتها على العالم العربي فماذا كانت النتيجة؟ و لإخراج المحتل البريطاني و الفرنسي تمت المراهنة على القوة الأمريكية الصاعدة، و من الحجج التي تم اعتمادها حينئد، أن أمريكا ليس لها تاريخ إستعماري، و عندما صعد نجم الاتحاد السوفيتي إرتمى البعض في حضنه للخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية أو بغرض ابتراز أمريكا..فكانت النتيجة اغتصاب فلسطين بتأييد من القوتين المعظمتين و تدمير العراق بتوافق بين أمريكا و روسيا، و نفس الأمر يتكرر في ليبيا و اليمن و سوريا.. و كما قال “جورج سانتايانا ” :” هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بإعادته”..

 لا نريد تكرار نفس الرهان الخاطئ، أو تبني مسكنات جديدة للالتفاف على مكامن الداء، فالوطن العربي من الرباط إلى المنامة في حاجة إلى تغيير ديموقراطي و التأسيس لحكم  صالح قادر على حماية مصالح البلدان و الشعوب و إخراج الأمة من حالة الوهن و الغثائية المذلة..أما المراهنه على الصراع الصيني – الأمريكي، غير ذي أهمية لأغلب بلداننا العربية، لأني على قناعة بالحكمة القائلة “ليس بين القنافذ أملس”،لكن من المفيد الاستفادة من التجربة النهضوية الصينية و كيف تمكنت من استغلال الظرفية الدولية لتحقيق صعودها و نموها، و كيف استفادة من الهزائم التي لحقت بها عند مطلع القرن الماضي، و قد أوضحت ذلك في أكثر من مقال، فصعود الصين مهم للشعوب العربية من زاوية  كيف تمكنت هذه البلاد  الانتقال من الوهن إلى القوة ، فقد تعرضت للإهانة من قبل القوى الكبرى عند نهاية القرن 19 و مطلع القرن 20 و التي تعرف في الصين بعقود الإذلال …

فمنذ فترة و أنا أحاول توجيه إهتمام  القراء و الطلاب إلى ضرورة الإطلاع على التجربة التنموية الصينية، و غايتي من هذا التأكيد و الإلحاح المستمر ، ليس الاعجاب بالتجربة التنموية الصينية، و إنما تشابه الظروف التاريخية و الحضارية بين الصين و عالمنا العربي، و مما يعمق من أهمية التجربة هو قدرتها على تجاوز الكثير من العقبات و التحديات الداخلية و الخارجية، و تحويلها إلى فرص تنموية، و نقل البلاد من حالة الضعف و الوهن، الى بلد يملك من القدرات و الإمكانيات ما يؤهله للتأثير في حياة أغلب سكان الأرض، و قد رأينا كيف أن توقف الانتاج بالمصانع الصينية مع تفشي “فيروس كورونا المستجد” أربك سلاسل الانتاج في العديد من البلدان، و توقف الصادرات من الصين أدى إلى شح و غلاء الكثير من السلع بأسواق أغلب الدول ..

فالصين التي تغزو العالم اليوم بسلعها و رؤوس أموالها و خبراءها ،  كانت عند مطلع القرن العشرين عشرات الأقاليم المفككة يحكمها أمراء الحرب. وبذلك، لم تصبح مطمعا لليابان فقط، لكنها كانت مشاعا تنافست عليه الدول،  ومنذ أن أدركت ثورة الصين الأولى والثانية خلال مطلع القرن الماضي، أن قوتها في وحدة الصين، وأنها بمقدار ما تشد إليها هذه الوحدة تستطيع زعزعة الاستعمار واقتلاع جذوره، ونتيجة لذلك، شكلت وحدة البلاد البرنامج السياسي، الذي توحدت عنده مختلف التيارات السياسية باختلاف توجهاتها الأيديولوجية.

و نحن عندما نتابع واقع العالمين العربي و الإسلامي،و نقارنه بموقف الصين تجاه جيرانها و سعيها لتشبيك علاقاتها بدول الجوار و تطبيع علاقاتها مع اليابان التي إحتلت الصين و عرضتها للإهانة، ندرك أن واقعنا المشبع بالإذلال و الإهانة تجسيد للمثل الشائع ” أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأسود..” ذلك أن تفريط البلاد العربية في أمن بعضها البعض، و تحالفها مع قوى أجنبية ضد بني جلدتها جعلها مجالا مفتوحا لكل أشكال الابتزاز، كما أن اعتماد النظم الحاكمة على المظلة الخارجية للبقاء في كراسي الحكم و معاداتها لشعوبها، جعل موقف هذه الأنظمة ضعيفا من ناحيتين:

أولا- فهي أنظمة عارية من كل شرعية، لذلك لا تستطيع مواجهة الأجنبي الذي يدرك افتقارها لحاضنة شعبية تحميها ضد ابتزازت “ترامب” و “بوش” و “بوتين” و “نتنياهو” و ابتزازات “بايدن” مستقبلا…

ثانيا- أنها فاقدة للإرادة فهي لا تستطيع العودة لشعوبها، فالشعوب فقدت الثقة في هذه الأنظمة و تنتظر لحظة زوالها بفارغ الصبر..

ومن دون شك، أن الوضع الحالي للمنطقة العربية جد معقد و أن حجم التهديدات يتسع، لكن مع ذلك هناك بدائل تدعو إلى التفاؤل، إن قوة المنطقة اليوم ليس فيما تملكه من أسلحة.. فمهما يكن حجم هذه الأسلحة فهو لن يضاهي ما تتوفر عليه القوى العظمى. لكن قوتها – المنطقة العربية – تكمن في إرادة الشعوب و ثباتها  العقائدي، فشعوب المنطقة رغم حالة التجهيل و التفقير الممارس عليها من قبل أنظمة غاشمة تحظى بغطاء أجنبي .. إلا أن هذه  الشعوب لازالت تؤمن بأحقيتها في تقرير مصيرها ، فالجميع يتذكر ما فعله الشعب الصومالي و اللبناني  بالجيش الأمريكي ، و ما فعلته الفلوجة و المقاومة العراقية في جيش الاحتلال الأمريكي و حلفاءه، و كيف نجحت غزة المحاصرة في كسر شوكة الطغيان الصهيوني..و كيف انتفض الشعب المصري و التونسي و السوداني و الجزائري و اليمني و العراقي، من أجل التغيير و الخروج من دائرة التخلف و التهميش و التبعية المذلة للأجنبي ..صحيح أن التغيير المنشود لم يكتمل بعد بفعل تكالب قوى محلية ودولية رافضة للدمقرطة، إلا أن حركة التغيير ستنجح في تحقيق أهدافها، لأن نقطة ضعف المنطقة في أنظمتها الحاكمة المتهالكة، العاجزة عن بناء أي قوة ذاتية باستقلال عن الوصاية الأمريكية أو الأجنبية عامة..

نود حقيقة أن تخرج المجتمعات العربية و الإسلامية من حالة الوهن الراهن، وان تصبح سيدة قرارها داخليا و خارجيا، قد يبدو هذا الأمر بعيد المنال في ظل الوضع الراهن، لكن ليس هناك مستحيل أمام إرادة الشعوب. فالتحدي أصبح بين أيدي الشعوب التي بإمكانها تغيير قواعد اللعبة محليا و دوليا، ف “ترامب” و”أوباما” و “بوش”و “بايدن” تختلف الأسماء لكن تستمر نفس السياسات ..التحدي الذي يواجه المنطقة هو تحصين الجبهة الداخلية وتحرير الإرادة الشعبية وبناء نظم اقتصادية وسياسية و اجتماعية عادلة و معبرة عن إرادة الناس، و نبذ الفرقة المصطنعة بين الشعوب العربية والإسلامية ففي الوحدة و التكتل الاقتصادي و العسكري قوة، و بمثل هذا المجهود الجمعي يمكن بناء عناصر القوة التي بمقدورها وقف كل قوة معادية

فمصالح بلدان الاقليم هو خلق بيئة سلمية على امتداد الإقليم العربي و الإسلامي ، و تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي و مكافحة الفقر و التهميش، بدلا من إنفاق ملايير الدولارات من أموال هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، من أجل تكديس أسلحة ، نعلم جميعا أنها لن تحقق الأمن و السلم …فالتحدي هو الاعتراف بالواقع البئيس الذي تمر به المنطقة، وان هذا الواقع هو نتاج للاستبداد وتغييب إرادة الشعوب، ومن تمت التخلي عن شعارات الحرب الطائفية و البحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب و الدول و ما أكثرها، مصلحة العالم العربي في تعدد مراكز القوى و توسيع دائرة الحلفاء و في مقدمة هؤلاء الاستفادة من صعود تركيا و إيران و أندونيسيا و ماليزيا ، و العدو الأساسي هو الحلف الصهيوني -المسيحي الذي يشن منذ عقدين حربا صليبية جديدة على العالم العربي و الإسلامي ذهب ضحيتها أكثرمن 10 مليون مسلم، مع العلم أن الحملات الصليبية السابقة لم يتعدى ضحاياها من المسلمين حوالي 100 ألف مسلم بحسب دراسة يابانية…

لذلك، نوجه عناية شعوب المنطقة إلى ضرورة الاستفادة من الدرس الأسيوي،و كيف تمكنت بلدان جنوب و شرق أسيا و المحيط الهادئ من تجاوز أحقاد الماضي و التحالف و التعاون من أجل بناء مستقبل أفضل لشعوب المنطقة الذي فضل منطق التقارب و التعاون و التكامل، بدلا من الخضوع للنزعة العسكرية الأمريكية… و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

 أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. لك خالص تحياتي وتقديري دكتور طارق .
    عندي سؤالين :
    ١- هل عندك مؤلفات ؟
    ٢- ماهي الكتب التي توصينا بقرائتها – عربية أو مترجمة – عن نهضة الصين الحديثة ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here