د. طارق ليساوي: العالم العربي وتوالي السنوات العجاف

tarek-lisawi.jpg77

د. طارق ليساوي

في يوم ٢٠ فبراير ( شباط) من الشهر الجاري، تحل الذكرى السادسة للاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت مدن المملكة المغربية في ٢٠ فبراير ٢٠١١، على غرار باقي ثورات الربيع العربي. و نحن نخلد ذكرى هذه الاحتجاجات و دورها في لملمة الأوضاع السياسية، و الاجتماعية و الاقتصادية في المغرب خاصة و بلدان الربيع عامة، نطرح سؤالا محوريا ما الذي تغير بعد مرور ٦ سنوات؟ و هل انتقلنا إلى وضع أفضل أو انحدرنا إلى موقع سحيق ؟

و حتى يكون تحليلنا موضوعيا فإنني لا أدعي أن هذا المقال سيشمل البلاد العربية ككل و لكن سنحاول التركيز على المغرب بالدرجة الأولى، ولا يمنعنا ذلك من التعميم على باقي البلاد العربية بحكم تشابه العلل و تقارب وصفات العلاج …

و بالعودة إلى سؤالنا ماذا تغير بعد ٦ سنوات ؟ ، نقول بشكل عام أن التغيير كان نسبي، و شكلي أكثر مما هو حقيقي و جوهري. فبعد ٦ سنوات و ما أعقب هذه الاحتجاجات من خطاب سياسي إصلاحي ، نجد اليوم أن ما تحقق لم يكن إلا حبرا على ورق،  صياغة جميلة للنصوص و لكن تطبيق سيء لمضمونها…

فالشعارات التي حملتها هذه الاحتجاجات الحضارية  تم الالتفاف عليها : فشعارات “دولة الحق و القانون” و “حرية الرأي” و ربط المسؤولية بالمساءلة” و “فصل السلطان عن التجارة” و ” فصل السلط” و ” محاسبة ناهبي المال العام “…  لم يتحقق منها شئ في الواقع، و إن كان دستور ٢٠١١ قد تبنى بعضا من هذه الشعارات في ديباجته.. .

المشكل الذي يعاني منه المغرب و معه باقي العالم العربي ليس غياب النصوص القانونية الجيدة، بل هو إرادة التنفيذ الحر و النزيه للقوانين، فيكفي أن هذه الأمة تتوفر على وحي لم تمسسه أيادي التحريف “القران” و “السنة”،  فالاحتكام لهذين المصدرين لوحدهما قد يغني عن غياب أي وثيقة دستورية إن افترضنا جدلا عدم وجودها…

فبعد ٦ سنوات لازالت الدولة المغربية تكبل الأقلام الحرة و تضيق على الحريات العامة ، فالتدخلات العنيفة ضد الأساتذة المتدربين و الأطباء لم تتوقف طيلة الفترة السابقة ، و مواجهة المحتجين بشمال المملكة من قبل قوى الأمن شابته العديد من الخروقات التي تخالف المبادئ الدستورية المحصنة   لحق الاحتجاج السلمي .

بل إن الحكومة التي انبثقت عن دستور ٢٠١١ لم تسلم من المضايقات، و خطابات رئيسها السيد ” بنكيران” أصبحت متداولة بشكل فكاهي بين عموم الشعب و خاصة مقولته الشهيرة  ” العفاريت و التماسيح”، لكن هذه العبارة تعبر عن وجود جيوب مقاومة ترفض الانصياع لمطالب عموم الشعب، و لعل عجزه في تشكيل حكومته الثانية بعد مرور أزيد من ثلاثة أشهر على انتخابات ٧ أكتوبر دليل على قوة و صلابة و مقاومة ما سماه سابقا ب”العفاريت و التماسيح “، و إن كان في حكومته الأولى قد خدم مصالحها عبر عبارته الشهيرة ” عفا الله عما سلف” ،و هي العبارة التي أسقطت أحد أهم شعارات احتجاجات ٢٠ فبراير و هي محاسبة المسئولين عن نهب المال العام و تفقير الشعب …بل إن الحزب الحاكم إبان انطلاق احتجاجات 20 فبراير أصبح بعض قياداته غير مرغوب فيهم لأنهم عبروا عن رأي و موقف  سياسي… ، وقد أعلنت بعض وسائل الإعلام نقلا عن مصادر في حزب الاستقلال أن هناك دعوة لكوادر الحزب للمشاركة في إحياء الذكرى السادسة لانطلاق احتجاجات ٢٠ فبراير ” … فالاستبداد السياسي يأكل أبناءه و خدامه…

نأسف حقيقة لتضييع فرصة الانتقال الديمقراطي السلمي و الأمن ، فتردي الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و تنامي الخروقات في مجال حقوق الإنسان، و إنفاذ القانون، و تغول بعض الجهات السيادية في الدولة ، كلها أمور تنذر بغد أسود لا قدر الله.

فحجم البطالة في أوساط الشباب ارتفعت بشكل مهول ، و مستوى التربية و التعليم انحدر للقاع ، و التنمية الاقتصادية لا يراها الشعب إلا في قنوات القطب العمومي ، بل حتى تحركات تدشين المشاريع داخل المغرب، أصبح المغاربة يشاهدون بثها عبر الأقمار الصناعية تتم في أعماق القارة الإفريقية، كما لو أن المغرب أصبح من الدول ٢٠ التي تتحكم في الاقتصاد العالمي…

للأسف فمؤشرات التنمية البشرية المستقاة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و البنك الدولي تقر بأن ترتيب المغرب لا يراوح مكانه…على خلاف العديد البلدان التي استطاعت في العشرية الأخيرة تحسين أداءها التنموي و رفع مستوى معيشة أغلب مواطنيها…

إن تراكم الإخفاقات في المجال التنموي، و تبني مفهوم الدولة القمعية يعرض البلاد و العباد إلى مخاطر لا تحمد عقباها… بصدق لا يعلم مجموع المغاربة ما الغرض من إعاقة الإصلاحات التي تبنتها الدولة ذاتها، فالكل يذكر خطاب 9 مارس 2011 و الذي أعلن فيه العاهل المغربي عن الاستجابة لمطالب المحتجين، و أعتبر هذا الموقف في حينه موقفا حكيما و حظي بتأييد واسع بالعالم العربي و المنتظم الدولي، لكن الممارسة العملية أثبت أن تلك الوعود لم تجد طريقها لأرض الواقع، لتصبح فعلا سياسيا ملموسا يمتد تأثيره الايجابي لرجل الشارع ..

ينبغي تبني قراءة نقدية لما تحقق، فالدولة العميقة في المغرب تعتقد أنها نجحت في إطفاء شعلة الاحتجاجات، والواقع أن ما سردناه من مؤشرات لن يقود إلا لتوترات اجتماعية و سياسية يصعب التحكم في أثارها…

فمن يعتقد أن الظروف الدولية مواتية لتبني سياسات استبدادية أو تتنكر للمبادئ الكونية، فهو واهم … فالشعوب العربية عرفت طريقها نحو الحرية والتحرر منذ أن نجحت في  الإطاحة بنظام ” زين العابدين ” و “مبارك” و “القدافي”…، صحيح أن الثورات المضادة و الدولة العميقة تصدرت المشهد مجددا و أصبحت الفوضى العنوان الأبرز للمشهد العام في معظم هذه البلاد، إلا أن القراءة الفاحصة لتاريخ الثورات يفيد بأن ما يحدث في العالم العربي و حركة المد و الجزر بين الشعوب و حكامها  ليس هو الفصل الختامي لقصة التحرر و الدمقرطة …

 ففصول القصة لم تنتهي بعد و كما يقال “الحرب سجال”، فالشعوب العربية شعوب فتية و منفتحة على العالم الخارجي، و في ظل النمط الحضاري الحالي القائم على تمجيد  ثقافة الاستهلاك و توسيع نطاق الفردانية لن تعرف البلدان العربية  الاستقرار على المدى المتوسط و ستتمر رحلة السنوات العجاف و ما يصاحبها من ضياع للفرص و الإمكانات، إلا إذا تم بالفعل الاستجابة إلى مطالب الشعوب  قبل خروجها إلى الشارع…و الله غالب على أمره …

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here