د. طارق ليساوي: الشعب الجزائري على خطى إسترداد سيادته الكاملة.. والتأسيس لجمهورية ثانية عنوانها الأكبر الكرامة والحرية ورفع العلم الفلسطيني في ليلة النصر أحد المؤشرات

د. طارق ليساوي

بعد نحو شهر ونيف من الإحتجاجات الشعبية في الجزائر، نجح الشعب في فرض إرادته وإسقاط العهدة الخامسة، بل ودفع الرئيس الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” إلى تقديم إسقالته عشية يوم 2 أذار/ أبريل 2019، وإخطار المجلس الدستوري بإرادته، ليبدأ بذلك مسار المرحلة الإنتقالية، فهنيئا للشعب الجزائري بهذا الإنجاز السياسي، وتحية له على رقيه الحضاري والفكري ، وإحتجاجاته السلمية، وبنفس القدر لا يسعنا إلا أن نحيي قوات الأمن والجيش الشعبي الجزائري على إحترامه إرادة الشعب وتفادي إستعمال القوة وإراقة دماء أبناء شعبه… وهو الأمر الذي خط لوحة نضالية وتضامنية رائعة تستحق التقدير والإحترام، وتحية أيضا للرئيس بوتفليقة الذي عبر عن مرونة إيجابية وكان سببا في تجنيب البلاد الإنزلاق لمصير أسود، وهوما على باقي الحكام العرب السير على خطاه فالتغيير قادم لا محالة، فالرجل سن سنة حسنة في زمن الدمار العربي والتكالب على السلطة والمناصب والمكاسب ، بتنحيه دون سفك دماء شعبه…

غير أن هذا النصر الجزئي والفرحة التي عمت الشارع الجزائري ينبغي التعامل معها بحيطة وحذر شديدين، خاصة وأن خطاب رئيس أركان الجيش الجزائري، وأيضا باقي القوى والهيئات السياسية المحسوبة على النظام، والتي ساهمت دون شك في رسم ملامح العقود الماضية… قد حاولت التودد للشعب وتوجيه سهام النقد لما تم تسميته ” بالعصابة” ، مع العلم أن من أطلق هذا الوصف شكلوا جزءا من هذه ” العصابة “، وكانوا إلى وقت قريب ضد تنحي الرئيس بل سببا في إستمراره في الحكم رغم مرضه الشديد والظاهر للعيان..

ولذلك، كان لزاما على الشعب الجزائري وقادة الحراك الشعبي التعامل بحذر والتنبه إلا أن يتم الركوب على الحراك المبارك، ومحاولة عسكرة الجزائر بدلا من الحرص على تحقيق، إنتقال سياسي كامل وإقامة حكم مدني ديموقراطي تعددي ..كما أننا ندعوقادة الحراك وعموم الشعب إلى ضرورة الإستفادة من التجربة المصرية التي تم فيها الإنقلاب على إرادة ثورة يناير 2011، وعدم الإكتفاء بإستقالة الرئيس ” عبد العزيز بوتفليقة” بل ضرورة التأكيد على مرحلة إنتقالية كاملة ، ونعني بذلك تشكيل هيئة تأسيسية منتخبة من عموم الشعب وتشارك فيها كل مكونات الشعب الجزائري ، وتتولى وضع دستور جديد للبلاد وصياغة خارطة طريق للمرحلة القادمة، مع الحرص على تغليب منطق الحوار والتعايش، وعدم تغليب منطق التعصب والإنقسام، وبدلا من الحرص على الإنتقام من رموز النظام القديم وحل الحزب الحاكم، ينبغي توفير هذا الجهد لصياغة مصالحة حقيقة دون أن يمنع ذلك من محاسبة المفسدين ودفعهم لإسترداد ما نهبوه، وهنا تحضرني تجربة جنوب إفريقيا، فقد كانت تجربة رائدة للإنتقال السلمي للسلطة وللمصالحة …

وبنفس القدر، ينبغي أن يستفيد الحراك الشعبي في الجزائر من الإنتكاسات التي تعرضت لها ثورات الربيع العربي، خاصة في سوريا وليبيا واليمن ومصر، وتشكيل جبهة موحدة بين مختلف القوى المدنية والسياسية، الإجتماعية والنقابية في البلاد، والإتفاق على خارطة طريق للمرحلة الحالية والقادمة..

لأجل هذا فإن ترك الشارع والإحتجاج ينبغي أن يكون مدروسا، ولا يمكن القبول بأي حال بمجرد هذه الإستقالة فهذه الخطوة غير كافية لتحقيق إنتقال حقيقي السلطة، لذلك، ندعوقادة الحراك إلى التحلي بالصبر والتسامح مع بعض تجاوزات الأجهزة الأمنية، وتفادي ردود الفعل الفورية والسريعة وغير المدروسة، كما ينبغي عدم الإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة وحمايتها من المندسيين وتعامل قادة الحراك بصرامة مع دعاة الشغب وتقديمهم للشرطة الجزائرية بعد التأكد من هويتهم، لأنهم في الغالب لهم علاقة بأجهزة الأمن بطريقة مباشرة أوغير مباشرة ، لأن النظام يحاول جاهدا جر الحراك إلى إستعمال العنف وبالتالي إتهام النشطاء بالإرهاب وهي الوصفة السحرية التي تتقنها الأنظمة العربية المستبدة والفاسدة..

فبنظرنا، أن النظام الجزائري في حالة إحتضار وعلى درجة من التفكك وتضارب المصالح، فالرئيس بوتفليقة منذ نحو6 سنوات شبه غائب عن إدارة شؤون البلاد فهومجرد واجهة تم إستغلالها للإستمرار في السيطرة على الحكم وإحتكار الثروة والسلطة ..وكل ذلك تم بدعم وتدخل المستعمر الفرنسي ، الذي لازال يحتكر ويستغل جزء كبير من ثروات الجزائر ، خاصة الغاز الطبيعي بحقل “أدرار” حيث أن فرنسا تستحوذ على نحو65٪ من المداخيل ويستمر هذا الإستحواذ إلى حدود 2040..

كما أن بلدان الخليج التي تتوفر على سيولة نقدية سوف تتدخل لإحباط تطلعات الشعب الجزائري ولن تتورع في تقديم الدعم اللوجيستي والأمني والمالي لإعادة إنتاج التجربة المصرية والليبية في الجزائر، بغرض وأد الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، والتي إنطلقت شرارتها من الجزائر والسودان…

 ويضاف إلى ذلك، أن الجزائر بلد غني بثرواته الطبيعية، خاصة الغاز الطبيعي والبترول، ودورها في تأثير على السوق الدولي مهم ، لا سيما مع استمرار القلاقل وحالة عدم الإستقرار في فنزويلا، وأيضا العقوبات المفروضة على إيران، فالقوى الدولية يهمها إستقرار الأوضاع في الجزائر لتأمين تدفق الطاقة إلى السوق الدولية بشكل سلس، وهوما سيدفع بعض القوى الدولية إلى التعبير عن دعمها لتطلعات الشعب شكليا، لكن في الجوهر فهي ستقدم كامل الدعم لمن يخدم مصالحها ولن تتورع في دعم بعض أركان النظام القديم ماديا ومعنويا بغرض ضمان السيطرة على موارد البلاد وقدراتها .. لكن هذا الدعم لن يثمر نتائج ملموسة، إذا ما إستطاع الحراك الشعبي أن يستمر في الزمان والمكان، وأن تتوجه الجهود إلى تنظيم عصيان مدني يستهدف شل اوالحد من حركة إنتاج وتصدير الطاقة، بغرض دفع المجتمع الدولي وخاصة القوى الدولية المهيمنة إلى تبني موقف الحياد وترك الشعب الجزائري يقرر مصيره ويحدد مساره ومستقبله السياسي والإجتماعي والإقتصادي بكامل الحرية …

وبنظرنا، فإن القيادة الحكيمة والمدروسة للحراك الشعبي في الجزائر، لها أهمية بالغة ليس للشعب الجزائري فقط، بل لباقي شعوب الإقليم المغاربي والعربي، والتي تنتظر نجاح هذه الحركة في إسقاط حكم العسكر، وما الرئيس “بوتفليقة” إلا واجهة يتم التمسك بها للإستمرار في نهب ثروات البلاد والعباد…

وقد قلنا في مقال سابق ” أن ترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة لن يستمر إذا إستمر الحراك الشعبي بنفس الوثيرة، وليس من المستبعد أن نسمع خبر وفاة الرجل نتيجة لتدهور حالته الصحية…فكما ضحى الجيش المصري بالرئيس “مبارك” في 2011 فمن الوارد أن يتكرر نفس السيناريوفي الجزائر، خاصة وان الرئيس بوتفليقة حالته الصحية لا تسمح له بالمناورة، وعائلته لن تستطيع مقاومة الضغوط من جهة باقي أطراف النظام، وأيضا في مواجهة الضغوط الشعبية والدولية..”

فالشعب الجزائري في طور تحقيق إستقلاله الحقيقي، فإزاحة نظام فرنسا من السلطة ، هوتحرير للبلاد وثرواتها من الطغمة الحاكمة، ومن الشركات الفرنسية ، لذلك فإن التحدي الكبير الذي يواجه الشعب الجزائري، ليس إطاحة الرئيس “بوتفليقة” فالرجل أيامه في الدنيا أصبحت معدودة بحكم تقدمه في العمر وتدهور حالته الصحية ، فالأمر أكبر وأعمق من ذلك، فالقضية تحرير ثروات البلاد من الهيمنة الفرنسية، وجعل القرار السياسي والإقتصادي قرارا وطنيا ، يخدم مصالح الوطن والمواطنين، والتأسيس لجمهورية ثانية عنوانها الحرية والكرامة والإستقلال التام…

وفي الختام، نتمنى لهذا الشعب العظيم أن ينجح في سعيه لإقامة نظام حكم ديموقراطي، مدني وتعددي، يعبر عن إرادة الناس ويحترم التنوع والتعددية التي تطبع المجتمع الجزائري، ولابد لتحقيق ذلك من تفادي العنف فالسلمية أقوى من الرصاص ومن قوة الحديد والنار، وعلى قادة الحراك الشعبي أن ينتبهوا إلى المندسين والذين يدفعون بإتجاه إستعمال العنف، والإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة، مع الحرص على التعامل بأقصى حالات ضبط النفس مع تدخلات قوى الأمن وعدم الإنزلاق للعنف، وتبني خطاب سياسي يغلب منطق العيش المشترك والتسامح والتنوع السياسي والفكري، والإبتعاد عن الدوغمائية والغوغائية و التحزب ضيق الأفق.. ومجددا تحية للشعب الجزائري الذي أبهرنا بتحضره ووعيه، والأكثر من ذلك، أن رفع العلم الجزائري صاحبه وجواره رفع علم فلسطين، هوما يمثل رسالة رمزية واضحة الدلالة للداخل وللخارج، ينبغي أن نتعامل معها بإيجابية وتفاؤل، فالمستقبل إن شاء الله ستصنعه هذه الشعوب العربية، فبالرغم مما مورس عليها من تضليل وظلم، إلا أن الشعوب وهي تقاوم الإستبداد والحكم الظالم، لا تنسى قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك، وذلك دليل على أن حياة الأمة وتقدمها ونهضتها لا ينفصل عن الدفاع عن مقدسات الأمة والعودة إلى الأصل، والأصل، بنظرنا الإسلام وتعاليمه وتوجيهاته السامقة، والتمسك بالوحدة العربية/ الإسلامية فهي مصدر القوة في حالة توافرها، والضعف والهوان عند غيابها…والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي وأكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني والشرق آسيوي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرا على النصح، و لكن أهل الجزائر أدرى بشعابهم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here