د. طارق ليساوي: الديمقراطية التشاركية والاختيارات التنموية الصائبة والقيادة السياسية الحكيمة: ثالوث المعجزة التنموية الماليزية…

د. طارق ليساوي

خلصنا في المقالين السابقين حول التجربة التنموية الماليزية، إلى أن  هذه التجربة تستحق الدراسة و المحاكاة، لكونها نجحت في تحويل الصعوبات إلى فرص، ووظفت الموارد الطبيعية و البشرية لبناء دولة عصرية ديمقراطية متطورة، و أن هذا الأداء التنموي الجيد تحقق بفعل وجود جملة عوامل مساعدة و قد أوضحنا بعض هذه العوامل من قبيل الاستفادة من الجوار الجغرافي و تغليب منطق التعاون على منطق الصراع، و توظيف التنوع الإثني و العرقي و جعله قاعدة للبناء بدلا من إعتبار التنوع و التعددية عائق في وجه التنمية و مضر بالأمن و الاستقرار.. و التوظيف الجيد لهذه العوامل مصدره المرونة السياسية التي ميزت النظام السياسي الماليزي منذ استقلال البلاد سنة 1957، فتوفر القيادة السياسية الوطنية الواعية والنزيهة، لعب دورا بالغ الأهمية في إختيار التوجهات التنموية التي تنسجم مع طبيعة و خصوصية المجتمع الماليزي.. و هو الأمر الذي يقودنا إلى تحليل البنية السياسية للنظام السياسي الماليزي(أولا)، و توضيح المنهج التنموي الذي تم تبنيه في ماليزيا منذ الاستقلال(ثانيا)..

أولا – النظام السياسي الماليزي: الديمقراطية التشاركية

يوجد في ماليزيا نظام سياسي يختلف عن السائد في الأنظمة السياسية في معظم الدول، فالنظام السياسي ملكي دستور انتخابي فدرالي، ينتخب الملك من سلاطين الأقاليم التسعة وحكم الملك خمس سنوات، أما تعيين الوزراء، فيتم من خلال انتخابات شعبية يتخللها انتخابات مجلس الشعب، و يوجد في ماليزيا 13ولاية منها 9 ولايات يحكمها سلاطين، والسلطنة هي بالوراثة ومعظمهم من كبار الملاك والإقطاعيين، الذين تقدر ثروتهم بملايين الدولارات فهم يملكون الذهب بكميات كبيرة والتي ورثوها من أجدادهم عبر القرون. وكل خمسة سنوات يختارون من بينهم ملكا لماليزيا، وهو ما يسمونه “الأجونج””ملك الملوك”…

وتتوزع السلطة إلى حكومة مركزية تتألف من 13 مجلسا تشريعيا في الولايات، ويتكون البرلمان المركزي من مجلسين، فالأول “ديوان نيغارا” (المجلس الأعلى)، والديوان الثاني “راكيات” (المجلس الأصغر)،اما مجلس التشريعات يسمى بديوان “ندانغان”، وهو مجلس الولايات التشريعية و  يتم اختيار اعضاءه بالانتخاب العام المباشر،  والحزب الذي يتمكن من الفوز  بأكبر عدد من المقاعد يتولى تشكيل الحكومة و إدارة مقاليد الحكم ورئيس الوزراء يعتبر الحاكم الفعلي للبلاد..و بالرغم، من أن الدستور يعتبر ماليزيا ملكية دستورية، إلا أن  الملك أو السلطان يسود و لا يحكم، فالملك يرأس النظام السياسي لكن لا يمارس الحكم، و اختصاصاته شكلية ويقوم بسلطات رمزية، وفي معظم الأمور يتصرف بناءا على “نصيحة” الحكومة.. وقد تمَّكن “مهاتير” من تقليص صلاحيات السلاطين سنة 1993، عندما تم الموافقة على رفع الحصانة عنهم، وعلى محاكمتهم قضائيا في محاكم خاصة في حالة اتهامهم، كما تم تقليص صلاحياتهم في إعطاء العفو الملكي.

و ما يميز التجربة السياسية الماليزية أن كل رئيس وزراء يكون الشخص المناسب للمرحلة، فمثلا “تنكو عبد الرحمن” كان أول رئيس للوزراء و لعب دورا محوريا في إستقلال البلاد ، هذا الرجل المتعلم في جامعة أكسفورد، قاد حركة التحرير و أدرك منذ البداية أن الاستقلال لن يتحقق إلا بتوافق جميع فئات المجتمع الماليزي. ونجح في بناء علاقات وثيقة وتفاهمات مع قيادات الصينيين والهنود، اعترف فيها هؤلاء بعدد من المزايا للملايو، في مقابل اعتراف الملايو بحقوق المواطنة الكاملة للصينيين والهنود. ونجح “تنكو عبد الرحمن” في بناء التحالف من الأحزاب الكبرى الثلاث، وهو ما شكل أساس فكرة التوافق و”اقتسام الكعكة” بين مختلف الأعراق، وعلى أساس هذه الفكرة أطلق “محمد مهاتير” مشروعه التنموي و رؤيته لماليزيا عام 2020، بل إن عودته للسلطة بعد تقاعده راجع إلى الانحراف عن هذا المسار…

تعقد في ماليزيا كل خمس سنوات انتخابات ديمقراطية حر لانتخاب أعضاء مجلس النواب الماليزي”ديوان الرعية”، وطبيعة الانتخابات البرلمانية تتم على أساس حزبي و غالبا ما توصف بالنزاهة والمصداقية، لكنها لا تخلو أحيانا من اتهامات باستخدام المال السياسي أو التلاعب في الأصوات..وبشكل عام تتميز الانتخابات بأنها تحدث بشكل منتظم في مواعيدها،  لذلك تلجأ القيادة السياسية إلى ضمان نجاحها في الانتخابات عن طريق:

  • تشكيل تحالفات موسعة يضم مختلف الطوائف والأعراق،

  • تقسيم الدوائر جغرافياً، بحيث تعطى نسبة تمثيل أعلى للملايو، وفرص نجاح أفضل لمرشحيه،

  • حصر الحملات الانتخابية في مدة لا تتجاوز ثلاث أسابيع..

  • تبني نظام انتخابي يعتمد على الأكثرية العددية البسيطة للفوز في الدوائر الانتخابية، بحيث يفوز عنكل دائرة مرشح واحد..

يمكن القول استناداً لطبيعة نظام الحكم في ماليزيا بأنه يقع في خانة النظم البرلمانية الديمقراطية القائمة على أساس منح الصلاحيات لمجلس الوزراء ورئيسه، في حين تظل صلاحيات الملك والسلاطين صلاحيات بروتوكولية، كأي نظام برلماني يمارس التعددية الحزبية وسلاسة انتقال السلطة، سواء كان هذا النظام ملكياً دستورياً أم جمهورياً رئاسيا..و و أهم مايميز النظام السياسي هو الاستقرار بفعل تغليب منطق التوافق و المشاركة و التعاضد ، و هو ما لعب دورا بالغ الأهمية في حالة الاستقرار السياسي الذي تمتعت به البلاد طيلة فترة مابعد الاستقلال، فخلال 60 عاًما ( 1957- 2019) قاد ماليزيا سبعة رؤساء حكومات، وهو ما يشير إلى حالة الاستقرار النسبي الذي عاشته ماليزيا.و كان لهذا الاستقرار دور في نجاح الخطط و البرامج التنموية….

ثانيا- الإطار النظري للاختيارات التنموية في ماليزيا..

أعطينا في السابق موجز عن الفعالية الاقتصادية و الأداء التنموي الماليزي، و كيف استطاع هذا البلد الانتقال من الإعتماد على الزراعة والصيد، الى دولة صناعة متطورة، ومصدر هذا التحول هو الخطط التنموية التي نفذتها الدولة، و نموذج التنمية المتكاملة التي تبنتها وأدت في المحصلة النهائية لحدوث هذا  الارتقاء.. وسنحاول من خلال هذا العرض، تقصي ملامح المنهج و الإطار النظري الذي أطر السلوك التنموي الماليزي منذ الاستقلال..و يمكن القول، أن ماليزيا اعتمدت على مجموعة من النظريات التنموية، وموائمة بين تلك النظريات والخطط التنموية من جانب، وتنفيذها عبر فترات من جانب آخر، وعلى هذا الأساس تم تطويرها. وبهذا بدأت عملية التطوير في تلك البلد من منتصف السبعينات من القرن المنصرم، حتى ما وصلت الى ما عليه اليوم من تطور في جميع الجوانب، و قد لعب “مهاتير محمد” دورا بالغ الأهمية في أجرأت السياسات و الخطط و التوجهات التنمية، و نجح في تحويل الأطر النظرية ، إلى حقائق على الأرض و إنجازات ملموسة يمكن معايشتها و قياسها..

فالتجربة الماليزيا قامت على فلسفة  البناء والتطور منذ الإستقلال إلى الوقت الراهن ، حيث عملت البلاد على استثمار الموارد الطبيعية واعتمدت على تصنيعها، وكذلك عملت على تنمية الموارد البشرية، من خلال العمل على تطوير الفرد وتنميته من حيث تقديم خدمات نوعية في مجال الصحة والتعليم، واعتمادها على اقتصاديات التعليم بصفتها عاملاً اساسياً في تنمية الأفراد من جميع النواحي، وهذا بدوره أدى إلى محاربة البطالة والفقر والتخلف والأمية.. مما جعل المواطن الماليزي مواطناً فعالا، من حيث الإنتاج وكذلك تطوير البنية الأساسية والبشرية للفرد، حيث أدى ذلك إلى البناء المتكامل في مجال التنمية البشرية..

واستندت في ذلك، على التجربة اليابانية وعلى نظرية التنمية الإسلامية التي تقوم على رفع من مستوى الأفارد، وكذلك الإهتمام بالجماعة وهذا بدوره أدى إلى بناء نظرية تنموية ماليزيا متكاملة، بحيث أدت إلى ترسيخ المفاهيم التنموية التي من شأنها تشكيل البناء التنموي المتكامل لدى المجتمع الماليزي، فنتج عن ذلك، تطور الصناعة والتجارة وكذلك التعليم، واعتمدت على الإصلاح السياسي القائم على الحرية الموجهة والعمل من أجل إيجاد ماليزيا المتطورة والمتقدمة..وعلى هذا الاساس يمكن التأكيد بأن ماليزيا اعتمدت عدة نماذج تنموية يمكن اجمالها على النحو التالي:

  • اعتمدت على محاربة الفساد، والمكاشفة والشفافية وبهذا تكون قد اعتمدت على النموذج الإسلاميالذي ينادي بذلك.

  • اعتمدت على اصلاح القضاء، وتبني مفهوم العدالة بين جميع الناس، وبذا تكون اعتمدت علىنموذج النظرية الاسلامية التنموية.

  • اعتمدت على الاهتمام بالإنسان في تنمية قدراته وإمكانياته، عن طريق تطوير التعليم وتطويرهونمائه، وهنا تركز النظرية على هذا الجانب الذي اعتمد على نظرية التنمية البشرية، والنموذجالاسلامي التنموي.

  • اعتمدت التجربة الماليزية في التنمية، على العدالة في توزيع الثروات، والمساواة بين الملكيات،وخلقت الفرص للجميع بغض النظر عن العرقية التي ينتمي اليها، وخلقت فرص للتنمية وبذلكتكون قد اعتمدت على النموذج الاسلامي التنموي في هذا الجانب، الذي يؤكد على العدالة فيتوزيع الثروة على جميع افراد المجتمع.

  • عملت ماليزيا على انشاء وتطوير البنية التحتية من جسور وشبكة مواصلات ومطارات وسككحديدية، وكذلك تطوير قطاع الصناعة والانتاج، وزيادة مستوى التصدير، وبذا تكون قد طبقتنظرية التنمية الاقتصادية..

  • عملت ماليزيا على التخطيط المستمر، لتطوير وتخطي الأزمات ممثلاً ذلك في تخطي أزمتها التي حلت بها سنة 1997، وكذلك خطتها التي وضعتها لبناء ماليزيا الحديثة عام 2020…

فالنجاح التنموي هو نتاج للإختيارات التنموية الناجحة، و التنفيذ الصارم للخطط و البرامج، و توافر عنصر المرونة و المواكبة للتحديات الناشئة، و للمزيد من التوضيح لهذه التجربة سنحاول إن شاء الله في مقال منفصل مقارنة الاختيارات التنموية الماليزية مع نظيراتها في بلداننا العربية، لفهم سبب فشل نماذجنا التنموية المعاقة نظريا و تطبيقا.. و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here