د. طارق ليساوي: العالم العربي في نهاية 2018 مطلع العام الجديد، ملامح للإنفراج أو موجة جديدة من الأزمات؟

د. طارق ليساوي

يودع العالم و معه العرب و المسلمين عام 2018 و يستقبلون عاما جديدا، وتشاء الصدف أن يكون الربع الأخير من 2018 حبلى بالأحداث و الوقائع ذات الأثر العظيم على مستقبل العالم العربي، و أيضا القوى الدولية المتصارعة على الهيمنة و بسط النفوذ على هذه البقعة الجغرافية و القوس الحيوي للعالم، و لعل أبرز حدث هو مقتل جمال خاشقجي بتلك الطريقة الوحشية التي أصبح الصغير قبل الكبير يعلمها، و الضجة الدولية التي أثارها هذا الجرم الوحشي، و ماصاحب ذلك، من ضغوط على النظام السعودي، الذي إنكشفت عيوبه و ظهرت سَوْءاتُه للعلن، و أبرز ما في ذلك خيانته للشعب السعودي و لقضايا الأمة و في مقدمتها قضية فلسطين و القدس…

فالسعودية قبل مقتل خاشقجي ليست هي بعدها، و النظام في ورطة لم و لن ينفذ منها بسهولة كما يظن صناع القرار في السعودية، فزمن الحلب و الحصار و المضايقات قادم، لكن على الرغم من شناعة  هذا الجرم ، إلا أن ما يحدث في اليمن من تجويع و قتل للمدنيين أكثر جرما من قتل خاشقجي، والسعودية و الإمارات تتحمل كامل المسؤولية فيما ألت إليه الأوضاع في هذا البلد العزيز ، و لولا جريمة “خاشقجي” لما إنتبه الإعلام والضمير العالمي لجرائم السعودية باليمن..و في الوقت الذي إرتفعت فيه الأصوات المطالبة بكشف الحقيقة و القصاص من قتلة خاشقجي أصبح الجميع يتذكر اليمن الجريح، وقد أسفرت هذه الجهود عن تغيير في لهجة الغرب و التحالف العربي ..و  لقاء المصالحة بين أطراف النزاع في اليمن خلال الأيام الماضية بداية الغيث و نتمنى أن تكون سنة 2019 نهاية لمعاناة شعب اليمن…

و بالقدر ذاته شهد الربع الأخير من عام 2018 تحولا عميقا في المشهد السوري ، فميزان القوة مال للنظام السوري و إنتصرت روسيا و إيران في فرض أجندتها بالقطر السوري، فشهدنا إنسحاب القوات الأمريكية من سوريا بشكل مفاجئ، و دخلت قوات النظام منبج  أحد أهم معاقل المعارضة الكردية..و صاحب الإنسحاب الأمريكي من سوريا تهافت البعثات الدبلوماسية على سوريا، فقد استأنفت السودان علاقاتها مع سوريا و تبعثها الإمارات و القادم من الأيام يحمل مزيدا من التطبيع مع النظام السوري، و في ذلك إستهتار بدماء و حقوق ملايين السوريين الذين تعرضوا للتهجير و القتل في لعبة دولية قذرة، كان الخاسر الأكبر فيها سوريا بلدا وشعبا، لكن من المؤكد أن سوريا ستخرج من نفقها المسدود و سنة 2019 ستكون مرحلة توافق و مصالحة بين الفرقاء، لكن ينبغي أيضا كشف الحقيقة عن ما حدث بما في ذلك كشف الدور الخبيث الذي لعبته بعض بلدان الخليج…

و عمليا ما كان لهذا التحول أن يحدث في سوريا لولا حدوث توافق بين إيران و تركيا و روسيا حول مستقبل سوريا و أمنها ، فتوجه تركيا بإتجاه إيران و روسيا و إبتعادها عن أمريكا لعب دورا بارزا في تغيير توازن القوى بالداخل السوري..و لعل في ذلك درسا ينبغي أخده بعين الإعتبار في صياغة أمن و إستقرار الإقليم ككل..

فالعالم العربي في الوقت الراهن شبه فارغ من قوة وطنية و شرعية لها رؤية ومشروع وطني وحدوي و تنموي، فجل النظم القائمة بالمنطقة العربية، أنظمة فاشلة و عاجزة و طُفيلية – وظيفية   تخدم مصالح الغير، وحالة الفراغ في الإقليم و مكانته الإستراتيجة في خريطة السياسة الدولية، و توزيع القوة دوليا و إقليميا جعله مسرحا للتنافس، و أهم اللاعبيين الجدد إيران و تركيا، و بنظرنا فإن إستقرار المنطقة و أمنها و خروجها من بؤرة الهيمنة و الإحتلال الأجنبي مرتبط بوجود أنظمة عربية وطنية لها قدر من الشرعية و تتوفر على مشروع وطني /قومي، و إرادة سياسية لتحقيق النهضة و التعايش و التعاون الإقليمي، و هذا النظام العربي في حاجة إلى إيجاد صيغة تفاهم و تعاون مع تركيا و إيران، فطرد القوى الغربية والدولية من العالم العربي خاصة و الإسلامي عامة، وتحديدا منطقة الشرق الأوسط لن يتم إلا بتفاهم ثلاثي بين تركيا و إيران و العرب، و نقطة الضعف في هذا المثلث العالم العربي، الذي يعاني الوهن بالرغم من توافر كل عناصر القوة والقدرة لكن تغيب الإرادة والرؤية، و تبعا لذلك فإن إيران و معها تركيا تحاولان توسيع نفوذهما في المنطقة وتقوية عمقهما الاستراتيجي خدمة لمصالحهم الحيوية و لتحقيق مزايا في مواجهة القوى العظمى و في مقدمتها أمريكا و روسيا …

و على العموم فإن خروج العالم العربي من وضعه المأزوم أمر لا زال ممكنا و متاحا و ميسرا، فالعالم العربي ليس في حاجة إلى إختراع العجلة مجددا، و كل ما عليه هو الإستفادة مما أتاحه الإنفجار المعرفي و التقدم الإنساني ، و إتباع ذات  المنهجية التي سلكتها القوى الدولية والإقليمية والسعي إلى ما تسعى إليه باقي دول العالم ذات الطموح، فالدول القوية تهدف بالمجمل إلى تحقيق جملة أهداف أهمها :

أولا- تحقيق تنمية إقتصادية سليمة وخلق إقتصاد متوازن يقوم على ثلاث دعائم الزراعة، الصناعة الخدمات، و العمل على تأسيس مؤسسات إقتصادية تنافسية، و التوجه نحو التصنيع بدلا التأسيس لإقتصاديات الريع القائمة على الأنشطة الطفيلية و المضاربة والوساطة و إنتاج المواد الخام و تصدير اليد العاملة منخفضة الكلفة..

ثانيا- توزيع ثمار التنمية بين أغلبية الناس فتحقيق العدالة الإجتماعية مطلب لابد منه ، و أحد أهم الركائز لتحقيق الأمن و الإستقرار و غياب هذا العنصر سبب رئيس فيما نراه من حالة لا إستقرار…فتحقيق الأمن الإنساني يمر عبر تحقيق العدالة في توزيع الثروات و ثمار النمو ..

ثالثا- تحقيق الأهداف السابقة لن يتحقق إلا بوجود حكومات مركزية قوية تعبر عن إرادة الأغلبية، و بيروقراطية ذات فعالية و كفاءة في التخطيط و التنفيذ و الإنجاز،هذا إلى جانب التأسيس لقوات مسلحة مهنية ووطنية غايتها حماية الوطن و مجهود التنمية في مواجهة التهديد الأجنبي…

رابعا- الإستثمار الجاد و الكثيف في العلم و المعرفة و تشجيع الإبتكار بغرض إيجاد موقع قدم في الصناعات الجديدة، و توسيع خيارات الناس السياسية والإقتصادية والإجتماعية، فجزء كبير من معاناة العالم العربي يمكن التغلب عليها بالعلم و المعرفة، و توسيع مجال حرية الفكر ورفع القيود عن الحق في التعبير و إبداء الرأي و القبول بالإختلاف..

فهذه المحاور هي الأجندة التي لابد للعالم العربي أن يضعها نصب عينيه لتجاوز إختلالاته و علله، و ليس في ذلك جديد فمعظم دول العالم المتقدم تبنت هذا النهج، فكل ما ينقص العالم العربي للسير على طريق التنمية والإستقرار هو توافر الإرادة و الرؤية، أما الموارد و الإمكانات فهي متوفرة لكن في غياب الإرادة والإدارة الفعالة تصبح مواردنا وقدراتنا بيد غيرنا و تُوَظَف لتأمين تخلفنا و عجزنا المزمن ..والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. استاذنا العزيز
    بوجود دولة الاحتلال الصهيوني وتدخلها في الدول العربية ونشر الفتنة والتخلف فيها وبغياب مشاركة شعبية من خلال موءسسات في جميع المجالات لخدمة الوطن وحب الوطن وطرد اعوان الاحتلال من البلاد العربية والاستقلال الحقيقي
    ولكل حادث حديث
    الحق يأخذ ولا يعطى
    اذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here