د. طارق ليساوي: الصين أكبر المتضررين من انهيار النظام الاقتصادي و المالي العالمي لأنه سيحد من مكاسبها الاقتصادية والتجارية.. وجهودها لمساعدة البلدان المتضررة من وباء “كورونا” هدفه بالأساس ضمان إستمرارية الوضع القائم

 

 

د. طارق ليساوي

في مقال الأمس “هل سيشهد العالم “خطة مارشال” صينية لدعم و مساندة البلدان المنكوبة” تم التأكيد فيه على أن “ما يفيد الصين و غيرها من شعوب الأرض هو البحث عن أدوات و أليات فعالة لوقف الوباء، و منع انتشاره كمرحلة أولى، ووقف الإنهيارات المالية و الاقتصادية التي ستحدث في مختلف بلدان العالم كمرحلة ثانية…أما محاولة البحث عن مرتكب الجريمة في اللحظة الراهنة فلا فائدة منه، فأمريكا المتهم الأول تبعا للرواية الصينية، تعاني بدورها من تفشي الوباء، و يحصد كل يوم عشرات الضحايا، و الخسائر الاقتصادية أصبحت خارج السيطرة،  و انتخاب “ترامب” لولاية ثانية، أصبح معلقا بالانتصار على الوباء و منع الكساد الاقتصادي..و حتى و إن تمكنت إدارته من محاصرة الوباء، إلا أنها لن تتمكن من التحكم في أثار الوباء الاقتصادي و الكساد الكبير الذي ستعيشه أمريكا و العالم “…

و على الرغم، من أننا لا نريد أن نعمق  مخاوف الناس، لكن مهمة الإعلام، و أهل الفكر و النخب التنبيه إلى المخاطر القادمة، فالتعتيم و محاولة إخفاء الحقائق على عموم الناس، سلبياتها أكثر من إيجابياتها، فقد رأينا في المقال السابق كيف لعب التعتيم على إنتشار الفيروس في “ووهان” دورا في تفشي الوباء في الصين ثم باقي أرجاء الأرض.. مع أن مجموعة من الأطباء في مستشفى “ووهان” قد نبهوا في الأيام الأولى ظهور مرض مجهول الهوية، و قد سردنا لكم  قصة  الطبيب الصيني “لي وينليانغ” الذي توفي جراء الإصابة ب”فيروس كورونا “، بعد أن كان أول من حذر من انتشار الفيروس، وقد هددته الشرطة حينها ليصمت، وتعكس قصته صورة صادمة للطريقة التي تعاملت بها السلطات المحلية في “ووهان” مع تفشي الفيروس في أسابيعه الأولى…

و بنظرنا، فإن خطورة الوباء لا تكمن في تهديده للصحة العامة و لأرواح البشر، فمهما إتسعت دائرة الوباء فيمكن التحكم فيها ، عبر أليات الحجر ومختلف الإجراءات الاحترازية التي تمنع انتقال العدوى، و أيضا عبر ألية العلاج و توفير المساعدة الطبية للمصابين، لكن خطورة الوباء تكمن في الآثار السلبية المصاحبة له،فالخسائر الاقتصادية من جراء توقف عجلة الإنتاج، و غلق الحدود ووقف حركة السفر، حركة رؤوس الأموال و السلع، وتعطل الملاحة الجوية و البحرية، وبالتالي التأثير على تدفق التجارة الدولية، و تأثر الأسواق المالية بحالة الخوف و الهلع التي خلقها الوباء، خاصة وأن الصورة قاتمة…

وعلى الرغم، من إعلان العديد من البلدان عن إتخاد سلسلة من الإجراءات و التدابير المستعجلة لدعم الشركات و ضخ السيولة المالية لوقف نزيف أسواق المال و دعم مؤشرات البورصات، إلا أن هذه الجهود لم تنجح في وقف الانهيار ، بل على العكس تزيد من دورة الأزمات الأنية و المستقبلية، فالجهود الحكومية في مثل هذه الظروف ينبغي أن تتعامل بموضوعية و صرامة مع الإعانات و التسهيلات المالية –تحديدا-  الموجهة للشركات و المؤسسات المختلفة، و ذلك لمنع تكرار ما حصل في الأزمة المالية لعام 2008، حيث أن القلة هي التي تمكنت من الاستحواذ على القسط الأكبر من الأموال العمومية، أما الغالبية فلم تستفد بالقدر العادل و الكافي..

و في هذا السياق علينا توقع تغييرات حادة في النظام الاقتصادي العالمي، فأزمة “كورونا” لن تكون مجرد أزمة صحية طارئة، بل  ستعقبها تغييرات شاملة في البيئة الدولية، و هذه التغييرات، ستشمل حتى النظم السياسية السائدة و أدوار الدولة، و الحكم على الأمور بشكل موضوعي يقتضي تجاوز الخطر الصحي، و لا أعتقد أن الشعوب و القوى الحية بالمجتمعات الديموقراطية تحديدا، ستتساهل مع ما حدث، فعجز الأنظمة الصحية ونظم الطوارئ في التعامل مع تفشي الوباء، و توقع إنتقاله مبكرا، من الصين إلى أوروبا و باقي الديمقراطيات الغربية تحديدا، سيكون محل بحث و نقاش عام و مساءلة للسلطات العمومية من قبل البرلمانات ووسائل الإعلام و عموم الأكاديمين والباحثين.. بل سنشهد تحولا عميقا في أدوار الدولة في المستقبل، و التخلي عن النهج النيوليبرالي، الذي تأسس على مبدأ الحد من تدخل الدولة، و تقليص الانفاق العمومي على السلع العمومية ، و العودة تدريجيا إلى الدولة المتدخلة و لعل تصريح وزير مالية فرنسا و تلويحه بإمكانية اللجوء للتأميم ليس مجرد زلة لسان أو خيار للإنقاذ بعض المؤسسات الحيوية، بل هو التوجه العام الذي ستشهده العديد من البلدان في الشهور القادمة  …

و الظرفية الحالية الحبلى بالمخاوف و التطورات و الأحداث السلبية، لاتساعد على تحديد مسار المستقبل إقتصاديا و سياسيا، و محليا و دوليا، فمن المؤكد أن أولوية الأولويات في الوقت الراهن السيطرة على تفشي الوباء، و إعتماد تدابير مستعجلة تخدم هذا الهدف، و تحمي سلاسل الانتاج و التوريد القائمة لضمان تزويد العامة بما يحتاجونه من مواد أساسية للغداء و العلاج و غيرها من الأساسيات، كما ينبغي توجيه الموارد العمومية للحد من الفقر و دعم الطلب لدى الأسر عموما ، و خاصة التي تعاني ضعف او إنعدام الدخل، لأن دعم الطلب العام للأسر هو المدخل الأساسي لدعم المؤسسات الإنتاجية و الخدمية ، و منعها من الانهيار..

كما أنه  لا ينبغي أن  ننظر إلى ما يحدث في أوروبا حاليا أو أمريكا على أنه مؤشر لصعود الصين، أو تفوقها الكاسح في مواجهة الفيروس، فمن الخطأ إخفاء الحقائق ، فالصين شهدت تخبطا مماثلا في بداية ظهور الفيروس و علينا الرجوع إلى كتابات و انتقادات العديد من الأكاديميين الصينين، الذين إنتقدوا منذ البداية أداء القيادة الصينية، و لعل الأمر الذي ساعد و دفع إلى تغيير موقف الحكومة الصينية،  الإعلام الدولي الذي لعب دورا بالغ الاهمية في إحراج القيادة الصينية، ودفعها إلى إتخاذ تدابير حازمة و تعميم المعلومات، كما انها لم  تتمكن من محاصرته إلا بعد توفرها على المعلومات الكافية عن طبيعة الفيروس، و كيفية إنتقاله و تمدده..

كما أن  جهود الصين  لمساعدة البلدان المتضررة لا ينبغي إعتبارها مؤشر على صعود الصين، فالصين بدورها تلقت معونات و مساعدات من مختلف بلدان العالم بما فيها البلدان العربية، فهل هذا مؤشر على صعود هذه البلدان..و موقفنا هذا نابع مما نراه و نسمعه من بعض المحللين، الذين اعتبروا أن مساعدات الصين لبلدان العالم  كإيطاليا و غيرها هو هزيمة لأمريكا و مؤشر على إنهيار البلدان الغربية،و  الولايات المتحدة الأمريكية، نعم الأزمة طارئة و مفاجئة، و أغلب الحكومات حاولت الابتعاد قدر الإمكان عن إغلاق الحدود و الرحلات من و إلى الصين، خوفا من التأثيرات الاقتصادية لمثل هذا التوجه، كما أن تفشي الوباء بهذا الأسلوب هو نتاج لمسؤولية مشتركة من قبل حكومات البلدان المختلفة من جهة و بعثاتها الدبلوماسة و القنصلية بالصين التي تعاملت باستهتار مع الوضع في الصين منذ منتصف شهر يناير، و أيضا مسؤولية الصين التي بدورها أخفت المرض، و غلبت المصالح الاقتصادية …و تبعا لذلك، إستمرت في فتح حدودها للقادمين و المغادرين، و كانت النتيجة إنتقال الوباء بصمت، فأصبحت أغلب البلدان تحتضن خلايا نائمة تتمدد و تتسع في صمت، لكن عندما تم اكتشافها كان الفيروس قد إنتشر بين المواطنين وفق متتالية هندسية..

من المؤكد أن العالم سيشهد تحولات جذرية، و مصدر هذا التحول سيكون من الدول الغربية و طبقتها المتوسطة، كما أن أغلب البلدان النامية بما فيها العربية و الاسلامية ستشهد تحولات عميقة و قلاقل اجتماعية ستسفر عن موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير، ولائحة البلدان المتضررة ستشمل الجميع و التحولات الهيكلية ستمتد للصين و إقتصادها..و مصلحة الصين على خلاف ما يعتقد الكثيرون، هو إستمرار النظام العالمي القائم بشقيه الاقتصادي و المالي، أما انهياره فإنه لا يخدم مصالحها على المدى المنظور، و قيادة أمريكا للنظام الدولي يفيد الصين أكثر مما يضرها، لأنها تجني الثمار دون تحمل تكاليف القيادة و أعباءها المالية والسياسية والعسكرية… فأولويات الصين محلية بدرجة أولى ثم إقليمية بدرجة ثانية، لذلك من يراهن على الصين كبديل للولايات المتحدة عليه أن يتعامل بحذر مع هذا الطموح، فالصين لن تدخل في صراع مع أمريكا، ومن يعتقد عكس ذلك، فهو لايدرك جيدا عقلية القيادة  الصينية و حجم التحديات التي لازالت تواجه الصين …

و في الختام، لا يسعنا إلا التوجه للمولى عز و جل بالدعاء و التوبة و الاستغفار، فذلك هو العلاج المتاح بين أيدينا، فعندما يعجز الإنسان و تغلق الأبواب و تنتهي الأسباب، لا يبقى إلا اللجوء لرب الناس ملك الناس، فهو القادر و حده على دفع البلاء و رفع الوباء عن البشرية جمعاء… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. شكرا لك دكتورعلى نهجك المدعوم بوقائع واثباتات عمليه ومنطقيه
    لا بأس لمن له رأي مغاير ان كان متخصصا ومدعوما بأثباتات مماثله

  2. الى فريد

    هذا الرجل متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق اسيوي .. ماشاء الله عليك ..هل انت متخصص في الحس الانساني والحضاري الذي يتمتع به الانسان الصيني تجاه الخفافيش والقطط
    والافاعي والضفادع..
    قريبا ستنقرض مملكة الحيوان بسبب الحس الانساني والحضاري الراقي للفرد الصيني .

  3. الى فريد:
    ما يقصده الاخ طارق بالإبقاء على الوضع القائم يقصد الوضع الاقتصادي وليس كما تصور حضرتك. نعم الصين تقوم بمساعدة المتضررين الاخرين من ناحية انسانية ايضا وهذا لا مجال لشك فيه

  4. ” فهو لايدرك جيدا عقلية القيادة الصينية و حجم التحديات التي لازالت تواجه الصين …” لو يتفضل الدكتور، بكتابة مقال آخر، حول عقلية القيادة الصينية، والتحدبات التي لا تزال تواجه الصين، فإن ذاك سيكون مفيدا جدا لكثير من القراء، ومنهم أنا…..مقالك هذا، والذي قبله، فيهما فائدة ، وتحليل ، وتفكير….أنت مشكور على كل ذلك

  5. جهودها لمساعدة البلدان المتضررة من وباء “كورونا” هدفه بالأساس ضمان إستمرارية الوضع القائم………. لا يا استاذ الدافع هو الحس الانساني والحضاري الذي يتمتع به الانسان الصيني.. لا تقس الاخرين بمقاييسك ومقاييس مجتمعك..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here