د. طارق ليساوي: التوحيد والمرونة: أهداف مبادرات الإصلاح الصناعي للفترة ما بين 1980/ 1984 في الصين..

د. طارق ليساوي

خلصنا في مقال “التدرج و الانفتاح: أهم ركائز إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة في الصين” إلى أن نجاح الإصلاحات الزراعية في منتصف الثمانينات، ونجاحها  في رفع مستوى الإنتاج الزراعي. أضفى على» زهاو زيانغ « مصداقية كبيرة باعتباره المصلح – وضم إلى نهجه  حلفاء أقوياء  بداخل قيادة الحزب الشيوعي، و نتيجة لمبادراته الإصلاحية اتخذت إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة خطوة كبيرة إلى الأمام، و هو ما سنحاول توضيحه من خلال تفكيك بنية مبادرات الإصلاح الصناعي للفترة ما بين 1980-1984..

ذلك أن سنة  1984، شكلت سنة  تجميع الإصلاحات التي استهدفت إعادة رسم النظام الصناعي الصيني بأسره، بما في ذلك مؤسسات الدولة، ففي 10 مايو 1984  أصدر مجلس الدولة “اللوائح المؤقتة بشأن توسيع نطاق الحكم الذاتي للمؤسسات الصناعية المملوكة للدولة”، وغالبا ما يشار إليها على أنها “لائحة الأنظمة العشر لنقل السلط “، و فيما يلي قائمة ببعض المبادرات الواردة في هذه الوثيقة :

 – يمكن للمؤسسات المذكورة أعلاه – بيع ما لديها من حصص الإنتاج في الوقت الذي تراه مناسبا – ويمكن أن تقوم ببيع 2 ٪ من حصص الإنتاج المقررة.

– كما يمكن للمؤسسات التصرف في السلع المنتجة في  الوقت الذي تراه مناسبا، وفرض أسعار 20 ٪ أعلى أو اقل من أسعار الدولة، لكن هذا البند لا يشمل السلع الاستهلاكية، ويمكن للمؤسسات بيع بعض الأصول المجمدة .

– يمكن للمؤسسات استخدام 70% من الأموال في صندوق خاص بالاستهلاك بدلا من تحويلها إلى الحكومة المركزية.

– مديري المؤسسات أصبحوا يتمتعون  بقدر اكبر من حرية التصرف في تحديد أجور العاملين في إطار برنامج الإصلاحات .

– مدير المؤسسات أصبحوا يتمتعون  بقدر اكبر من السلطة لتعيين وإزالة المديرين من المستوى المتوسط في إطار الإصلاحات ؛ و من حيث المبدأ أصبح  المديرين يملكون سلطة ترشيح من ينوب عنهم .

– مديري المؤسسات يمكنهم إجراء تغييرات في التنظيم الداخلي لمؤسساتهم بدلا من مجرد تنفيذ الهياكل التنظيمية الصادرة من أعلى .

– رغم عدم التنصيص على هذا النبذ في وثيقة 10 نقاط، تم بعد 1984 توسيع مسؤولية مديري المؤسسات فيما يخص اتخاذ القرارات المتصلة  بالأعمال التجارية للمؤسسة.

إجراء رئيسي آخر لم يدرج في “وثيقة 10 نقاط”، لكن تم العمل به، ويتمثل في قرار تحويل معظم العاملين في المؤسسات الصناعية المملوكة للدولة، إلى نظام العمل بعقود.. هذا التدبير بدأ العمل به على مستوى ضيق في عام 1983، لكن في سنة 1986 بذلت جهود لتطبيق هذا النظام على جميع العمال الجدد. وبحلول التسعينات، تم توظيف معظم العمال الجدد بالمؤسسات المملوكة للدولة على أساس تعاقدي؛ وفي عام 2002، فان غالبية الموظفين الصناعيين كانوا خاضعين لهذه الشروط…

فإصلاح المؤسسات خلال هذه الفترة استهدف بالدرجة الأولى زيادة الاستقلال الذاتي، لكن في إطار هيكل التخطيط المركزي، فالقيادة الصينية اعتبرت الإصلاحات وسيلة لتأسيس ” اقتصاد سلعي مخطط ” “planned commodity economy” . ولا شك أن هذه التدابير عملت على التخفيف من سيطرة الدولة على المؤسسات الصناعية، وإعطاء المديرين مزيدا من المرونة في جهودهم الرامية إلى تحسين أداء شركاتهم، ولكن مع ذلك ظلت هذه الاستقلالية مقيدة إلى حد ما.

والوثيقة التي تجسد على نطاق واسع الطابع الرسمي لقرار إصلاح النظام الصناعي في الصين، هي “قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصين لإصلاح البنية الاقتصادية  ” والتي تمت الموافقة عليها  في  20 اكتوبر1984، في الجلسة العامة الثالثة للجنة المركزية الثانية عشرة. وفيما يلي بعض المقتطفات من هذه الوثيقة:

” ..المجتمع الاشتراكي والاقتصاد المخطط على أساس الملكية العامة لوسائل الإنتاج. تمكن من تجنب الفوضى في الإنتاج والأزمات الدورية التي من سمات المجتمع الرأسمالي.  . وفي الوقت نفسه، تبين التجربة التاريخية أن الاشتراكية و نظام التخطيط ينبغي أن يجمع في أن واحد بين التوحيد والمرونة، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الصين تتكون من أراضي شاسعة وعدد كبير من السكان، وصعوبة تحسين ظروف النقل بشكل جذري في فترة قصيرة، وعدم كفاية المعلومات تجعل تفاوت التنمية الاقتصادية والثقافية لمختلف المناطق أمرا واضحا…”

 وتقر الوثيقة بوضوح أن تنفيذ الخطط و الأوامر الإدارية لوحدها في تجاهل للأهمية الاقتصادية لعوامل السوق، لن يحقق الأهداف المرجوة وسيخلق تفاوتا بين المناطق في التنمية، وتستمر الوثيقة في سرد أوجه الخلل في البنية الاقتصادية للصين لاسيما في جانب الأسعار:

“….لدينا نظام أسعار حالي غير منطقي للتعبير عن ما يلي : فروق الأسعار وعدم كفاية منتج معين مع نوعية متنوعة، نسب أسعار غير منطقية بين مختلف السلع الأساسية ، ولا سيما أسعار منخفضة نسبيا بالنسبة لبعض المنتجات المعدنية والمنتجات الخام والمواد شبه المصنعة .. “

لذلك، تم التوصل إلى قرار بضرورة إصلاح نظام الأسعار السائد: “.. وعلينا أن نصلح النظام المركزي لمراقبة الأسعار، والتخفيض التدريجي لنطاق الأسعار الموحدة التي تحددها الدولة، وتوسيع نطاق تعويم الأسعار ضمن حدود معينة… ““Decision of the Central Committee”1984)).

ووافق مجلس الدولة أيضا على قرار للحد من عدد المنتجات الصناعية الخاضع للتخطيط الإلزامي mandatory planning من 120 إلى 60، و الرقم 120 هو بالفعل اقل من 256 المنتج تخضع للتخطيط الإلزامي في عام 1979، ولكن أسعار هذه المنتجات تخضع للتخطيط الإلزامي إذ يتعين على الدولة أن تحدد أسعارها… ومن حيث المبدأ، هذه القواعد الجديدة (بما فيها وثيقة 10 نقاط ) لم تلغي التخطيط إلا أنها شكلت بداية فعلية  للتحول الجذري نحو اقتصاد السوق…

وبعد المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر 1987، الصين اعتمدت مبدأ السوق وإدارة المشاريع وفقا لآلية السوق، وشجعت الحكومة “نظام المسؤولية التعاقدية”(chengbao zhi ) . وبموجب هذا النظام ، مدة العقود تمتد لمدة ثلاث سنوات على الأقل (لتجنب المساومة السنوية )، مع تقوية الدور التقريري لمدراء المؤسسات الصناعية.. كما أن هذه الترتيبات سمحت للمؤسسات المملوكة للدولة بالإبقاء على حصة اكبر من الأرباح ، وبحلول نهاية عام 1987 ، نحو 80 ٪ من المؤسسات الكبيرة ومتوسطة الحجم، أصبحت تعمل وفقا  لعقود الأداء ؛ وبحلول عام 1989 ، تقريبا جميع المؤسسات المملوكة للدولة واصلت العمل بهذه العقود إلى غاية عام 1993…

فشركة ” Shougang steel “المتخصصة في الصلب هي مثال للمؤسسات الكبيرة الحجم المملوكة للدولة، والتي دخلت في عقد طويل الأجل مع بلدية بكين. هذا العقد الذي تم تمديده إلى نهاية عام 1995 ، أعطي المؤسسة استقلال ذاتي واسع النطاق، ومقابل هذا الاستقلال تعهدت المؤسسة برفع الأرباح المدفوعة إلى الدولة بنحو 7،2 % سنويا…وجميع عقود الأداء تم التفاوض بشأنها، وتمت صياغتها في اتفاقيات مكتوبة بين الحكومات ومديري المؤسسات المملوكة للدولة، وتتضمن هذه العقود أهدافا محددة وواضحة تتعهد الإدارة بتحقيقها داخل إطار زمني محدد…

و الجدير بالذكر، أن عملية الإصلاح بين عامي 1984 و 1985 كان استجابة لعدد من المشاكل السياسية والإدارية، التي واجهت المؤسسات الصناعية المملوكة للدولة، فالصين آنذاك،  كانت لا تسترشد بأي برنامج متماسك لإنشاء اقتصاد السوق. وتحديد أسعار مدخلات الإنتاج يعتبر مثالا جيدا لطبيعة المشاكل والإصلاحات الجزئية التي أدخلتها الحكومة، فأسعار المدخلات الصناعية قبل  1984 تم تحديدها من جانب الحكومة، لكن “الحكومة” لا تعني فقط الحكومة المركزية ببكين، بل تشمل حكومة المقاطعة ، والحكومات المحلية، وهو ما نجم عنه  تباينا في الأسعار بحسب المقاطعات..

وفي أوائل الثمانينات سمح للشركات ببيع ما لديها من إنتاج يفوق الخطة للمشترين، وكان لا بد لبيع هذه المنتجات من وجود أسعار تحدد ثمن بيع المنتج.وهكذا، شهدت الصين تعددا في الأسعار لمجموعة من المنتجات الاستهلاكية. وظل المبدأ العام هو أن الأسعار يتم تحديدها إداريا وليس وفقا لآلية السوق. ومع ذلك، كان هناك مجال واسع للتفاوض بهدف تعديل الأسعار على مستوى المشاريع. وهذا الإدراك دفع إلى تحرير الأسعار بحيث لم تعد   تسيطر عليها الحكومة، وذلك على غرار ما حدث في مجال الزراعة.

تحرير أسعار المدخلات الصناعية، حظي بمعارضة شديدة من قبل بعض القوى التي فضلت الإبقاء على الأسعار محددة من طرف الحكومة  على اعتبار أن التحرير الجذري للأسعار من شأنه أن يؤدي إلى الفوضى . ولتفادي ذلك تم تبني هيكل مزدوج للأسعار كحل وسط بين المؤيدين والمعارضين للتحرير.

الإصلاح الثالث الذي بدأ في عام 1984 و كان له تأثير هام على أداء المؤسسات المملوكة للدولة، هو كسر هيمنة الحكومة على القطاع المصرفي، فبجانب البنك المركزي تم إنشاء أربع بنوك تجارية كبيرة.

إلا أن تغيير هيكل الجهاز المصرفي لم يؤدي بالضرورة لتعديل سلوك البنوك ، فقد واصلت هذه المصارف التجارية إقراض الأموال بناءا على طلب الساسة والمخططين المحليين وليس على أساس الجدوى التجارية للمشاريع التي يجري تمويلها .

التطور الخطير في أواخر الثمانينات تمثل في ارتفاع الفساد الذي تورط فيه العديد من المسئولين الحكوميين. الكثير من هذا الفساد يعزى إلى استمرار انتشار الضوابط البيروقراطية التقديرية  على الاقتصاد ، بالإضافة إلى التلاشي التدريجي للمنع الرسمي لشراء الكماليات،  لدرجة جعل الكثيرين  يعتقدون  بوجود علاقة سببية، بين ارتفاع الفساد  وتوسع اقتصاد السوق، و هو ما قاد الحكومة الصينية إلى إطلاق حزمة جديدة من الإصلاحات، و هو ما سيشكل محورا لمقال منفصل إن شاء الله… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here