د. طارق ليساوي: الربيع العربي على ضوء الحالة السورية: ثورة أم مؤامرة؟

د. طارق ليساوي

في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان العالم العربي يعيش على وقع حراك شعبي إنطلق بالثورة التونسية التي فجرها الشهيد “البوعزيزي” و إنتقلت شراراتها إلى باقي بلدان العالم العربي فأسفرت عن سقوط أنظمة سياسية عمرت لعقود و نشرت الظلم و الفساد، و حركت هذه الثورات المياه الراكدة و أعادت للنفوس الأمل في الكرامة والحرية والعدل و المساواة، و أحيت حلم بناء الدولة المدنية العادلة و الديموقراطية، و خلقت حالة من الأمل في مستقبل أفضل…

فكل من كان له شرف المشاركة في هذا الحراك الشعبي لا يستطيع أن ينسى تلك الأحداث بحمولتها النفسية و قيمها النبيلة، و يشعر بالأسى لما ألت إليه الأوضاع من تدهور و تفكك لأغلب بلدان الثورة ونجاح الثورات المضادة في الإنقلاب على الواقع الجديد، وتغيير بوصلة الرأي العام و تحريف الأفكار و القيم السامية والسامقة التي حركت الجماهير و دفعتها للخروج بسلمية و تضامن لم يشهد له التاريخ الحديث مثالا.. بل و الأدهى هو أن هناك إتجاه واسع أخد يشكك في هذه الثورات و يعتبرها مؤامرة غربية /صهيونية، و أنها إمتداد لمشروع الشرق الأوسط الكبير و لمفهوم الفوضى الخلاقة الذي أسست له إدارة “بوش الإبن”…

و  الواقع أنني أنزه الربيع العربي عن هذا الأمر و أستبعد أن تكون هذه الثورات الشعبية من تذبير أيادي غربية، فالأمر أكبر و أعمق من قدرات الغرب و غيره من القوى البشرية ، و إنما الأمر له صلة بإرادة فوق البشر إنها إرادة الله الذي قذف في قلوب هذه الجماهير روح المقاومة و التطلع للحرية و الكرامة و الانتفاضة ضد الظلم و الطغيان، و السعي لتغير واقع مظلم كاحل، عنوانه الخنوع المذل للأجنبي، و القهر والطغيان الداخلي، فهذه الروح الجمعية التي عمت الميادين و الساحات العامة على إمتداد العالم العربي، لم نكن نراها من قبل و لا من بعد…

فنحن نعلم عقلية شعوبنا قبل الثروة، فمن الصعب حمل ألف من الناس على رأي  و موقف موحد، فكيف بتوحيد رأي ووجهة نحو 100 مليون عربي نزلت الشوارع طيلة فترات الربيع العربي؟ بل إن جُل هذه الإحتجاجات جُوبهت بالقمع الشديد و الرمي بالرصاص، و سقطت أرواح و جُرِح الكثير في مشهد يجعل الحليم حيران، ومع ذلك إستمرت الشعوب العربية في مسيراتها و إعتصاماتها في كل من اليمن و مصر و سوريا و البحرين و المغرب و تونس ..فمن هي هذه القوة الأجنبية التي تستطيع أن تحمل الناس على مواجهة الرصاص و القصف بصدور عارية وفي نكران للذات لم نشهد له مثيل، إلا في عصر الرسالات السماوية التي غيرت النفوس و شحنتها بطاقة روحانية رفعت الإنسان عن ماديته و أخرجته من أنانيته و مصالحه ضيقة الأفق، بل ما شهدته الساحات العربية من عنف الأنظمة الحاكمة و مقاومة الشعوب الثائرة، للظلم و القهر و العنف و البلطجة، ما كان  يمكن تحمله لو أن هذه الثورات نتاج لمؤامرة أجنبية تم تمويلها و التخطيط لها من الخارج…فليس هناك عاقل يعرض نفسه لرصاص و القتل خدمة للغير و مقابل بعض المتاع.. فمثل هؤلاء المأجورين لن يستطيعوا تحمل تكاليف المواجهة و دفع ضريبة الدم…فالكرامة و العزة و الحرية أمور لا يمكن تحفيزها من الخارج وإنما هي نابعة من الذات المؤمنة بقضية و فكرة  …

غير أن ذلك لا ينفي أن هذه الثورات تم توجيهها و تغيير وجهتها نحو خدمة مصالح قوى أخرى، وذلك نتاج طبيعي لحالة الضعف و الوهن التي تمر منها بلدان الثورة، فمهما يكن فالناس ليسوا سواء في قدرتهم على التحمل و الصبر، فإدارة الدولة و ضمان نموها و أداءها بالشكل الأفضل، وقدرتها على الإستجابة لتطلعات الجماهير الثائرة ليس بالأمر الهين ، خاصة في ظل بيئة داخلية وخارجية معادية للثورات وأمالها، و قد تم إستغلال الظروف الإقتصادية و الخصاص الإجتماعي بشكل ذكي من قبل الأطراف المعادية للثورات و لعب المال و الموارد الإقتصادية   عنصرا محوريا في لي عنق الثورات الشعبية، و تكبيل حركة الأنظمة السياسية التي أفرزتها الثورات…

فقد تم الإستثمار بشكل مكثف في إعادة عقارب الساعة للوراء و في تيئيس الناس، و تصوير خروجهم على أنه خطأ فادح، و أن الوضع القديم كان أفضل، و أن سلعة الأمن و الإستقرار غالية وثمينة، و لعب المال الخليجي و التخطيط الغربي دورا بارزا في وأد حلم الثورات العربية و تعزيز نفوذ الحرس القديم و الدولة العميقة، و نجح تحالف شبكات الفساد المنظم و القمع  المهيكل في العودة إلى المشهد عبر أسماء جديدة و ألوان حزبية مغايرة في الشكل ومشابهة في المضمون…

و أيضا علينا أن نتوخى الحذر في تقييمنا لهذه الثورات، لا سيما عند إضافة الثورة السورية لسجل الثورات العربية، فالثورة السورية و التوجه الذي سلكته بعد نحو عام من إنطلاقها، كان سببا في حالة الإحباط العام الذي شهده العالم العربي و لازال، فتعامل النظام السوري بدموية و سادية مع الثورة، و إخراج الثورة من طابعها السلمي المدني و محاولة تسليح المعارضة و عسكرة الثورة أفرز حالة دموية بسوريا إنتقل تأثيرها إلى باقي الإقليم العربي،و تدخل قوى معادية للنظام السوري و معروفة بولاءها للأجنذة الغربية، و تحديدا بعض بلدان الخليج، رفع منسوب التشكيك في هذه الثورات العربية، و تزكية التوجه القائل بأن هذه الثورات هي مؤامرة غايتها خدمة المخططات الغربية والصهيونية…

و يبدو هذا الطرح سليما بالنظر إلى الحالة السورية المعقدة و ذات الخصوصية المحلية والإقليمية، فلا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبته سوريا في ضمان إستمرار حالة الصراع العربي الإسرائلي بعد إنسحاب مصر، إذ نجح النظام السوري عبر تكتيكاته و تحالفاته، في  “فَرْمَلة” مسار الإستسلام للإرادة الصهيونية، فالنظام السوري رغم بشاعته و دمويته قبل الثورة و بعدها، إلا أنه كان ذكيا  في التعاطي الجيبوليتكي مع الواقع الإقليمي و الدولي، فقد لعب دورا في إستمرار المقاومة المسلحة في مواجهة الكيان الصهيوني ، و تمكن من إقامة درع مقاومة كانت له فعالية واضحة في مواجهة الإندفاع الصهيوني، منذ توقيع إتفاقية السلام مع مصر و فيما بعد مع الأردن و منظمة التحرير الفلسطينية، فالوضع السوري كدولة مواجهة جد معقد و لا ينبغي ربطه بباقي بلدان الربيع العربي…و التدخل الخليجي تحديدا في الثورة السورية و عسكرة الثورة كان في واقع الأمر مؤامرة ضد الشعب السوري، فهناك قاعدة تقول لا حرب مع إسرائيل بدون مصر و لا سلام بدون سوريا.. ووفق هذه القاعدة علينا تحليل الحالة السورية، فهي حالة فريدة لا تنطبق خصوصيتها و ظروفها على باقي البلاد العربية …

و لا يعني موقفي هذا تحيزا للنظام السوري فهو نظام مجرم في حق شعبه، و الإطاحة بالنظام و محاسبة الجناة و القصاص للقتلى و الجرحى و المشردين المدخل لتحقيق أي مصالحة مستقبلية، وذلك بنظري أضعف الإيمان لجبر الضرر..  لكن ذلك لا يمنعنا من الإقرار بأن النظام السوري نجح في حرمان إسرائيل من الإستمتاع بثمار  السلام و الأمن مع العرب، فقد تم حصارها عبر دعم الفصائل المقاومة و إحتضانها و دعمها بالمال و السلاح، و أسطورة حزب الله و قدرته على مواجهة إسرائيل عام 2006 و “مذبحة الدبابات” و قصف العمق الصهيوني ما كان لها أن تتحقق لولا الدعم السوري، و تحمل النزاع السورية المسؤولية السياسية في دعم خيار المقاومة…

و خلاصة القول، أن الثورات العربية تم إستغلالها لكن لا يصح أن نصفها بأنها نتاج و إفراز لمؤامرة أجنبية، فلو إفترضنا أن هذه القوى لها الكفاءة والقدرة لتوجيه ملايين الشعوب بالشكل الذي رأيناه و عايشناه يوما بيوم، و دفعها للصمود و الإعتصام بالشوارع لشهور و في ظروف جد قاسية، فكان أولى لهذه القوى الأجنبية – الخارقة-  أن تقنع  الشعوب بالخضوع و الخنوع للأنظمة التي تم إسقاطها، خاصة و أنها أنظمة كانت تخدم مصالح الغرب بكفاءة فائقة، في مقابل قمع وتجويع و نهب ثروات شعوبها بنفس الكفاءة و الفعالية…

فالشعوب خرجت بعد 2011 بتلقائية و عفوية،و ما حدث هو ثورة لكن هذه الثورات لم تكتمل بعد، و لم تحقق أهدافها كاملة، بفعل التكالب الأجنبي و تحالف قوى الفساد و القمع و الطغيان من أجل إفشال هذا التطلع الشعبي، لكن خميرة الثروة لازالت قائمة و حركة المد و الجزر قائمة و قانون التدافع يفعل فعله ، و المعركة مستمرة، و القادم من الأيام و السنوات سيؤكد لكل المنتقدين أن الشعوب العربية إنتفضت من أجل الحرية والكرامة ونبذ الظلم و الطغيان، وليس خدمة لمشاريع أجنبية وتنفيذا لأجندات صهيونية أو غربية …و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مصطلح “الربيع العربي” غير صحيح أصلا. لا يوجد في صحراء الربع الخالي أو صحراء النفوذ شيئ اسمه فصل الربيع. صيف لاهب حارق هو السائد.

    أنا الربيع في بقية دول العرب فهو أقصر من ذنب الفيل. لا تتحدثوا عن ربيع بل عن مؤامرة كونية ضد دولة عربية متقدمة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وفنيا وثقافيا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here